مشيناها خُطىً كُتِبَت علينا..  ومن كُتِبَت عليه خُطىً مشاها..
ومن كانت مَنِيَّتهُ بأرضٍ..  فليس يموت في أرضٍ سواها..

(تُنسب لأبي العلاء ، وصحيحها: عبد العزيز الدريني)

في حين أن الكتابة العلانية عن شؤونك الذاتية هو قرار يغامر بخصوصيتك، إلا أن الكتابة العلانية عن شؤون الجماعة التي تنتمي إليها هو مغامرة أكبر. ففي حين تملك الحق في المغامرة بخصوصيتك كفرد، فهي شؤونك لطالما كنت مستعدًا لتتحمّل كلفة التبعات بشكل مسؤول، إلا أنك لا تملك نفس الحق في المُقامرة حينما يتعلق ذلك بغيرك. الكتابة العلانية عن الأقباط هي قرار صعب، وينطوي على كلفة أكبر.

قرار الكتابة -دون قرار العلانية- بدأ منذ طفولتي، ورغبتي الذاتية في تفريغ ما بداخلي على أوراق المذكرات اليومية. وقبل أن يتكوّن الفيسبوك، كنتُ كائنًا يكتب ولا يطلع أحدًا على كتاباته. أما قرار العلانية، فقد كان القرار الأصعب، الذي ما زلت أشعر حتى الآن وكأني أغادر دائرة أماني وراحتي كلما دخلت دائرة الضوء والعلن.

لطالما تغنّى حكماء الآباء بفضائل الصمت، ولطالما تغنّى حكماء غيرهم بفضائل الاعتراف والبوح ودور “الحكي” في غسل الروح. وبين زعومات الفضائل المحيّرة، كنت -على عكس المألوف- أختار البوح للغرباء الذين لا نعرفهم. ربما نحن نثق فيمن لا نعرفهم لأنهم لم يخدعوننا من قبل. لكن الأهم هو خط العودة، فنحن دائمًا للغرباء غرباء أيضًا، وإنهاء التواصل مع الغرباء ينهي كل شيء دون تبعيات. ولطالما تمنيتُ أن تكون لي شرفة خاصة أطل بها على العالم، ولا يراني منها أحد؛ أن أتحدث فيسمعني الكون كله، ولا يعي منّي سوى ما تسرب عبر أناملي من كلمات. وربما لذلك صار العالم الافتراضي لي وطنًا، حين كنتُ -مع رفاق الحلم- كالسكان الأصليين في عالم سيظل الآخرون فيه مجرد مهاجرين..

يا إلهي.. كيف بدأ كل هذا؟
أظنها قصة جيدة.. ستكون مفيدة، لكنها لن تكون قصيرة.

في البدء..

بدأ التشبيك السيبراني بين الكتّاب من منازلهم بابتكار تقنية IRC [1]، وتعتمد ببساطة على امتلاك برنامج اتصال مجاني (بالأغلب mIRC، وتُنطق “ميرك”، لمُصممه الإسرائيلي من عرب 48: خالد ميردمباي). ولأن هذه التقنية لم تكن تسمح في تسعينيات القرن العشرين بالكتابة باللغة العربية، فقد ظلت محصورة في متناول طبقة المثقفين والتعليم العالي والمبرمجين، الذين بدورهم ابتكروا “الفرانكو-آراب”، أو كتابة النطق العربي بأحرف لاتينية، لتوسيع دائرة الانتشار للدردشات الجماعية دون التزام بالقيود المعرفية الإنجليزية، الأمر الذي أدى إلى ظهور الجيل الثاني وبرنامج الدردشة ICQ (يُنطق كأحرف منفردة، آي-سي-كيو، وصوتيًا تعطي التعبير الإنجليزي I Seek You، أو أبحث عنك).

على الرغم من موت هذه التقنيات حاليًا، إلا أن هذا العصر قد أثر بشكل كبير على لغة المصريين وثقافتهم. فقد نشأت لغة موازية من الاختصارات والتعبيرات الحركية [2]، فمثلًا “القهقهة” لا تُكتب “ها ها ها” وإنما LOL [3]، أما لو أردت تعبيرًا أعلى من مجرد قهقهة فسيكون ROFL [4]. وليست هذه نهاية التعبير عن القهقهات، فهناك LMAO [5] والأعلى على الإطلاق ROFLMAO [6]. هذه اللغة الموازية تبدو مُشفرة تمامًا لجيل الآباء والأمهات الناطقين بالعربية، وما زالت تُستخدم في تعليقات بعضهم للدلالة على الأصالة في العالم الافتراضي، حتى ولو بحروف عربية مثل لول، أو برب، أو وب [7].

الكتابة في هذا العصر كانتْ مجرد “شات” أو دردشة، وتعتمد بشكل أو بآخر على ترك تقنيات Peer-to-Peer (الكتابة بين مُتناظرين) إلى الخوادم (Servers)، ثم تطورت طبوغرافية التشبيك بين الخوادم، وظهرت نظم التشبيك النجمي (Star Network). تطور بروتوكول الاتصال ذاته (TCP/IP) وأصبح جزءًا من نظام التشغيل ما نسميه الآن “مُتصفّح الإنترنت”. وظهرت لغات متخصصة في الإنترنت، وهيئات لتوحيد المقاييس بين اللغات والأكواد على المتصفحات المختلفة. كل هذه التطورات المعقدة تقنيًا كانت تتحرك باتجاه الإنترنت كما نعرفه الآن: عمل جماعي عملاق يحتوي تجمعات بشرية أبسط، ونظم ومستويات صلاحيات إدارية مختلفة، ومستويات معلومات مختلفة بحسب صاحب الحساب وسلطاته.

الهويّة الرقمية

الأمر بدأ مع IRC فضفاضًا وبلا قواعد سوى التراضي. يمكنك أن تتخذ اسمًا كما تشاء، وتضايق من تشاء، وإن أُغلق الاتصال يمكنك صناعة حساب جديد باسم جديد ومواصلة مضايقة نفس الشخص إلى أن يترك الإنترنت ويهجره. كانت هناك هويّات، لكني أسميها “هويّات مرنة”، وخاصة بالصفوة التقنية لحماية النفس والآخرين من المضايقات. لكن ظهر الاحتياج الحاسم للهوية الرقمية للجميع مع عصر المنتديات العظيم.

المنتدى هو تجمّع بشري تفاعلي نصوصي أيضًا، لكن لا يُشترط أن يكون الجميع فيه أونلاين في نفس الوقت كما سبق، وفكرته قائمة على أن يطرح أحد الأعضاء موضوعًا للنقاش، ويستطيع بقية الأعضاء الإدلاء بمداخلاتهم وآرائهم في هذا الموضوع مُكَوِّنين شريطًا من الأفكار التي تتم مناقشتها بين أعضاء متكافئين في الصلاحيات. وكل مداخلة مرتبطة بهوية صاحبها، التي تتكون من اسم المعرّف وصورته الرمزية، وتوقيع خاص يذيّل مداخلاته ويميزها عن مداخلات الآخرين.

المنتديات لا تسمح بالكتابة إلا للأعضاء المسجلين، وللحصول على العضوية (الهوية)، فأنت هنا من يختار كل شيء وفق ما تشاء وتشتهي. يمكنك أن تكون سبارتاكوس، أو ، أو إن رغبت في ذلك، وبعد أن تشكّل هويتك الخاصة والفريدة، ستربط كل هذا بكلمة مرور، وبريد إلكتروني يكون وسيلة إنقاذ إضافية لو نسيت كلمة مرورك. الأمر يبدو مشابهًا لحساب فيسبوك، لكن الأهم أن هذه كانت أول لبنة لصناعة “هوية رقمية” ثابتة داخل المنتدى.

الهويّة هنا احتياج تنظيمي للتجمعات الكبيرة، إذ بهذه الطريقة يستطيع المشرفون على المنتدى معاقبة هذه الهوية لو ضايقت غيرها. أيضًا، يمكن المكافأة والترقيات، فالهوية لا تعني مقدار تفردك عن غيرك فيما تكتب، بل أيضًا قد تعني مستوى صلاحياتك، ومدى المسموح لك بمشاهدته من الأقسام السرية، أو مدى سلطتك في هرم سلطة الإشراف. إذن، مع نظم المنتديات أصبح لدينا لأوّل مرة تجمعات بشرية منظمة في هرمية (تراتبية)، ولها قواعد مشهرة تشكل تعاقدها الاجتماعي، هذا يعني أن ما تكتبه لن ينتهي بقطع الاتصال، بل سيكون جزءًا من “سمعتك الرقمية” الدائمة، وهو وضع أقرب ما يكون للتنظيم الواقعي.

التجارب الاجتماعية الرقمية

عند الناطقين بالعربية، كانت هناك محطات شهيرة: منتدى ، ثم الانشقاق العربي/الديني إلى منتدى أربياتا، ثم الانشقاق اللا ديني إلى نادي الفكر العربي. أما عند الأقباط، فقد كانت التجربة الموازية تبدأ من منتدى أقباط الولايات المتحدة، ثم الانشقاق إلى منتدى الأقباط الأحرار. وتتقاطع تجربتي الشخصية مع المسارين (أقباط الولايات المتحدة، ثم نادي الفكر العربي، ثم المساعدة في تأسيس الأقباط الأحرار، ثم الاكتئاب نتيجة أحداث الأقباط الأحرار، ثم تأسيس دولة افتراضية تُعرف باسم “دولة أبناء مصر”).

أن تتقابل مع تجمّعات بشرية وتساهم معهم على المستوى المعرفي هو أمر لا يخلو من تباين وتمايز، ويُعتبر تجربة حقيقية في التفاعل مع فنون الاختلاف على مستويات أكبر. دخلت منتدى أقباط أمريكا ببساطة لأتشاجر معهم. لم تكن فوضاهم لتُعجبني كشاب مسيحي تربى في الكنيسة بطريقة شبه عسكرية، وفي المنزل بطريقة منغلقة مُحافظة، بالتالي لم أكن لأسمح برفاهية التعبير عن الذات، أو التنفيس عن الكبت، إذا ما اقترن بالإساءة تجاه الآخرين. وفي الحقيقة، فإن هذا المنتدى كان مرتعًا للصراخ واللطميات والكربلائيات المسيحية، وكل هذا معتاد، لكن كل ما سبق كان مخلوطًا ومدموجًا بشعار كبير مفاده أن الإسلام هو المشكلة ورأس البلايا والمحرض الأول على كل ما يحيق بنا من كوارث اقتصادية واجتماعية، حتى وإن كانت ضياع سلسلة مفاتيحك. تشاجرت معهم بأدبيات مسيحية بدائية، مثل أن أُذكّرهم بآيات الكتاب المقدس التي تحض على اللا عنف والتعايش السلمي، فما كان منهم إلا اتهامي بأني مسلم. تصاعد الغضب بداخلي، فكتبت كل بياناتي الحقيقية: اسمي الكامل، عنواني، كنيستي، وحتى اسم أب اعترافي لمن أراد السؤال عني.

سكيزوفرينيا الرقمنة

تليفون برقم أمريكي اتصل بي. عضو بالمنتدى فَزِعَ من افتراشي بيانات هويتي الحقيقية على أرصفة منتديات دينية سيئة السمعة. وفي الوقت الذي كان كل ما يشغلني هو أنه يصدق أنني لستُ مسلمًا الآن، كان ما يشغله أنني متهور، وأن هذه البيانات، بطرحها للعامة، قد تعرضني لمخاطر جمة استفاض في ذكرها، ذاكرًا أنه راسل مُشرف المنتدى وأنه حذف فورًا كل بياناتي وجمّد حسابي إلى أن أعي ما أفعله.

والخلاصة أنه كان درسي الأول في الأمن السيبراني وإجراءات حماية الخصوصية، وعلمت حينها أن العالم السيبراني يجب أن تُصنع فيه هويات مغايرة، هويات بأسماء مُستعارة، دون وجه، بلا عنوان. لكني في ذلك الوقت لم أكن أنظر للكتابة على أنها شيء يستحق التقدير في مقابل قراءة الآخرين، ولا كنتُ أنظر للسياسة على أنها تستحق في مقابل خسارة الأشخاص، ولا كنتُ أنظر للجهد على أنه يستحق في مقابل المال، ذلك الأعلى بالمقارنة بكل ما سبق. هكذا كنتُ أفكّر في ذلك الوقت. أندهش الآن كيف كانت الحقائق ومحددات وأهداف الحياة واضحة إلى هذا الحد.

وبهوية مغايرة يتجلى في اسمها، سجّلت في نادي الفكر العربي، أرض اللا دينية المكتشفة حديثًا، التي تطارد الإسلاميين وتتعقبهم كتعقب الإنجليز لقبائل الهنود الحمر. أعوام من الانخراط في الساحة الدينية، حيث تتصارع ثقافات المستجدين وتُجلي معادنهم. وبطرف عيني، كنت أراقب الساحة السياسية حيث يجتمع العمالقة والمقاتلون القدامى. والكل يبحث عن سؤال واحد: ما هو النظام الأمثل والأسمى لإدارة الاختلافات بين البشر؟ وفي هذا الكولوسيوم، فليتصارع المتصارعون.

تقلص الزمن الرقمي

على الرغم من العناد الظاهر والإصرار الديني البنيوي في التكوين، فإنه لا أحد يدخل حوارًا حقيقيًا مع الآخر ويخرج منه كما كان قبل الحوار. قل لي كم حوارًا خضت، أخبرك بعمرك الحقيقي ومدى نموك المعرفي. أظن أن الزمن يتقلص عند السفر بالإنترنت، فهنا لديك كل الوقت اللازم للتفكير، والتخطيط، والمذاكرة، والغشّ، قبل أن تكتب شيئًا. والأهم أن المنتديات ليست حوارًا معلوماتيًا أحادي الاتجاه كالمدونات أو حتى المواقع الإخبارية، مثلًا، ولذلك، لها تكتيكات طويلة النظر، أيضًا نوعية الجدل الديني والسياسي، وربما الاجتماعي، يخلق بيئة مناظراتية بحتة قائمة على الإفحام أكثر من التقييم الموضوعي.

أزعم / أحسب / أظن، أن الخبرات في الإنترنت تحدث أسرع بكثير نتيجة التركيز بشكل مكثف على مسارات إبستمولوجية دون تشابك مع مصالح العالم الواقعي، ودون نفاقه، ودون مخاوفه، فلا اقتصاد هنا، فقط علم اجتماع يتحرك بسرعة الضوء في الألياف الزجاجية، لا عطلة في النقل لمسافات، لا جغرافيا ولا حدود طبيعية في هذا العالم.

استمر التطور في آليات الحوار لا يتوقف. فبدأ عصر المدونات ثم البالتوك واليوتيوب والفايسبوك وتويتر (إكس) وتيكتوك. في الحقيقة أنا لم أرتح في وسائل التواصل أكثر من المنتديات والمدونات النصوصية، ومازلت كلاسيكيًا عالقًا عند الكتابة، ولا أفضّل استخدام الصوت والصورة. فلأسباب نفسية وتكوينية بحتة، أنا من أكثر الناس خجلًا، والكتابة دواء لي، ربما لأن الخجولين هم الأكثر جرأة على الأوراق.

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. IRC: هي الأحرف الأولى للتعبير Internet Relay Chat، وتعتبر أول تقنية اتصال (دردشة) باستخدام النصوص عبر الاتصال بخادم، تجمعت هذه الخوادم فيما بعد لتكون مجتمعة أول تطبيقات لشبكة الإنترنت. [🡁]
  2. التعبيرات الحركية: هي أن يظهر سطر يبدو وكأنه من الخادم ليقول أن فلان دخل غرفة المحادثة وهو يترنح، أو يحملق في الوجوه بحثًا عن علان، أو أي “تعبير نصوصي” يصف “حركة” غير صوتية لفرد محدد. وفي الحقيقة فأن هذا الفرد هو كاتب هذه “الحركة” عن نفسه، لكنه كتبها كأمر للخادم أن يتكلم هو نيابة عنه ويقول النص المٌراد. وكانت تستخدم هذه الحيلة في هذا العصر بما يُعادل الإيموجي الآن، لكن بشكل يحتوي على مساحة مفتوحة من الخيال. [🡁]
  3. LOL: الأحرف الأولى من جملة Laugh Out Loudly. [🡁]
  4. ROFL: الأحرف الأولى من Rolling On Floor Laughing. [🡁]
  5. LMAO: الأحرف الأولى من Laughing My Ass Out. [🡁]
  6. ROFLMAO: الأحرف الأولى من Rolling On Floor Laughing My Ass Out. [🡁]
  7. برب = Be Right Back – وب = Welcome Back. [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

باسم الجنوبي
إستشاري ا المعلومات   [ + مقالات ]