الإيمان الحقيقي لا يولد من الخوف، ولا ينمو تحت ضغط القوانين. فالإيمان في جوهره ليس نظامًا من الأوامر والنواهي، بل علاقة حيّة بين الإنسان والله. لذلك لا يمكن أن يكون الإيمان صادقًا إذا فُرض بقوة القانون أو بسلطة المجتمع.
القانون يستطيع أن يضبط السلوك الخارجي، فيمنع السرقة أو القتل أو الظلم، لكنه لا يستطيع أن يغيّر قلب الإنسان. قد يلتزم الإنسان بالقانون خوفًا من العقاب، لكنه لا يصبح بالضرورة إنسانًا صالحًا من الداخل. أما الإيمان الحقيقي فيبدأ من القلب، حين يكتشف الإنسان محبة الله، ويختار بحرية أن يعيش هذه العلاقة.
المؤسسات الدينية يمكن أن تعلّم وترشد وتضع قواعد تنظّم الحياة المشتركة، لكنها لا تستطيع أن تخلق الإيمان داخل الإنسان. فالإيمان لا يُفرض بقرار سياسي، ولا بضغط اجتماعي، ولا بسلطة دينية، بل يولد في الداخل عندما يفتح الإنسان قلبه لله.
المشكلة تبدأ حين يتحول الدين إلى مجموعة من القوانين الجامدة أو إلى أداة للسيطرة على الناس. عندها يفقد الإيمان روحه، ويتحوّل إلى مجرد طقوس أو ممارسات شكلية. بينما الإيمان الحقيقي يحرّر الإنسان، لا يقيّده؛ يفتح قلبه للمحبة والرحمة والغفران، ويدفعه إلى فعل الخير.
لهذا فالله لا ينظر أولًا إلى أفعال الإنسان الظاهرة، بل إلى قلبه. فالقانون قد يمنع الشر، لكن الإيمان هو الذي يصنع الخير. والإيمان الصادق لا يمكن أن يُفرض بالقوة، لأنه في النهاية دعوة إلى علاقة حرة بين الإنسان والله.
حين يشك الأنبياء.. ماذا نفعل نحن؟
هناك صورة مثالية يحب الناس أن يصنعوها عن الإيمان. صورة المؤمن الذي لا يهتز، ولا يسأل، ولا يتردد. إيمان صلب بلا شقوق، كأنه جدار حجري لا يعرف الريح ولا المطر. لكن عندما نقرأ بصدق في صفحات إنجيل متى نكتشف أن الحقيقة مختلفة تمامًا.
أحد أعظم الأنبياء في التاريخ، يوحنا المعمدان، الرجل الذي أعلن مجيء المسيح أمام الجموع وقال بثقة: «هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم»، يجد نفسه بعد فترة قصيرة في السجن، وتحت وطأة العزلة والتهديد بالموت، يرسل سؤالًا مذهلًا:
أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟ [1]
السؤال لا يصدر عن إنسان عادي. إنه يصدر عن نبي رأى بعينيه، وسمع بأذنيه، وشهد بنفسه. ومع ذلك، عندما ضاقت الجدران حوله، تسلل الشك إلى قلبه.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا.
إذا كان نبي بحجم يوحنا يمكن أن يتساءل في لحظة ضعف، فكم بالأحرى نحن؟
المشكلة ليست في وجود الأسئلة. المشكلة في الثقافة الدينية التي تخاف من الأسئلة. كثير من المؤسسات الدينية تفضل المؤمن الصامت، المطيع، الذي لا يسأل ولا يناقش. لكن الإيمان الحقيقي لا يولد من الصمت القسري، بل من الصراع الصادق مع الأسئلة.
في قصة يوحنا المعمدان نكتشف درسًا مهمًا: الشك ليس دائمًا علامة ضعف، بل قد يكون أحيانًا علامة صدق.
يوحنا لم يخفِ سؤاله. لم يتظاهر بالقوة. لم يرتدِ قناع اليقين. بل أرسل إلى المسيح يسأل بوضوح. هذا في حد ذاته فعل إيمان. لأنه عندما شك، لم يبتعد عن الله… بل اقترب أكثر.
الإيمان الحقيقي ليس إيمانًا بلا أسئلة. بل إيمان يعرف إلى أين يذهب بأسئلته.
وفي مشهد آخر من نفس الإنجيل، نجد تلميذًا آخر يمر بلحظة مشابهة. بطرس يطلب من يسوع أن يأتي إليه على الماء وسط العاصفة. والمثير أن بطرس نجح فعلًا. لقد مشى على الماء. لكنه عندما نظر إلى الريح واشتد خوفه، بدأ يغرق.
هذه القصة ليست عن فشل بطرس، بل عن طبيعة الإيمان البشري. الإيمان يبدأ قويًا عندما تكون أعيننا ثابتة على الله، لكنه يضعف عندما تتحول أعيننا إلى العاصفة.
كم مرة بدأنا الطريق بشجاعة ثم خفنا عندما اشتدت الرياح؟
كم مرة بدأنا نحلم بالتغيير ثم تراجعنا عندما واجهنا الواقع؟
الإيمان ليس حالة ثابتة من اليقين. هو رحلة بين الشجاعة والخوف، بين الثقة والتساؤل.
لكن ما يميز المؤمن الحقيقي ليس أنه لا يغرق، بل أنه عندما يغرق يصرخ: «يا رب نجني».
وهنا تكمن المفارقة الجميلة في الإيمان المسيحي. الله لا يبحث عن أبطال بلا ضعف، بل عن بشر يعرفون كيف يعودون إليه عندما يضعفون.
يسوع لم يوبخ يوحنا المعمدان رغم سؤاله. بل قال عنه إنه أعظم من وُلدوا من النساء. ولم يترك بطرس يغرق في البحر، بل مد يده وأمسكه.
في عالم يطالبنا دائمًا بأن نبدو أقوياء، يفتح الإيمان بابًا مختلفًا: باب الصدق.
الصدق مع الله. والصدق مع أنفسنا.
لذلك ربما يجب أن نعيد طرح السؤال بطريقة أخرى.
ليس: لماذا يشك المؤمن؟ بل: ماذا يفعل المؤمن عندما يشك؟
هل يهرب؟
أم يبحث أكثر؟
هل يغلق قلبه؟
أم يفتح عينيه من جديد؟
الأنبياء أنفسهم مرّوا بلحظات ظلام. لكنهم لم يسمحوا للظلام أن يكون النهاية.
ربما يكون هذا هو الدرس الحقيقي.
حين يشك الأنبياء، لا يسقط الإيمان… بل يصبح أكثر إنسانية.
والإيمان الذي لا يسمح للإنسان بأن يكون إنسانًا، ليس إيمانًا حيًا.
