المقال رقم 3 من 1 في سلسلة كرازة المسيح في الجحيم

نكمل مع آباء ال حول كرازة المسيح في الجحيم.

إيرينيؤس أسقف ليون

يتحدث ق. عن نزول المسيح إلى الجحيم لخلاص الأموات كالتالي: [1]

نجد في إرميا التنبؤ بموته ونزوله إلى الجحيم [الهاوية]، إذ يقول: الرب قدوس إسرائيل تذكر أمواته الراقدين في التراب، ونزل إليهم مبشرًا إياهم بخلاصه. يبين هنا بوضوح سبب موته، وأن نزوله إلى الجحيم هو لخلاص الأموات.

(إيرينيؤس، الكرازة الرسولية)

ويتحدث ق. إيرينيؤس عن كرازة المسيح بمجيئه في الجحيم من أجل مغفرة الخطايا للذين يؤمنون به هناك كالتالي: [2]

ولهذا السبب أيضًا، فإن الرب نزل إلى المناطق التي تحت الأرض، كارزًا بمجيئه هناك أيضًا، ومُعلنًا غفران الخطايا الذي يناله أولئك الذين آمنوا به [3]. والآن، فكل الذين آمنوا به لهم رجاء فيه، أي أولئك الذين كرزوا بمجيئه.

(إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2)

ويتحدث ق. إيرينيؤس في موضع آخر عن نزول المسيح إلى أقسام الأرض السفلى وكرازته في الجحيم كالتالي: [4]

فإن كان الرب قد حفظ ناموس الموت، لكي يصير البكر من الأموات، ومكث حتى اليوم الثالث: في أقسام الأرض السفلى، ثم بعد ذلك قام بالمجد وأرى التلاميذ آثار المسامير [5]، ثم صعد إلى الآب، [إن كانت كل هذه الأمور قد حدثت]، فكيف لا تُغلَق أفواه هؤلاء الرجال، الذين يدَّعون أن 'الأقسام السفلى‘ تشير إلى عالمنا هذا، أما إنسانهم الداخلي فيترك الجسد هنا، ويصعد إلى الأماكن الفوق سمائية؟ لأنه كما أن الرب ذهب إلى وادي ظل الموت [6]، وحيث كانت نفوس الأموات، إلا أنه بعد ذلك قام بالجسد، وأُصعِدَ بعد القيامة إلى السماء، فهو أمر ظاهر تمامًا، أن نفوس تلاميذه أيضًا، الذين من أجلهم احتمل كل هذه الأمور، ستذهب أيضًا إلى الأماكن غير المنظورة، المخصَّصة لهم من الله، ويظلون هناك حتى القيامة، مُنتظرين ذلك الحدث، ثم يأخذون أجسادهم ويقومون بكاملهم، أي جسديًا كما قال الرب، وسيأتون بعد ذلك إلى حضرة الله. لأنه ليس التلميذ أفضل من معلمه، بل كل مَنْ صار كاملاً يصير مثل معلمه [7]. لذلك، فكما أن معلمنا لم يرحل في الحال هاربًا إلى السماء، بل انتظر ميعاد قيامته المعيَّن من الآب، الذي أوضَّحه أيضًا بواسطة يونان، وقام بعد ثلاثة أيام، وأُصعِدَ إلى السماء، هكذا يجب أن ننتظر نحن أيضًا ميعاد قيامتنا المعيَّن من الله، الذي سبق الإنباء عنه بواسطة الأنبياء، وهكذا إذ نقوم، نُصعَد أيضًا كل مَن يحتسبهم الرب مُستحقين لهذا الامتياز.

(إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2)

ويشير ق. إيرينيؤس إلى ادعاء الهرطوقي الغريب جدًا بأن نزول المسيح كان لخلاص الأشرار مثل والسدوميين فقط دون الأبرار أمثال ، وأخنوخ، ونوح؛ لأنهم تشككوا فيه ولم يؤمنوا به كالتالي: [8]

إن النفوس التي تبلغ إلى الخلاص هي تلك التي تعلَّمت عقيدته فقط [أي عقيدة ماركيون]. أما الجسد، فلأنه أُخِذَ من الأرض، فلا يمكنه أن يشترك في الخلاص. وبالإضافة إلى تجديفه على الله نفسه، فهو يقول هذا أيضًا كما لو كان يتكلم بفم ، ويقول كل شيء ضد الحق تمامًا، أما قايين والذين مثله السدوميين، والمصريين، والآخرين المماثلين لهم، وبالاختصار، كل الشعوب التي سلكت في كل أنواع الأمور الممقوتة، قد خلُصوا بواسطة المخلص عند نزوله إلى الجحيم، وعند إسراعهم إليه، وأنهم رحَّبوا به في مملكتهم. أما الحية [الشيطان] التي كانت في ماركيون، أعلنت أن هابيل، وأخنوخ، ونوح، والرجال الأبرار الآخرين الذين انحدروا من البطريرك إبراهيم، مع كل الأنبياء، وكل الذين أرضوا الله، لم ينالوا الخلاص. فهول يقول إن هؤلاء الرجال إذ عرفوا إن إلههم يحررهم باستمرار، هكذا فإنهم يتشككون الآن إنه يُجرِّبهم، ولم يسرعوا إلى يسوع، ولم يؤمنوا بكلامه، ولهذا السبب، فقد أعلن أن نفوسهم ظلت في الجحيم.

(إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2) 

ويشير ق. إيرينيؤس أيضًا إلى نبوة العهد القديم عن نزول المسيح إلى الجحيم من الكرازة بالخلاص هناك كالتالي: [9]

وأما إن مَن مات لأجلنا لم يكن مجرد إنسان، فهذا يقوله إشعياء: والرب الإله ذكر إسرائيل الميت، الذي رقد في القبر، ونزل ليُبشِّرهم بخلاصه لكي يخلصهم.

(إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2) 

ويستخدم ق. إيرينيؤس نفس النبوة السابقة التي تشير إلى كرازة المسيح في الجحيم بالخلاص للذين لم يعاينوا الرب بالجسد في أيامهم، أي كل الذين لم يروه ولم يسمعوه كالتالي: [10]

ولهذا السبب أيضًا، أعطاهم طعامًا وهو متكئ، مشيرًا إلى أولئك الذين كانوا مضطجعين في الأرض، هم الذين جاء لكي يمنحهم الحياة. كما يقول إرميا: الرب القدوس ذكر إسرائيل الميت، الذين يرقدون في أرض القبور، ونزل إليهم ليعرفهم بخلاصه لكي يخلُصوا. ولهذا السبب أيضًا، تثقلت عيون التلاميذ، حينما كانت آلامه تقترب، وحينما وجدهم الرب في المرة الأولى نيامًا، فإنه تجاوز عن الأمر -مشيرًا بهذا إلى صبر الله- من جهة حالة السبات التي يرقد فيها الناس، ولكن لما جاء في المرة الثانية أيقظهم، وجعلهم يقفون، رمزًا إلى أن آلامه تُوقِظ تلاميذه النائمين، الذين من أجلهم نزل أيضًا إلى أقسام الأرض السفلى [11]، لكي يرى بعينيه حالة أولئك الذين كانوا يستريحون من أتعابهم، الذين قال التلاميذ عنهم: أبرار كثيرون، وأنبياء اشتهوا أن يروا وأن يسمعوا ما أنتم ترون وتسمعون [12]. فالرب لم يأت فقط للذين آمنوا به في أيام طيباريوس قيصر، ولا الآب ظلَّل بعنايته الناس الذين هم أحياء الآن فقط، بل كل الناس الذين من البداية، حسب طاقتهم، وفي جيلهم، قد خافوا الله وأحبوه معًا، وتصرفوا بعدلٍ وتقوى مع أقربائهم، واشتهوا جديًا أن يروا المسيح، وأن يسمعوا صوته. لذلك، ففي مجيئه الثاني، سوف يُوقِظ من النوم أولاً الأشخاص الذين لهم هذا الوصف، وسيقيمهم هم وكل الباقين الذين سيدانون، ويعطيهم مكانًا في ملكوته.

(إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2) 

العلامة كليمندس السكندري

يتحدث العلامة السكندري عن كرازة المسيح للأرواح التي في الجحيم بالإنجيل، وأنه كرز للجميع دون استثناء يهودًا وأممًا، وإنهم سيخلصون في حالة قبولهم الكرازة بالإنجيل كالتالي: [13]

إذًا، إذَا كان الرب نزل إلى الجحيم لا لغرض آخر سوى أن يكرز بالإنجيل كما نزل. فإنه إمَّا كرز بالإنجيل للكل، أو كرز للعبرانيين فقط. بالتالي، إذَّا كان للكل؛ فإن كل مَنْ يؤمن إذًا سيخلُص. على الرغم من أنهم قد يكونوا من الأمم وذلك عند إقرارهم، حيث أن عقوبات الله هي للخلاص والتهذيب، وتقود إلى الهداية واختيار التوبة بدلًا من موت الخاطئ [14] وخاصةً لأن النفوس على الرغم من أنها أظلمت بالأهواء، عندما تحرَّرت من أجسادها، تكون قادرة على الإدراك بأكثر وضوحًا بسبب أنها لم تعُد محصورة بالجسد التافه.

(كليمندس السكندري، )

ويتحدث العلامة كليمندس عن كرازة الرسل -مثلما رأينا في كتاب الراعي ل- في الجحيم للجميع يهودًا وأممًا مقتفيين أثر الرب كالتالي: [15]

وقد بيَّنا أيضًا في الكتاب الثاني من المتفرقات أن الرسل، مقتفيين أثر الرب، بشروا بالإنجيل لأولئك الذين في الهاوية. لأنه كان من المطلوب في رأييّ، أنه كما هنا، كذلك أيضًا هناك، أن يحاكي أفضل التلاميذ معلمهم، لكي ما تُقدَّم التوبة للعبرانيين وللأمميين. أي لأولئك الذين عاشوا في البر وفقًا للناموس، وأولئك الذين عاشوا في صلاح وفقًا للفلسفة، الذين لم ينهوا حياتهم في كمال، بل كخطأة.

(كليمندس السكندري، المتفرقات)

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. إيرينيؤس، الكرازة الرسولية، ترجمة: د. ود. ، القاهرة: ، 2009، الفصل 78، ص 138، 139. [🡁]
  2. إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019، 4: 24: 2، ص 210. [🡁]
  3. انظر رسالة بطرس اﻷولى 2: 19، 20 [🡁]
  4. إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019، 5: 31: 2، ص 349، 350. [🡁]
  5. إنجيل يوحنا 20: 20، 27 [🡁]
  6. مزمور 23: 4 [🡁]
  7. إنجيل لوقا 6: 40 [🡁]
  8. إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019، 1: 27: 3، ص 115، 116. [🡁]
  9. إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019، 3: 20: 4، ص 101. [🡁]
  10. إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019، 4: 22: 1، ص 197، 198. [🡁]
  11. رسالة بولس إلى أفسس 4: 9[🡁]
  12. إنجيل متى 13: 17 [🡁]
  13. كليمندس السكندري، المتفرقات، نسخة إليكترونية، ترجمة: الأب د. ، القاهرة: ، 6: 6: 6، ص 1044. [🡁]
  14. سفر حزقيال 18: 23 [🡁]
  15. كليمندس السكندري، المتفرقات، نسخة إليكترونية، ترجمة: الأب د. بولا ساويروس، القاهرة: موقع الكنوز القبطية، 6: 6: 6، ص 1054. [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

أنطون جرجس
بكالوريوس اللاهوت اﻷرثوذكسي في    [ + مقالات ]

صدر للكاتب:
ترجمة كتاب: "الثالوث"، لل أسقف هيبو [٢٠٢١]
كتاب: عظات القديس على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
ترجمة كتاب: "ضد "، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]