المقال رقم 5 من 0 في سلسلة مصنع الرجال

عم عطية ورؤساء العمال المحليين

رؤساء العمال المحليين كانوا مقسومين نصين: نص أولاني أغلبه من حبايب بابا جمال، والنص التاني من مؤيدي عم عطية، اللي شايفين إن مشاريعه ومحاولاته في التواصل مع العالم الخارجي أمر جيد. مع الوقت، المجموعة الأولانية بدأت تبني كوادر مضادة لكل قرارات ومشاريع عم عطية. مجموعات منهم بدأت تعمل منشورات وتتكلم ضده وضد سياسته في الإدارة، وتقول إنه بيحاول يغير كل حاجة أتعودوا عليها.

من ضمن المجموعات دي كان عمال عم سرور. عم سرور كان شخصية مذبذبة لأقصى درجة، كل يوم يقول حاجة وعكسها. من ناحية مش قادر يفقد شغفه ببابا جمال، ومن ناحية تانية مش قادر يكون ضد واضح لعم عطية لأنه ده ممكن يأثر على مركزه وسط العمال. ابتدأ ياخد دور الراجل اللي ماسك العصاية من النص: لو اتسأل سؤال من عامل يجاوب إجابة مستلهمة من كاريزما بابا جمال، ولو اتسأل نفس السؤال من عامل تاني، يجاوب من فكر عم عطية. ومع الوقت، خسر كل حاجة، بما فيها ثقة عم عطية والعمال، وبقى كارت محروق.

الفراغ اللي سببه غياب عم سرور أو عدم اهتمام العمال بـيه كان لازم يملاه حد… وأخِر حد ممكن العمال يتوقعوه إنه يملا الفراغ كان : عم عدوي، رئيس عمال المنطقة الصناعية رقم 30. المنطقة كانت صغيرة وتعبانة، دورها في الإنتاج تقريبًا هامشي، وكل اللي كانت بتقدمه سلسلة نظارات محدش بيشتريها لرداءة جودتها.

عم عدوي كان ماشي على خط واحد: جمع حواليه كل ولاد بابا جمال، وكان عنده إيمان صادق بكل ما قاله بابا جمال وطرق إدارته، وأي حد يمشي بطريقة تانية مستقلة يبقى بيلخبط الشغل. ما اكتفاش بنشر أفكاره لوحده، بدأ يعين مساعدين له بدون الرجوع لـ عم عطية حسب بروتوكول بابا جمال القديم، بشرط واحد: ولاءهم لبابا جمال وشجبهم لطرق عم عطية.

عم عدوي بدأ يعمل اجتماع أسبوعي للعمال، يحكي فيه عن قصصه مع بابا جمال وقدراته في إدارة السلسلة، وكل فرصة يجيب فيها سيرة عم عطية بشكل غير مباشر ينبط علشان يبين صغره جنب عظمة بابا جمال. قدراته في الخطابة محدودة، فكان يجيب مساعديه يكتبوا له ورقتين بكلمة يقولها للعمال، اللي كانوا يصفقوا له وعينيهم تدمع، ويعدوا أي غلط له بسبب وفائه لـ بابا جمال.

من اليوم ده، عم عطية فهم حقيقة مهمة: إنه هو رئيس تنفيذي لسلسلة مصانع معظم عمالها بيحبوا بابا جمال أكتر منه، وصاحبه الوحيد والمؤيد الأول له اتقتل بدم بارد من واحد من محبي بابا جمال. اضطر ياخد فرصة يفكر في شكل المستقبل: لو كان عم معين أو عم عبد السميع مكاني، كانوا عملوا إيه؟

في فترة تفكير عم عطية بدون قرار واضح سواء بالمشي على خطا بابا جمال أو الخروج عنه، عمت الفوضى في السلسلة. كل رئيس عمال بقى له رأي. قلة حسمه مع عم عدوي خلت الباقي قلبهم يجمد. عم أحمد مثلًا قال على اتنين من رؤساء العمال المواليين لعم عطية إنهم لا لهم دين ولا ملة، وعم بلية ظهر بتصريح يكسف أنه بيرتاح في المصانع المنافسة. وعم عطية فضل محلك سر، مش عارف يعمل ايه.

النجاح الوحيد الواضح في الفترة دي كان في علاقاته مع الوزارة: وزير العمال ما كانش يعدي سنة بدون ما يزور السلسلة ويوصي العمال على عم عطية. لكن مع فقد عم عطية الأمل في تغيير قلوب حبايب بابا جمال من العمال القدام ، بدأ يوجه نظره لرؤساء إدارات الاستيراد والتصدير.

 عم عطية ورؤساء عمال الاستيراد والتصدير

في زمن بابا جمال، التواجد المحلي للسلسلة وسط حيتان السوق المنافسين كان مهدد، والعمال كانوا خايفين على حياتهم، فبعضهم حب يسيب البلد. بابا جمال نصحهم يفضلوا موجودين، لكن بلا فايدة، فقال لهم: روحوا أوروبا وأمريكا وكندا وابنوا مناطق صناعية هناك، استوردوا المنتجات وطوروها عشان تناسب المستهلك الأجنبي.

المناطق دي تباينت في النجاح، ومعظمها كان بلا رئيس عمال حقيقي باستثناء 2-3 مناطق من أصل 30. عم عطية قرر يعين رئيس عمال لكل منطقة، يعطيه سلطة ودور حقيقي. القرار كان حلو ووحش: حلو لأنه وضّح الإدارة وقلل الخلافات، ووحش لأنه كتير من المرشحين كانوا مش مناسبين، وكمان كانوا من مصر، راحوا يمسكوا مناطق في بلاد ما يعرفوش لغتها أو حضارتها، ومسؤولين عن تطوير المنتج بعد الاستيراد، وده خلق خلافات جديدة.

كمان القرار ده أخّر عم عطية قدام العمال: كانوا شايفينه رئيس تنفيذي بس مش رئيس العمال اللي قريب منهم زي بابا جمال زمان. النجاح أو الفشل في الملف ده ماكانش واضح، لحد أول خلاف بين رئيس عمال محلي ورئيس استيراد وتصدير.

رئيس عمال عينوه في كندا، المنطقة الصناعية المسؤولة عن إنتاج الأخشاب والأوراق، اسمه عم بشير. قرر يطور كوادر العمل بطريقة أشجع نسبيًا، واستغل قدرات النساء بشكل أوضح، ودي حاجة بابا جمال ماكانش يحبها، لكن عم عطية حبها كرجل تطوير من مدرسة عم معين وعم عبد السميع.

الخبر وصل لـ عم عدوي، طلع يشجب ويدين عم بشير طول الليل. المشكلة بقت كبيرة: كل المناطق الصناعية بدأت تلجأ لـ عم بشير في المشكلات لحكمته، وده خلق صراع بين ولاد عم بشير الموالين لـ عم عطية، وولاد عم عدوي الموالين لـ بابا جمال. كل يوم بيانات ومواجهات.

عم عطية كان محتاج موقف واضح، فقرر يعمل لجنة تقصي حقائق يباشرها بنفسه. عم بشير سافر المقر الرئيسي للسلسلة وواجه الموقف، أما عم عدوي فضل مستخبي ورا البيانات وما راحش التحقيق. المفاجأة؟ عم عطية قرر يجي على عم بشير لحساب عم عدوي، وأمره يرجع لبروتوكولات بابا جمال. السبب؟ قال له بسبب كلمتين قلتهم لعمالك ضد تدخل عم عدوي… واعتبر ده يستحق الجزاء، رغم إن عم أحمد وعم بلية قالوا حاجات أسوأ بكتير.

وده خلي العمال منقسمين: محبي بابا جمال شافوا ده نصر لذكراه ، ومحبي عم بشير اتصدموا، ومحبي عم عدوي شافوه الوريث الشرعي لفكر بابا جمال، أما محبي عم عطية… فبقيوا قلة.

الأكيد دلوقتي: عم عطية ماعندوش حل غير إنه يختار طريق ويمشي فيه لأخره.

القرار

عم عطية نجح في حاجة مهمة: اللي بيحبه، حبه مش لكاريزمته الشخصية، لكن لفكرته وشغله. كمان قدر يبني علاقات كويسة مع الوزارة، ومع سلسلة مصانع الملوك، ومع سلسلة مصانع الرئيس إلى حد ما. لكن دوره الأساسي اللي كان حاطط عينه عليه… ترتيب البيت من جوه… فشل فيه فشل واضح.

من وجهة نظر اللي جوه سلسلة مصانع الرجال .. واللي فضلوا يحبوه، شافوه راجل خسران كل حاجة: هيبته، وشعبيته بين العمال… بس لسه ممكن يكسب بضميره الصاحي . بس الحقيقة، بعد وقوفه جنب عم عدوي ، ضد عم بشير اللي كان من أكبر داعميه، حتى مسألة الضمير دي بقت مشكوك فيها.

القصة لسه ما انتهتش، لكن الواضح أن قدام عم عطية حلول محدودة:

الخيار الأول: يا إما يكون بابا جمال جديد، بس أضعف، وده الغالب إنه هيحصل، بحكم تعود الناس على وجوده في كرسي الرئيس التنفيذي وبحكم علاقاته الخارجية الجيدة نسبيًا.

الخيار الثاني: يكون بابا جمال جديد شديد لكن ده شبه مستحيل، لأن طبيعة شخصيته متسمحش بالاختيار ده.

الأكيد أن عم عطية كان لازم ياخد قرار…
بس الليل كان تقيل على مقر سلسلة مصانع الرجال.
لا عامل واقف، ولا صوت ماكينات، ولا حتى همهمة معتادة.
عم عطية كان قاعد لوحده في مكتب بابا جمال… نفس المكتب، نفس الكرسي، بس الإحساس مختلف.

قال لنفسه بصوت واطي:
“ولا مرة عرفت أبقى بابا… ولا مرة”
من ساعة ما مات عم نور، وكل حاجة اتكشفت. مش بس للناس… ولنفسه كمان.
عرف إنه كان دايمًا بيختار الأسهل. الأكثر أمانًا. الأقل خسارة.
بس نسي إن في خسارة مبتبانش غير بعد سنين.

فتح ملف قديم
تقارير… شكاوى… بيانات
اسم واحد متكرر في كل ورقة تقريبًا: عم عدوي
ضحك ضحكة قصيرة مالهاش نفس تطلع ونام من التعب وحلم…

رنّ التليفون. وزير العمال.
“ازيك يا عم عطية؟”
“تمام معالي الوزير… بس مش مكمل”
سكت الخط ثانيتين… “مش فاهم؟”
“أنا رئيس تنفيذي فشل يلم الناس وده ذنبي”
“يعني استقالة؟”
“لا. تصحيح”.

تاني يوم، العمال اتجمعوا بس المرة دي مش جنازة ولا أزمة ولا انتخابات. عم عطية طلع من غير مقدمات، من غير خطب وقال:

“أنا غلطت… سكت لما كان لازم أتكلم. رجعت لما كان لازم أقف. واللي حصل لعم نور في رقبتي ومسيره هيحصلي لو موقفتش الهرجلة دي”
الهمهمة عليت بس عم عطية كمل.
“من النهارده، أي رئيس عمال يشتغل بالولاء مش بالشغل… يمشي. أي حد يهدد السلسلة باسم بابا جمال… يمشي. وبابا جمال نفسه لو كان عايش كان هيحاسبكم قبل ما يحاسبني”

بص ناحية عم عدوي وقاله “أنت أول واحد”
الدنيا ولعت. صوت… زعيق… تهديدات. بس المرة دي عم عطية مرجعش. كمل بصوت واضح:
“اللي مش عاجبه يمشي واللي هيكمل هيكمل بالقانون مش بالأساطير”

بعدها بأسبوع عم عدوي اتشال… عم أحمد أتحيد… عم بلية اختفى. نص الإدارة اتغيرت. الخسارة كانت كبيرة. عمال مشيت. مناطق وقفت. سمعة اتلخبطت. بس لأول مرة السلسلة كانت صريحة مع نفسها.

قرر عم عطية يغير طبيعة دوره من رئيس تنفيذي لرئيس مجلس استشاري، مش محبوب، مش مكروه، بس واضح.

وفي مكتب صغير في منطقة الكليم، صورة قديمة متعلقة فيها صورة بابا جمال، عم عبد السميع، وعم معين، وعم ليفي، وكرسي فاضي ومكتوب تحتها بخط إيد بابا عطية:

“اللي يحكم الناس بالكاريزما… يخسرهم. واللي يحكمهم بالخوف… يكسرهم. واللي يحكمهم بالقانون يتعب، بس بيسيب حاجة تعيش”…

ولسه السلسلة عايشة وعلشان كده القصة قصيرة بس ما أنتهتش ومش هنتنهي لأنها سلسلة مصنع الرجال اللي ولا حتى أبواب الجحيم بجبروتها تقدر عليها.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

يوسف المصري
[ + مقالات ]