معين.. الابن الروحي لعبد السميع
عم معين كان راجل في حاله. مبيحبش اللقطة، ولا داخل في المناوشات اللي دايره بين أحمد ويحيى وصخر.
كان ماسك منطقة صناعية رقم عشرة وبيعمرها بهدوء، منطقة اشتهرت بالكليم والسجاد اليدوي، شغل تقيل وصبور زيه بالظبط.
الحاجة الوحيدة اللي كان معين متأكد منها، ومن غير أي تردد، أن مفيش ولا واحد من التلاتة دول ينفع يملى مكان بابا جمال.
القناعة دي مجاتش من فراغ. دي جاية من المدرسة اللي اتربي فيها… مدرسة عم عبد السميع.
عم عبد السميع كان رئيس عمال قديم تقيل، مسك دورين من أخطر الأدوار في السلسلة: كان رئيس هيئة إعانات العمال محدودي الدخل، وكان في نفس الوقت واجهة المصنع قدام باقي المصانع، وأحيانًا قدام الوزارة… زي ما أحمد بيعمل دلوقتي.
مدرسة عبد السميع كانت على اسمه:
يسمع من الكل، يحلل بهدوء، ويدي العيش لخبازه. حتى لو شاف الفرن مولع، ما يطفيش النار بإيده، يستنى رجل المطافئ اللي دوره يجي.
من سنين طويلة، عبد السميع كان واقف مع رئيس الوزارة وعمال مصنع منافس كانوا شايلين من الوزير. ضربوا نار… رصاصة طايشة جابت أجله.
بس خلينا نرجع لابنه الأمين: عم معين..
معين عرف خبر وفاة بابا جمال وزعل بجد. رغم إنه من نفس جيل بابا جمال، ورغم إنه كان عارف كويس اللي لبابا جمال واللي عليه.
ومن اللي كان عليه، إن مكانش بينه وبين عم عبد السميع عمار.
من يوم ما الاتنين وقفوا قصاد بعض في انتخابات الرئاسة التنفيذية بعد وفاة عم حكيم الرئيس التنفيذي السابق لبابا جمال، وبابا جمال ماكنش طايق حتى يسمع اسم عبد السميع.
ومع ذلك، عم معين قال لنفسه: مافيش وقت حسابات قديمة.
قالها واضحة: نرتب الدنيا
.
أولًا: نبلغ العمال بوفاة بابا جمال.
ثانيًا: أمسك الرئاسة التنفيذية مؤقتًا. لحد ما تتعمل انتخابات نضيفة، تطلع رئيس جديد.
وبعدها… أنا راجع منطقتي زي ما كنت.
أحمد ويحي وصخر اتصدموا. راجل بالتاريخ ده ومش عايز أكتر من منطقة بتطلع كليم وسجاجيد؟ بس هو ده عم معين، فوافقوا.
معين كلم رؤساء العمال في كل المناطق وأمرهم يسيبوا الشغل فورًا، والكل يتجمع في المقر الرئيسي لسلسلة مصانع الرجال من أكبر عامل لأصغر عامل.
أول ما الناس اتلمت، عم معين طلع وقعد على كرسي بابا جمال. واللقطة دي لخبطت ناس كتير عمرها ما شافت في حياتها حد غير بابا جمال على الكرسي ده.
عم معين بدأ كلامه، وصوته هادي بس ثابت: الراجل اللي اتربينا على أيده أكتر من نص قرن، ساب أثر كبير في سلسلة مصانع الرجال، وكان ربان شاطر، حكيم، حفظ تاريخ السلسلة، وعلم وربى عامل عامل. وعمرنا ما هننساه
.
قبل ما يكمل، الدنيا كانت مولعة، عياط، لطم، صريخ. بابا مات
اللي قالها صخر أول مرة بقت على كل لسان.
بس عم معين كمل: الكلام يعجز عن وصف بابا جمال، قائد وحبيب، وساب لنا مثال في القدوة، تأثيره ما وقفش عندنا وبس… وده وصل بره كمان. والكلام مهما كتر، مش هيجيب حق الراجل ده
.
التصفيق علي. الهتاف زاد. بس مع كل ده، عين عم معين مكانتش على الصوت العالي.
كانت على الصفوف، على العمال اللي تم إقصائهم زمان، على ولاد عم عبد السميع، ولاد عم ليڤي الصوفي، وعلى ولاد عم لبيب الغلبان.
كان عارف إن اللي جاي أصعب من اللي فات.
ليڤي ولبيب
ليفي ولبيب ماتوا قبل بابا جمال بسنين، وجنازاتهم ما حضرهاش غير كام عامل وخلاص. وبرغم كل اللي كان بينهم، الحق يتقال إن بابا جمال عمل الواجب في جنازة عم لبيب.
علاقة بابا جمال بعم ليفي وعم لبيب كانت غريبة فعلًا. مش “ما محبة إلا بعد عداوة”… دي كانت عداوة بعد محبة.
عم لبيب كان أكتر واحد متعلم وسط العمال. كانوا بيقولوا عليه “راجل متنور”. يعلم ده، ويشرح لده، ويصحح لده. لما كان يتبعت مأمورية بره سلسلة المصانع، كان بيتعمل له ألف حساب.
أول ما عم جمال دخل مصنع الرجال، دخل من بوابة عم لبيب. عم لبيب ساعتها ماكنش رئيس عمال رسمي، بس كان يخش أي منطقة صناعية، يدي رأيه، ويصلح، ويعمل دور شبه مراقب الجودة. الموضوع ده عجب عم جمال، اللي كان من صغره حابب يعرف كل المناطق، ويتعرف على رجالتها. اشتغل مع عم لبيب، والاتنين قربوا من بعض وبقوا صحاب.
بس مع الوقت، عم جمال حب يبقى له صورة لوحده، مش صورة تابع لحد.
ساعتها بدأ يدور على حد تاني يشرب منه الصنعة، ولقى ضالته في رئيس عمال مختلف: عم ليڤي.
عم ليڤي كان شغال في حاجتين: تجارب على الفاكهة، وكتابة بامفليتات وكتب تشرح للعمال إزاي يشتغلوا صح.
اسمه كان يهودي، بس هو ماكنش يهودي. أبوه سماه على اسم صديق له. من يومه، عم ليڤي كان غاوي هدوء وتأمل، لحد ما العمال سموه ليڤي الصوفي. تصوفه ماكانش بس في العبادة، ده كان في الشغل كمان. يمسك الحاجة، يفكها، يركبها، يفهمها، وبعدين يشرحها للعمال واحدة واحدة.
عم جمال اتعلم منه كتير. بس أول ما عم ليڤي اختار مساعد تاني غيره، عم جمال زعل. وساب الشغل معاه، وقرر يكمل لوحده. الدنيا فضلت ماشية كده، لحد ما عم حكيم الرئيس التنفيذي وقتها عين عم جمال رئيس منطقة صناعية جديدة مسؤولة عن تعليب الحمضيات. عم جمال استغل الفرصة صح. مع كل علبه، يحط كلمة حلوة عن نفسه: “عم جمال بيحب العمال”. ومن وقت للتاني، يرمي كلمة ناشفة أو حمضانة، عن عم حكيم.
بالتدريج، العمال عشقوا عم جمال، ونسوا عم حكيم.
بس عم حكيم رغم هدوءه كان يعرف يغضب. قرر يمنع عم جمال من ممارسة دوره. ولما شاف إن الموضوع مش نافع، جاب عم لبيب وسلمه منطقة إنتاج علب البرتقال اللي هي أساسا شغل عم جمال باعتبارها من الحمضيات.
ساعتها عم جمال شاط. حس إن البساط بيتسحب من تحت رجليه. فقلب العمال على عم لبيب الغلبان. ويوم ما عم جمال مسك الرئاسة التنفيذية بعد ما كسب قدام عم عبد السميع، بقى أهم دور في حياته إنه يضيق على عم لبيب اللي كان في يوم من الأيام هو اللي سلمه أصول الشغلانة. الموضوع وصل لأن رجالة عم جمال قفلوا مرة المنطقة الصناعية على عم لبيب من بره عشان ميعرفش يخرج وفي أوقات في جلسات الغرف المغلقة كان عم جمال يمنع رجالته من التعامل مع عم لبيب ورجالته.
الحقيقة المرة إن ولا مرة حد كان يعلم عم جمال حاجة إلا وفي الأخر العلاقة بيه اتوترت. لأنه مكنش بيحب يبقاله كبير. لازم هو يبقى الكبير دايمًا.
مرت السنين وحصلت أزمة كبيرة بين وزير العمال وبابا جمال. أتوقف بسببها عن الشغل خمس سنين بقرار وزاري، واتعملت لجنة من خمس رؤساء عمال تدير السلسلة.
الوزير كان ناوي يفصله تمامًا من أي عمل أيًا كان، لكن مقدرش، مش بس عشان حب العمال له، لكن كمان علشان أتوسط له عم ليڤي عند الوزير.
العقوبة اتخففت. وبعدها الوزير مات وعم عبد السميع مات. والدنيا رجعت تاني.
بابا جمال رجع بكامل صلاحياته، ومتربع أكتر على قلوب العمال. ناس كتير شافت في موت الوزير إن السماء بتاخد بثأره.
بس من يوم رجوعه، بقى أهم دور لبابا جمال هو… الانتقام.
ضيق على عم لبيب وعم ليڤي وكل اللي اشتغلوا تحت ايديهم. في الأخر، منطقة عم لبيب مفضلش فيها غير عامل واحد بيسجل كلامه وتعليماته.
عمال ليڤي كملوا شغلهم بس فضلوا موصومين بوصمة إنهم ولاد الراجل اللي خان بابا جمال. مع إن الحقيقة عم ليڤي هو اللي أنقذه من الرفد النهائي وهو اللي اقترح فكرة لجنة الخمس رؤساء عمال.
وعشان كده مع وفاة بابا جمال، عم معين كان مصمم إن ولاد عم ليڤي وولاد عم لبيب يرجعوا الصفوف معززين مكرمين.
مش ثأر… لكن عدل اتأخر قوي.
