هذه الرواية عمل خيالي، وأي تشابه بينها وبين الواقع، فذلك لأن الواقع أحيانًا يفتقر للخيال.
الوفاة
مصنع الرجال مكنش مصنع بالمعنى اللي الناس فاكرينه. مكنش شوية عنابر وماكينات وخلاص.. ده كان مدينة إنتاج كاملة، خطوط الشغل فيها زي الشوارع، والعمال فيها عايشين مع بعض زي عيال حي قديم. كل واحد عارف التاني، والكل مربوط بالمكان أكتر ما هو مربوط بالبيت.
على رأس المدينة دي، كان واقف عم جمال.. عدى التمانين، بس صوته لسه مسموع، ونظرته أول ما تقع على حد تحس أنها ماسكاه من قلبه. البدلة السودة، الجزمة اللامعة، المنديل الأبيض اللي دايمًا في إيده… علامات محفوظة، أي عامل يقدر يعرفه من على بعد ميل.
عم جمال مكنش رئيس عمال عادي، ولا حتى رئيس تنفيذي بس.. كان الأب الروحي، وكان السلطة اللي مش الكل شايفها بس الكل حاسسها. عشان كده، محدش كان بيناديه باسمه. الكل كان بيقول: بابا جمال
.
المصنع عمره ما عرف يعني إيه استقرار غير وهو موجود. عشرات المناطق الصناعية وكلها مربوطة في بعض بشخص واحد بس. حتى القرارات اللي كانت تبان متناقضة كانت بتمشي… مش عشان هي صح لكن عشان اللي قالها هو بابا جمال.
اتحكت عنه حكايات كتير. حكايات محدش عارف فين الحقيقة وفين الأسطورة. اللي مالوش مكان في المصنع كان يكذبها. واللي عايز يفضل جوه، كان يصدقها.. أو يتظاهر أنه مصدق.
من الحكايات دي إن بابا جمال اختار إتنين في يوم واحد، راجل كبير في منطقة كمساعد رئيس عمال وشاب صغير في منطقة تانية كمساعد رئيس برضو، وأقنع العمال بالاختيارين بحجتين عكس بعض، هنا بيتكلم عن حكمة الشيوخ، وهنا بيتكلم عن حيوية الشباب، وبنفس الثقة وبنفس الكاريزما..
المهم مكنش القرار، المهم إن القرار طالع منه..
بس مفيش حاجة بتفضل على حالها..
في صباح هادي، مساعده عم أحمد مسك التليفون وكلم عم يحيى اللي كان يكلم إبليس ولا يكلمه. العداوة اللي بينهم دي حكاية لوحدها، هنرجعلها بعدين. المهم دلوقتي المكالمة اللي حصلت، واللي كانت كفيلة تغير مصنع الرجال كله.
لا مقدمة، ولا تمهيد، ولا لف ودوران. يحيى قال: ألو؟
وأحمد رد على طول من غير نفس: بابا جمال مات
.
ثواني عدت ويحيى ما نطقش.. مش عشان الخبر مفاجئ، لا… هو كان متوقعه مع تدهور صحة بابا جمال. بس في لحظة زي دي، العقل بيرفض يستوعب.
أحمد مستناهوش يلم نفسه، وكمل بسرعة: حيلك، حيلك.. مش وقت تفكر في الكرسي اللي عينك عليه من قبل ما الراجل يموت. خلينا نشوف هنتصرف إزاي في ترتيبات الجنازة
.
الكلمة دخلت في صدر يحيى زي السكينة.. كان هيولع من الغيظ، بس اللي اتقال ماكانش في دماغه أصلًا في اللحظة دي. فبلع الإهانة، وقال بهدوء مصطنع: أنا جاي في السكة وهكلم عم صخر ونشوف هنعمل إيه
.
الدنيا سكتت.. مش عشان الخبر صادم قد ما هو عامل فراغ فجأة.. فراغ ما يتسدش باسم، ولا بمنصب، ولا بكاريزما مستعارة. ومن اللحظة دي، مصنع الرجال عمره ما رجع زي ما كان.
ترتيبات الجنازة
أحمد ويحيى كانوا الاتنين مساعدين بابا جمال. ومع كبر سنه، احتياجاته زادت والعمال اللي عايزين يقابلوه زادوا أكتر، فبقى عنده اتنين مساعدين. وزي ما المركب اللي ليها ريسين بتغرق، الراجل اللي ليه اتنين مساعدين… مستحيل يكونوا طايقين بعض.
يحيى قوته كانت مع العمال. في وسطهم، بيضحك، بيهزر، بيحضن، بيسمع. شعبي بطبعه والناس حاسه إنه واحد منهم.
أحمد بقا قوته في حتة تانية خالص: العلاقات العامة. تليفون من أحمد، وبعد ساعة تلاقيه قاعد في مكتب وزير العمال نفسه.
الموضوع ده خلى ناس كتير تشك: هو ولاء عم أحمد لـ”مصانع الرجال”؟ ولا للوزارة؟ خصوصًا أن عم أحمد وعم يحيى مكانوش على وفاق.. حبايب عم يحيى بدأوا يلسنوا على حبايب عم أحمد ويقولوا عليه لواء، وعميل، ومراقب لبابا جمال من الوزارة… مش مساعده بحق وحقيقي.
الناس حبت يحيى أكتر.. لحد ما في يوم، يحيى فلت منه الكلام وسط العمال وقال إن جاله في المنام راجل لابس أبيض في أبيض، وبيقوله: إنت خليفة بابا جمال
.
اللي سمعوه انقسموا فريقين؛ فريق صدق وقال: خلاص، الرئيس التنفيذي الجاي راجل شعبي ومن وسطنا وأهو أي حاجة أحسن من عم أحمد. وفريق تاني شافه راجل طماع في كرسي محدش يقدر يملاه.. ومن ساعتها، الناس يا تقرب منه تطمع في رضاه لما المنام يتحقق، يا تبعد عنه وهي شايفاه بيهذي.
الحاجة المشتركة الوحيدة بين أحمد ويحيى… إن مكنش في بينهم وبين عم صخر عمار..
صخر شاهين كان مسؤول المنطقة رقم اتنين لإنتاج العطور. وبسبب ثقة بابا جمال فيه، خلاه رئيس الموارد البشرية، غير شغله كسكرتير لجلسات المصنع كله، وأحيانًا كمان يمثل مصنع الرجال قدام باقي المصانع.
كتير كانوا بيقولوا إنهم ولاد بابا جمال، بس علاقة صخر بيه كانت حاجة تانية خالص.. مرة صخر خالف أمر مباشر، وبابا جمال غضب عليه. الزعل كان تقيل لدرجة إن صخر دخل المستشفى.
السر إن بابا جمال كان متبنيه كابن روحي. وصخر، اللي كان يتيم أب، وأمه سابت الشغل، وأخته راحت تشتغل في مصنع منافس، وعمه اللي رباه مكنش أحن حاجة عليه… فكان محتاج أب.
قدراته الاجتماعية كانت محدودة، وقاسية شوية، وناشفة. بس مع كاريزما بابا جمال، ومع حبه له بقى صخر ابنه… ابن بس مش ابن مدلل، ابن شايل مسؤوليات تهد جبل… أو صخر.. وبسبب شغله في الموارد البشرية، كان دايمًا في وش المدفع: جزاءات، محاسبة، قرارات صعبة.. عشان كده ناس كتير مبتحبوش، أو على الأقل بتخاف منه.. بس اللي كان بيحبه، صخر كان يفتح له الأبواب كلها، حتى باب بابا جمال نفسه.. على عكس أحمد ويحيى… اللي لو قدروا، كانوا حطوا بابا جمال في برج عالي ومحدش يوصل له غيرهم.
لما صخر عرف خبر وفاة بابا جمال من يحيى، تقدر تقول الصخر داب. قعد يعيط زي العيال: بابا مات؟ إزاي؟
معداش وقت طويل، إلا وكان أحمد ويحيى وصخر في أوضة واحدة، بيرتبوا النعي، والصندوق، والمدفن، وكل اللي لازم يتعمل.
وساعتها طلع السؤال التقيل: مين اللي هيبلغ العمال؟
قرروا يكلموا أكبر العمال سنًا، عم عبد الملاك، بس لما لقى نفسه كبر ومعدش فيه صحة، رشح لهم تاني أكبر واحد؛
عم معين، الابن الروحي لعبد السميع.
