الحقيقة أن الحديث عن كيان متكامل موحد، اسمه الاتحاد الأوروبي، قادر على التصدي للولايات المتحدة أو منافستها، ولو بعد حين، هو حديث غير واقعي وغير دقيق. فالتنافسية بين الدول الأعضاء ربما تكون أكثر حدة من التنافسية بين الكيان الأوروبي والولايات المتحدة.
ربما لا يعرف الكثيرون أن الحواجز الداخلية في أوروبا، تُعادل تعرفة جمركية بنسبة 45% على الصناعات التحويلية، و110% على الخدمات، وأن هذه الحواجز تُقلص فعليًا السوق التي تعمل فيها الشركات الأوروبية، فتجارة دول الاتحاد الأوروبي تقل عن نصف حجم تجارة الولايات الأمريكية.
حين تحدث المستشار الألماني فريدريش ميرتس
في مايو 2025، عن تحديث الجيش الألماني [1]، وبعد التصفيق الحاد، عاد إلى أرض الواقع ليكتشف أنه يواجه معضلتين لتحقيق ما وعد به:
- تقريبًا نصف حجم المعدات والأسلحة سيضطر إلى استيرادها من الولايات المتحدة، وعلى رأسها طائرات F35 وصواريخ توما هوك.
- أنه لا يمتلك القوة البشرية اللازمة لزيادة عدد الجنود، بسبب التركيبة الديموغرافية، حسبما نقل الإعلامي الأمريكي
تاكر كارلسون
في أوائل 2026، أن غالبية المجندين قد يكونونمن المسلمين
، وهو ما يخشاه المسؤولون الألمان [2].
كما استبعد المستشار الألماني؛ فريدريش ميرتس، أن يكون مقترح إنشاء جيش أوروبي مشترك
أمرًا قابلًا للتحقيق، وذلك ردًا على دعوة أطلقها مانفريد ڤيبر، زعيم حزب الشعب الأوروبي[3].
وفقًا لمراكز الأبحاث الأوروبية، ينبغي على أوروبا، لمواكبة الولايات المتحدة والصين، أن تستثمر ما يصل إلى 800 مليار يورو (857 مليار دولار) في البحث والتطوير والبنية التحتية والدفاع. من شأن ذلك أن يرفع إجمالي الاستثمار من 22% إلى 27% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي. وهو أمر صعب الحدوث؛ حيث يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الاتحاد الأوروبي بنسبة 1.2% فقط في السنوات المقبلة، بينما يتوقع نموًا مضاعفًا للولايات المتحدة [4].
إحدى المشكلات الأساسية هي فشل أوروبا في تطوير صناعات التكنولوچيا المتقدمة التي تهيمن على الأسواق العالمية، الأمريكية والصينية أيضًا. فالقارة تضم شركات ناجحة في القطاعات التقليدية -كالتصنيع والسيارات والصناعات المتوسطة التقنية- لكنها تفتقر إلى عمالقة التكنولوچيا وقادة التكنولوچيا الحيوية الذين يقودون الابتكار في الولايات المتحدة والصين [5].
ومع سياسات الرئيس الأمريكي؛ دونالد ترامپ، من المتوقع أن تواجه الشركات الأوروبية المزيد من العقبات في التصدير إلى الولايات المتحدة، مما يضع مزيدًا من الضغوط على اقتصادياتها.
أيضًا، من أكبر عقبات الإنتاج والابتكار في أوروبا: البيروقراطية. يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى تبسيط قنوات صنع القرار والحد من البيروقراطية المُفرطة والمُكلفة. يؤكد خبراء وحتى كثير من السياسيين أنه لا يوجد تنسيق في أوروبا في المجالات المُهمة، ولم تتطور قواعد صنع القرار الأوروبية بشكل جوهري مع توسع الاتحاد الأوروبي وازدياد تعقيد البيئة العالمية.
حتى القرارات السياسية المتعلقة بالأزمات العالمية، رأينا فيها مواقف متباينة من الأعضاء. ويحضرني هنا، فيما يخص منطقتنا العربية: احتلال العراق في 2003، الموقف من حرب غزة، وحتى التعامل مع الملف النووي الإيراني.
التشريعات الأوروبية تستغرق في المتوسط 19 شهرًا، وهي مدة طويلة للغاية. ومنذ عام 2019، أصدر الاتحاد الأوروبي 13 ألف قانون لتنظيم اقتصاده، مع ارتباك في تنفيذها، بينما لم تصدر الولايات المتحدة سوى 3 آلاف قانون فقط، ونفذتها جميعًا.
ويبقى العامل الأهم والأكبر، وهو التنافس السياسي على قيادة الاتحاد.
وبعيدًا عن المنافسة الإسبانية الفرنسية، حتى على مقرات المؤسسات الأوروبية، تأتي المنافسة التاريخية بين فرنسا وألمانيا.
استطاعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل
قيادة أوروبا لمدة تجاوزت العشرين عامًا، وعبرت بها أزمات سياسية واقتصادية عدة، واستطاعت إحداث توازن بين علاقة أوروبا مع روسيا والولايات المتحدة على حد سواء.
والآن مع ضعف القيادة الألمانية بعدها، برز الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون
، محاولًا ملء الفراغ الذي خلفته ميركل ورائها.
نجح ماكرون في بعض الملفات، لكنه كما يُقال، يقود أوروبا على الطريقة الفرنسية، وهو ما صرحت به بعض چيزين ويپر
، زميلة في صندوق مارشال الألماني، ومتخصصة في الأمن الأوروبي:
في مجالات من السياسة الخارجية، كان ماكرون يحاول تعزيز المصالح الأوروپية على غرار الخطوط الفرنسية: لقد أصبحت أوروپا فرنسية للغاية خلال السنوات الخمس الماضية.[6](Gesine Weber)
الرئيس ترامپ يعلم مدى الترهل في الجسد الأوروبي، واستقبال قادة أوروبا لخطاب ماركو روپيو
، لم يكن استباقًا لهدنة يحتاجونها لترتيب أوضاعهم، فهي أعقد من أن تحل خلال 3 سنوات باقية لترامپ.
لذلك، الخطاب ظهر وكأنه طوق النجاة لهم؛ فهم لن يضطروا إلى تحديث جيوشهم وإعادة النظر في اقتصادهم، حتى لو كانت الشراكة “وهمية” مع واشنطن.
