نعم، يمكن للمرء أن يكون مغتربًا بينما هو يتغنى بمباهج الانتماء. هذا هو حال المواطن القبطي الأسمر الذي يتغنى فرحا بألحان لغة لا تربطه بها أي صلة سوى أن أجداده كانوا يتحدثون بها قبل انقراضها وخروجها من كل الأطر الاجتماعية. يقرأها بحروف عربية، ويزعم أنها لغته القومية وأنه يفعل ما يفعل ليحفظ هويته من الاندثار.
إلام وصلنا؟

إن كنت تحاول الحفاظ على لغة الأجداد فعلا؛ فصون الهوية القومية أمر محمود لا غبار عليه. لكن، هل تلك الجهود تؤول إلى حفظ القومية وإعادة إحياء اللغة فعلا أم أننا نفعل ما نفعل بلا أي نتائج ملموسة؟

للإجابة على هذا السؤال، ينبغي أن نعود إلى التجربة العبرية في إحياء اللغة. فهي تجربة واقعية ناجحة لإحياء لغة منقرضة ومائتة ينبغي أن نتعلم منها.

منذ أن توقف استعمال اللغة العبرية المحكية في القرن الثاني الميلادي، بدأت العبرية تندثر شيئا فشيئا حتى أصبحت تقتصر على الشعائر الدينية في المعابد إلى أن تم استرجاعها في القرن التاسع عشر على يد الصحفي “اليعيزر بن يهودا” الذي درس العبرية في روسيا ليكون حاخاما، ثم سافر إلى القدس. ولم يكن الأمر سهلا على الإطلاق لإحياء تلك اللغة البائدة.

أصر “بن يهودا” على تحدث العبرية في منزله مع عائلته. وواجه صعوبات عديدة لأن أعضاء أسرته لم يعرفوا العديد من الكلمات الأساسية، وكان عليه أن يلجأ إلى الإشارة إلى الأشياء للتواصل. ومع الوقت، أتقنت أسرة واحدة العبرية كلغة منطوقة. وكانت تلك الأسرة النبتة التي أفرخت. ثم، دعا “بن يهودا” يهود الشتات وكذلك يهود فلسطين للتحدث بالعبرية. واعتمد على تأجيج مشاعر اليهود للترسيخ إلى وأرض الميعاد المنشودة، ما دفع اليهود إلى الاستجابة له وتحمل مشاق التعلم. وأسس اجتماعات ناطقة بالعبرية. وبدأت المدارس في القدس في تدريس العبرية. كما أنشأ “بن يهودا” صحفا باللغة العبرية.

تشير تلك التجربة إلى إمكانية إحياء اللغات المائتة، لكن ليس عن طريق ترديد كلمات اللغة المائتة دون فهم أو قراءتها بحروف لغة أخرى!

بالتالي، يمكننا القول إن إصرار آباء الكنيسة على الصلاة بالقبطية لا هو إحياء للغة ولا حفاظ على القومية! هي جهود بلا هدف يستوي فعلها وعدم فعلها على حد سواء. إن استمرت الأمور على هذا النهج، لن نصل إلى شيء؛ ستبقى القبطية لغة منقرضة، وسيبقى القبطي في وضع المتغرب واللامنتمي أبدا. إن كنتم تريدون إحياء اللغة فعلا، أفعلوا مثل “بن يهودا” بداية من أسرتكم الصغيرة. ولدينا مركزًا ثقافيًا قبطيًا يمكن أن يساعد في التثقف باللغة القبطية كما يمكن أن يساعد في نشر اللغة صحفيًا بجوار المركز الإعلامي القبطي. وسنشكركم نحن الجهال المبتلون بالعجمة وعجز اللسان جزيل الشكر إن نفّعتونا بعلمكم.

لا مثيل للغة الأم

كوني مطبوعة بلغتين، العربية والإنجليزية التي أتقنها مثل لغتي الأم العربية، سألت نفسي: لماذا يصبح السباب أسهل كثيرًا بالنسبة لي حين أستخدم الإنجليزية. ولماذا أنزعج حين أسمع الألفاظ النابية بالعربية بينما أسمع الألفاظ المقابلة لها بالإنجليزية دون أي انزعاج يذكر! اكتشفت أن السبب هو ما تحمله لغتنا الأم التي نولد بها من ذكريات ومشاعر ومفاهيم مجتمعية تأتي في صورة ومضات تحملها الكلمات. فاللغة الأم جانب شعوري لا تقايضه أي لغة أخرى مهما أتقنتها. التأثير الشعوري الذي تُحدثه اللغة التي ننشأ عليها، لا يقارن على الإطلاق بلغة مكتسبة، فكم بالأحرى لغة بائدة تبدو كالطلاسم نفهمها من خلال الترجمة؟ ولماذا أحتاج إلى مترجم كي أتواصل مع الله؟ ناهيك عن نسبة الأمية في مجتمعنا المصري أساسًا.

التبشير والليتورجيا

يرى القمص “” أن الصلاة باللغة الأم أمر جوهري من أجل الحفاظ على الروحانية، لافتا إلى أن دور الكنائس هو التبشير بالمسيح. لذلك، فهو يصلي القداسات في الولايات المتحدة بالإنجليزية فقط حتى يفهم أي شخص يدخل إلى الكنيسة رسالة الله. كما انتقد تباري الشمامسة بالألحان على حساب الشعب.

لغة السماء

هل مازلت تصر على أهمية الصلاة بالقبطية؟ حسنا، ربما قد نجحوا في إقناعك أنها لغة الملكوت. لكن، لما لا تكون لغة السماء هي اللغة الآرمية التي تحدثها المسيح في أثناء تجسده؟ هل من اللائق أن تكون لغة الملكوت لغة لم يتحدثها المسيح ولم ينطق بها؟ إن كانت هناك لغة للسماء، ستكون لغة رب السماء، لا لغة قدماء المصريين. هذا إن افترضنا المسيح به من العنصرية ما يجعله يفرض لغته القومية كلغة السماء، ولا عزاء للقوميات الأخرى.

كفانا شعوذة وصياحًا قومجيًا لا معنى له. لا يرفض أحد فكرة تعلم لغة جديدة أو استرجاع لغة مصرية قديمة، لكن، لكي نحقق ذلك، يجب أن ينبت للغة براعم في الحياة العامة لا فقط أن نرددها في الكنيسة وكأننا نردد تعويذة بلا  ذهن حاضر.

أُصَلِّي بِالرُّوحِ، وَأُصَلِّي بِالذِّهْنِ أَيْضًا. أُرَتِّلُ بِالرُّوحِ، وَأُرَتِّلُ بِالذِّهْنِ أَيْضًا.

(1 كو 14: 15)

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

القبطية وإشكالية القومية والتغرب 1
‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎