المقال رقم 5 من 5 في سلسلة مدينتا سو ومي

لنقترب من الأحداث التي تكلمنا عنها في قصة بلاد مي وسو وثالثتهما نو، يجدر بنا أن نلقي نظرة بعيدة في التاريخ عن هذه االمناطق التي نحكي عنها، لأن جزء منها من واقع الحياة، ولكننا نحتاج أن نتكلم عن طبيعة هذه الأراضي، لنأخذ من هذه القصص عبرة أو عبر نستفيد منها ونُفيد القارىء.

كانت منطقة جزء من بحر متسع يصل إلى وسط الجزيرة العربية، ثم تطور الأمر حتى جف جزء كبير من هذا البحر ونشأت اليابسة التي نعيش فيها، مع كثير من الأشجار والأعشاب التي تملأ الأرض، غذاءً للكائنات التي خلقها الله في هذه الربوع الواسعة. فمع جفاف هذا المحيط الواسع، ماتت الحيتان الضخمة التي كانت فيه، وأصبح هناك نظاماً بيئيًّا متنوع يحتضن كل أشكال الحياة.

وهكذا نبتت أنواع ضخمة من النباتات والأشجار لتكفي الكائنات التي على الأرض، أشجار عملاقة سريعة النمو، وأعشاب في أحجامها تقترب من الأشجار الحالية، وكلها حيوية تكفي الكائنات التي خلقت على اليابسة، يكفي أن تنظر إلى أعماق البحار فتعرف أشكال هذا العالم النابض بالحياة، البديع في أشكاله وألوانه وطرق نموه وازدهاره.

لنقترب أكثر لنرى ماذا حدث في هذه اليابسة. فهناك وادي اسمه “وادي الحيتان”، حيث بقيت العظام الضخمة لهذه الحيتان الفقارية، منذ ملايين السنين. وفي منطقة أخرى، الآن هي على خط الحدود الفاصلة بين مصر والسودان وليبيا، جبل مكون من أكوام من الزلط الكبير الحجم، أصغرها طولها متر ونصف وأكبرها يصل إلى ثلاثة أمتار، متراكمة كلها فوق بعضها، وبين هذه الأحجار تخرج ينابيع صغيرة من المياه. لذلك سمي هذا الجبل باسم “جبل العوينات”.

نيزك جبل كامل

الصحراء الغربية طبيعيا jpg

وفي الزمن القريب نوعًا ما، منذ خمسة آلاف سنة، وقع نيزك عملاق في منطقة مسماة الآن جبل كامل، نتج عن هذا الارتطام فوهة كبيرة، قطرها 45 متر وعمقها 16 متر. وقصتها تقول إن مجموعة من الباحثين كانوا يتابعون صور أقمار صناعية، فوجدوا فوهة في قلب الصحراء على الحدود المصرية السودانية، شمال الخط الحدودي بحوالي 600 متر. فقرروا القيام برحلة استكشافية، فوجدوا الفوهة التي قطرها 45 متر وعمقها 16 متر وحولها آلاف من الشظايا النيزكية. وأكبر عينة من هذا النيزك وزنها 83 كجم، وحاليًا موجودة في المتحف ال المصري. ووزن الصخور المكتشفة حوالي طن ونصف. وبذلك تكون هذه الفوهة، فوهة جبل كامل، من أندر الفوهات النيزكية على سطح الأرض.

أكدت الدراسات الجيولوجية إن النيزك المكتشف كان وزنه 10 طن، ومكون من 90% حديد و10% نيكل. وهو من منطقة حزام الكويكبات بين المريخ والمشترى، وسرعته قبل ارتطامه بالأرض كانت حوالي 12000 كيلومتر/ الساعة. وهذا الارتطام نتج عنه آثار موجية على شكل شعاعي للمقذوفات النيزكية، وهذا أمر نادر. ووقت اصطدامه بالأرض تكونت هذه الخطوط الشعاعية وهي مماثلة لما وُجد على القمر وعطارد والمريخ. والغريب إن هذا الشكل ظل بشكله دون تغيير على مدى خمسة آلاف سنة، خاصة إن هذا الموقع ليس به أمطار أو نباتات أو عوامل طبيعية تمحو تلك الآثار.

وفي عام 2012 أعتبرت تلك المنطقة [منطقة نيزك جبل كامل بمحافظة الوادي الجديد] محمية طبيعية حسب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 271 لسنة 2012م.

محمية وادي الحيتان

هناك محمية طبيعية تبعد عن القاهرة بحوالي 92 كيلومتر اسمها “وادي الريان”، مساحتها 1759 كم مربع، تتميز ببحيرات كبيرة وفي نهايتها شلالات وادي الريان الشهيرة. هناك تجد منطقة تراث عالمي تسمى “وادي الحيتان”. مساحته حوالي 400 كيلومتر مربع. وجد العلماء هناك أكبر حفرية لحوت عملاق اسمه “باسيلوسورس ايزيس Basilosaurus Whale”، طوله 18 مترًا ويعتبر أول الحفريات التي كشف النقاب عنها العالم “بيد نيل” عام 1903. حينئذ أعتبرت هيئة ال “وادي الحيتان” من أندر الأماكن في العالم لأنه يضم أكثر من 400 حفرية كاملة لحيتان بدائية عاشت في بيئة الأرض من حوالي 37 – 40 مليون سنة في موقع محمي بشكل كامل. لذلك تم تسجيله عام 2005م في هيئة اليونسكو كموقع تراث عالمي، وكأفضل وأكبر مناطق التراث العالمي للهياكل العظمية للحيتان والبقايا الأحفورية.

هذا الموقع كان في الأزمنة القديمة منذ حوالي 34 – 56 مليون سنة (=العصر الإيوسيني)، كان يسمى بحر تيثيس (Tethys havet)، وكان يغطي شمال إفريقيا ومصر وممتد حتى وسط الجزيرة العربية والمحيط الهندي.

في ذلك الزمان، كان جو الأرض دافىء بحيث لم يكن يسمح بتكوُّن الجليد في القطبين. وهكذا كان مستوى المياه في المحيطات عالٍ ويغطي مساحات كبيرة من الأراضي مثل شمال إفريقيا ومصر وشرق إفريقيا حتى وسط الجزيرة العربية، كما سبق القول. وكانت حركة الصفائح التكتونية (أي مساحات اليابسة) نشطة بشكل كبير. وتحركت الصفيحة الإفريقية إلى الشمال الشرقي في اتجاه الصفيحة اليوروآسية. وبذلك انحسر بحر تيثيس وحدثت تغيرات مناخية كبيرة، مما جعل هذا البحر يجف نسبيًا حتى أصبح هناك ما يسمى “البحر المتوسط”، وتكونت قارة إفريقيا بما يشبه الشكل الذي نراه حاليًّا.

والخلاصة، إن وادي الحيتان كان منخفض عميق مغمور بمياه بحر تيثيس، وقد انحسرت مياهه بسبب ظاهرة الانجراف القاري. أما الكائنات التي كانت تعيش فيه منذ العصر الإيوسيني منذ 40 مليون سنة فقد تحجرت وآثارها موجودة حتى اليوم (2026م).

وفي عام 2001م اكتشف فريق من الباحثين بقيادة عالم الحفريات الأمريكي جشوا سميث، بقايا ديناصور ضخم في الواحات البحرية بين جبلين معروفين باسم الدست والمغرفة. وسُمي هذا الديناصور باسم باراليتيتان ستروميري، والمعروف بديناصور المد والجذر أو عملاق الموج. وقد قدر العلماء طوله بحوالي 26 متر ووزنه يتجاوز ال 60 طن. وبذلك يكون هو ثاني أضخم حفرية يتم اكتشافها لديناصور عشبي على الإطلاق. وقد تم اكتشاف هذه الحفرية في رواسب قديمة عمرها 94 مليون سنة، ويُعتقد إنه كان على شواطىء بحر تيثيس.

وفي عام 1911م قام العالم الألماني أرنست سترومر برحلته الاستكشافية الثالثة لمصر، مع مساعده مارك جراف، وكانت النتيجة هي اكتشاف هياكل شبه كاملة للديناصورات، وكان عددهم 4 هياكل عظمية، وأسماؤهم هي:

(1) اسبينوسورس الضخم؛
(2) كركرو دونتسورس آكل اللحوم وأسنانه شبيهة بأسنان سمك القرش. وقد عاش هذا الديناصور في شمال إفريقيا في كل من مصر وتونس والجزائر، من 94 – 100 مليون سنة. وقد سُمى أيضًا باسم “السحلية الشوكية”.
(3) وبهاريا، الذي عاش من 95 مليون سنة.
(4) والإيجيبتور أو السحلية المصرية القديمة Aegyptosaurus.

نُقلت هذه الحفريات إلى متحف ميونيخ قبل ، لكنها للأسف دُمرت في تلك الحرب حين تم قصف المتحف بما فيه.

وجدير بالذكر إن تسمية الباراليتيتيان كانت تيمنًا بالعالم أرنست سترومر (1871-1952)، حيث كان له السبق في اكتشاف الحفريات في بداية القرن العشرين، حيث سمي هو باسم “أبو الحفريات المصرية”.

هذه الاكتشافات في الواحات البحرية تكشف عن تنوع كبير في الديناصورات التي عاشت في شمال إفريقيا، وتُظهر مقدار غنى هذه القارة بالحياة منذ ملايين السنين.

الصحراء السوداء

هذه المنطقة عبارة عن 30 كيلو متر مربع موزع فيها تلال بركانية ارتفاعها من 20 إلى 50 متر في الأرض الصحراوية، وهي عبارة عن مزيج من الرمال الصفراء الفاتحة المغطاة بطبقة سوداء من الصخور البازلتية، وكأنها بقع سوداء متناثرة على أرض ذهبية، ويُعرف هذا المكان باسم “الصحراء السوداء”، وموقعها بين الواحات البحرية والواحات الداخلة، على بعد 50 كم من الواحات البحرية، وحوالي 370 كم جنوب غرب القاهرة.

هذه التلال البركانية نتجت عن انفجارات بركانية في أزمنة سحيقة، في أثناء العصر الجيوراسي Jurasic era منذ أكثر من 180 مليون سنة.

وفي عام 2010م تم الإعلان إن مناطق جبل الإنجليز والصحراء السوداء وجبل الديست والمغرفة بأنها محمية طبيعية، وأطلق عليها اسم “محمية الواحات البحرية”. هذا يرجع إلى أهميتها كمنطقة أبحاث خاصة بالحفريات الفقارية، ولدراسة ظواهرها الجيولوجية الفريدة ولصون الثروات الطبيعية والحضرية المكتشفة، مع وضع تلك المنطقة على خريطة السياحة العالمية.

الصحراء الغربية والأحداث التاريخية

ترجع أهمية هذه المنطقة أيضًا إلى زمن تواجد القوات البريطانية في هذه الصحراء. مثلًا: هناك جبل اسمه “جبل الإنجليز”، كما سبق وذكرنا؛ ويبلغ ارتفاعه حوالي 100 متر، وهو أعلى نقطة في الصحراء السوداء، وسمِّي هكذا لتواجد القوات البريطانية هناك خلال فترة تواجدها لحماية هذه المنطقة من الهجوم المضاد من الجهة الغربية.

وجنوبًا على بعد حوالي 80 كم تظهر الصحراء البيضاء في واحة الفرافرة بمساحة حوالي 3000 كم مربع، وأرضها مغطاة بصخور طباشيرية بيضاء، وصخور من الحجر الجيري، والرياح والعواصف نحتتها بأشكال عجيبة، فمنها ما يشبه الفطر وبعضها يشبه بعض الحيوانات مثل شكل أرنب أو أسد مثلًا. وقد تسجلت هذه المنطقة كمحمية طبيعية عام 2002م.

بحر الرمال الأعظم

هو عبارة عن منطقة ضخمة مليئة بالكثبان الرملية، وهي ما بين هضبة الجلف الكبير (= الخليج الكبير) في أقصى جنوب غرب مصر، وواحة سيوة في شمال الصحراء الغربية. وهذا المكان مقسم إلى 3 بحار رملية كبيرة وتمتد على طول الحدود المصرية الليبية، طولها يتراوح ما بين 500 إلى 650 كيلومتر، وعرضها حوالي 160 – 350 كيلومتر، ومساحتها حوالي 72000 كم مربع، أي حوالي 36% من مساحة الصحراء الغربية كلها التي تصل إلى ما يقرب من 150 ألف كيلومتر مربع. ويحوي هذا البحر أكبر تجمعات للكثبان الرملية في العالم، والكثيب الواحد يمكن أن يصل ارتفاعه إلى 140 متر، معظمها متوازٍ بشكل الأمواج المتجمدة من الرمال، قليل منها من الرمال المتحركة وهي فقط في الأماكن المنخفضة أو الأماكن القريبة من المياه الجوفية.

وتشتهر المنطقة بوجود زجاج الصحراء الليبي، وهو يعتبر من أنقى أنواع الزجاج الطبيعي في العالم. وهو زجاج طبيعي من السيليكا، وقد تكون من حوالي 29 مليون سنة بسبب اصطدام نيزكي، والمصريين القدماء استفادوا من ألوانه الزاهية وجماله، واستخدموه في صناعة الحُلي والمجوهرات [مثل صدرية الملك توت عنخ آمون – وهو جعران منحوت من زجاج الصحراء الليبية].

ويجدر القول إن بحر الرمال الأعظم كان له دور استراتيجي في الحرب العالمية الثانية، لأن جيش الحلفاء بقيادة وقوات المحور بقيادة إيروين ، أعتبروه حاجزًا طبيعيًّا يستحيل عبوره، وكان له تأثير ملحوظ على خطط المعارك وتحركات القوات (مثلًا: في معركة العلمين). وهذه المنطقة حاليًّا غير مأهولة، ويتم بها رحلات استكشافية محدودة وأبحاث جيولوجية، وجزء كبير من هذه المنطقة داخل ضمن نطاق محمية “الجلف الكبير”. وهذه الهضبة مشهورة بالكهوف مثل كهف السباحين الذي يحوي رسومات ترجع إلى آلاف السنين.

وبعد، أيها القارىء العزيز، أردنا أن نطوف معك في المناطق التي سبقت قصتنا التي نرويها، لكي تعرف خلفية هذه القصص، وكيف كانت تتشكل كل المجتمعات القديمة. فبالتأكيد إن اكتشاف “النار” كان حدث جلل أثار الخوف عند كثير من البشر، وأخذ وقتًا ليس بقليل حتى تآلف معه الناس.

واكتشاف المعادن بالطبع كان بعد زمن آخر، فالحديد كان سلاح يستطيعون به صنع الرماح والسيوف، بالتالي الصيد وقتل الطيور وأكل لحومها بعد تسويتها على النار (أي شيِّها). واكتشاف أدى إلى تصنيع أدوات منزلية ضرورية، مثل الحلل والأطباق والصواني؛ وأيضًا المرايا والحُلي وأدوات الزينة، كما سبق القول. وهكذا تقدمت البشرية خطوات عدة في الفكر والرقي وصنع المستقبل.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 1 حسب تقييمات 1 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ مدينتا سو ومي[الجزء السابق] 🠼 أرض لادان
برتي المقاري
راهب في دير القديس الأنبا مقار الكبير   [ + مقالات ]
‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎