المقال رقم 6 من 2 في سلسلة حاكمهم يا رب

والكلمة صار جسدًا

(يوحنا ١ : ١٤)

وبعد صرخة ملاخي الأخيرة: «أين إلهُ العدل؟»، دخل الوحي في صمتٍ طويل، كأنّ السماءَ تحبسُ أنفاسها انتظارًا لما هو آتٍ. لم يأتِ الجوابُ بكلمةٍ جديدة، ولا بنبيٍّ آخر، بل جاء حين ظهر الله نفسه في الجسد، الكلمة الحيّ. لم يعُد العدلُ وعدًا مؤجَّلًا، بل صار حاضرًا بين الناس، يمشي في طرقاتهم، وينظر في وجوههم، ويُعلن الحقّ في نور وجه يسوع.

فجاء المسيحُ راعيًا يفتقد المنكسرين، ويجبر القلوبَ الجريحة، ويشفي العميان الذين صرخوا إليه، ويُقيم المنحنين، ويُطلق المأسورين إلى حريّة البنين، ويُحرّر كلَّ من تسلّطت عليه الخطيّة، ويردّ للخطاة كرامتَهم المسلوبة، إذ لم يأتِ ليُطفئ فتيلةً مُدخَّنة، ولا ليكسر قصبةً مرضوضة، بل ليُقيم حياةً حيث ساد الموت.

لكنّ ظهوره لم يكن تعزيةً فقط، بل استعلانًا للحقّ. فهو لم يأتِ في مجيئه الأوّل ليُدين العالم، كما قال بنفسه: «لأنّي لم آتِ لأُدينَ العالم، بل لأُخلِّصَ العالم»، غير أنّ حضوره كشف الظلم، وعرّى الرياء، وأظهر القلوبَ على حقيقتها. فالحقّ حين يظهر، يصير بذاته دينونةً على من يرفضه.

ولذلك لم يبدأ الربّ يسوع خدمته بإلغاء صوت الأنبياء، بل بإتمامه. فالذي نطق به إشعياء وحزقيال وآساف، نطق به المسيح بسلطانٍ أعظم، لأنّه لم يتكلّم بوحيٍ من فوق، بل بوصفه صاحبَ السلطان نفسه. ولهذا كانت كلماته رحيمةً للمكسورين، لكنّها حاسمةٌ للقادة، لأنّ خطيّتهم لم تكن ضعفًا بشريًّا، بل استغلالًا للسلطان باسم الله، وإضلالًا للناس تحت غطاء التقوى.

في متّى ٢٣، ينطق يسوع بسلسلةٍ من «الويلات»، وهي ليست انفجارَ غضبٍ إنسانيّ، بل صيغةً نبويةً قضائيّة.

فالويل في لغة الكتاب المقدّس ليس سبًّا ولا إدانةً شخصيّة، بل إعلانَ حقٍّ يكشف المصير إن استمرّ الطريقُ ذاته.

لذلك قال مرارًا: «وَيلٌ لكم أيُّها الكتبةُ والفريسيّونَ المُراؤون» ثم كشف جوهرَ الأزمة: «تُعشِّرونَ النَّعنعَ والشَّبِثَ والكَمُّونَ، وتَرَكتُم أثقلَ الناموسِ: الحقَّ والرَّحمةَ والإيمانَ» (متّى ٢٣ : ٢٣). لم يكن هدفُ المسيح إدانتهم، بل اجتذابَهم إلى التوبة. غير أنّه واجههم لأنّهم استبدلوا العدلَ بالشكل، والرحمةَ بالمظهر، فتحوّل الدينُ في أيديهم إلى أداةِ سيطرة لا طريقَ حياة.

وقال أيضًا: «تُنقُّون خارجَ الكأسِ والصَّحن، وأمّا داخلهما فمملوءٌ اختطافًا ودعارة» (متّى ٢٣ : ٢٥). أي إنّ الفساد لم يكن سلوكًا ظاهرًا فحسب، بل قلبًا ملتويًا يختبئ خلف قناع القداسة. وهكذا صار الرياءُ ذاته شهادةً ضدّهم، لأنّهم استخدموا اسمَ الله ليُغطّوا الظلم لا ليُبطلوه.

ومن أشدّ ما نطق به المسيح: «يأكلونَ بيوتَ الأراملِ، ولِعلَّةٍ يُطيلونَ الصلواتِ. هؤلاء يأخذونَ دينونةً أعظم» (مرقس ١٢ : ٤٠ ؛ لوقا ٢- : ٤٧). هنا يلتقي صوتُ يسوع مباشرةً بصوت إشعياء ومزمور ٨٢. فالأراملُ — رمزُ الضعفاء — صِرن فريسةً لقادةٍ يتاجرون بالدين. ولذلك قال إنّ دينونتهم أعظم، لا لأنّ الله لا يريد خلاصهم، بل لأنّ نورَ الحقّ أشرق أمامهم فرفضوه، وهم يسحقون المساكين بأيديهم، ويرفعون أيديهم الأخرى بالصلاة.

ثم قدّم يسوع مثلًا نبويًّا لا يحتمل التأويل: مثلَ الكرّامين الأردياء (متّى ٢١ : ٣٣ – ٤٦؛ مرقس ١٢ : ١ – ١٢ ؛ لوقا ٢٠ : ٩ – ١٩) فالكرمُ هو الشعبُ، والكرّامون هم الرؤساء والكهنة والقضاة. الذين ضربوا العبيدَ — أي الأنبياء — الذين أرسلهم الله مرارًا ليوقظوا الضمائر ويعيدوا القلوب إليه، فكذّبوهم، واضطهدوهم، وسفكوا دماءَ بعضهم، لأنّ نورَ الكلمة كان يفضح ظلمهم. ثمّ، حين أُرسل الابنَ الحبيب، وارثَ الكرم وصاحبَه الحقيقي، لم يحتملوا حضوره؛ إذ كشف سلطانُ حياته زيفَ سلطانهم القائم على الموت، ونقاؤه فضح رياءهم، فاجتمعوا عليه ليقتلوه، لا جهلًا بمن هو، بل طمعًا في أن يبقى الكرمُ بأيديهم، ويظلّ الشعب خاضعًا تحت نيرهم، لا خاضعًا لله.

وحين سأل: «ماذا يفعل صاحبُ الكرم؟» أجاب: «يأتي ويُهلكُ أولئكَ الكرّامينَ الأشرار، ويُعطي الكرمَ لآخرين».

فهم القادةُ المعنى فورًا: «فعرفوا أنّه قال المثلَ عليهم». كان هذا إعلانًا بأنّ السلطان سيُنزع ممّن خانوا الأمانة، وتُقام جماعةٌ جديدة مولودةٌ من فوق، تحمل ثمرَ الروح في الأرض. ولم يكن هذا كلامًا رمزيًّا، بل تحقّق تاريخيًّا بخراب أورشليم سنة ٧٠م، وسقوط البنية الدينيّة التي قاومت الحقّ، بينما انطلقت الكنيسة تشهد للمسيح في كلّ الأمم.

لكنّ المفارقةَ العظمى أنّ المسيح، الذي كشف القضاء، هو نفسه الذي حمله. فحين صلبوه ظانّين أنّهم أسكتوا صوتَ الحقّ، حمل هو دينونةَ الخطيّة في جسده، ليصنع خلاصًا لكلّ من يؤمن، وتبقى دينونةٌ عتيدة لمن يرفض النور ويقاومه. وهكذا لم تبقَ صرخةُ: «حاكِمهم يا ربّ» مجرّد صلاة، بل صارت واقعًا قائمًا في شخص يسوع المسيح المصلوب.

فالعدلُ الذي انتظره الأنبياء، قام بنفسه بين الناس. والملكُ الذي وعد به حزقيال، جاء فعلًا. والقاضي الذي ناداه آساف، سيُعلَن في مجده في اليوم الأخير كما أُعلِن على الصليب.

مَن رفضوا النور، سقطوا.
ومَن قبلوه وآمنوا به، نالوا الحياة.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ حاكمهم يا رب[الجزء السابق] 🠼 أين إله العدل؟
أشرف سمير
Environmental Planning & Management Systems Specialist في Vodafone Egypt   [ + مقالات ]