المقال رقم 5 من 2 في سلسلة حاكمهم يا رب

أين إلهُ العدل؟

(ملاخي ٢: ١٧)

وبعد أن ارتفعت صرخاتُ الأنبياء، ووقف الله قاضيًا في مشهدِ المحكمة الإلهيّة، يصل صوتُ العهد القديم إلى لحظته الأخيرة في سفر ملاخي.

هنا لا يتكلّم النبيّ وحده، بل يتكلّم الشعبُ نفسه؛ شعبٌ تباينت أحواله: فيهم مَن أنهكه طولُ الانتظار فصار سؤالُه تنهيدةَ مظلوم، وفيهم مَن غلّفته المرارة حتى انقلب سؤالُه إلى عِتابٍ مُرّ، وفيهم أيضًا مَن تسرّب إليه الشكّ عمليًّا لا فلسفيًّا، حين رأى الشرَّ يزدهر والباطلَ يعلو، فصار يميل إلى تفسيرٍ خطيرٍ يخلط بين صلاح الله ومحاباة الأشرار.

ومن هذه الحالة المركّبة يخرج السؤالُ مُثقَلًا بالمشاعر لا بالكلمات فقط: «أين إلهُ العدل؟».

ولذلك لا ينبغي أن يُفهم هذا السؤال على أنّه استفسارٌ ذهنيّ مجرّد، بل هو علامةٌ على أزمةٍ روحيّة وأخلاقيّة في آنٍ معًا.

فالنصّ نفسه يكشف أنّ بعض القائلين لم يكتفوا بالأنين من الظلم، بل ذهبوا إلى حدّ تزييف ميزان الحقّ في قلوبهم، كأنّهم يقولون: إن كان الشريرُ ناجحًا، فلابد أنّه “صالح” في نظر الرب، وإن كان الظلمُ مستقرًّا، فمعنى ذلك أنّ العدل غائب.

هكذا صار السؤال -عند البعض- ليس صرخةَ ألمٍ فقط، بل احتجاجًا مُختلطًا باتّهامٍ مُضمَر، وبإرهاقٍ روحيّ جعلهم يقرأون صبر الله بوصفه غيابًا، وطول أناته بوصفه إهمالًا.

ومن هنا جاء الردّ الإلهيّ لافتًا: لم يأتِ في صورة جدالٍ يبرّر الله أمام الإنسان، ولا في شرحٍ يرضي فضول العقل، بل في إعلانٍ حاسمٍ يقطع الطريق على الالتباس: «هأنذا أُرسل ملاكي فيُهيّئ الطريق أمامي، ويأتي بغتةً إلى هيكله السيّد الذي تطلبونه… هوذا يأتي، قال ربّ الجنود».

كأنّ الله يقول: العدل ليس فكرةً تُناقَش، بل مجيءٌ إلهيّ سيقع في التاريخ، وحضورٌ لا يُمكِن تجاوزه.

الجوابُ كان واضحًا: إلهُ العدل لم يغب، بل آتٍ بنفسه. غير أنّ مجيئه -وهنا تكمن هيبة النصّ- لن يكون مجرّد “انتقام” للمتألّمين على خصومهم، بل سيكون قضاءً يبدأ بالتنقية. فالربّ لا يجيء ليُجيب سؤال الناس فحسب، بل ليكشف القلوب ويُطهّر الفساد الذي تسلّل إلى الداخل.

لذلك يصوّره السفر كالمنقّي والممحِّص: تنقيةٌ ليست مجرّد “تأديب” خارجيّ، بل تطهيرٌ يُعيد تشكيل العبادة والضمير، ويُقيم ما اعوجّ في بيت الله قبل أن يمتدّ الحكم إلى ما اعوجّ في المدينة. وكأنّ المبدأ المعلن هنا: الله يبدأ قضاؤه من هيكله، من مسكن اسمه، من موضع العبادة والخدمة، لأنّ فساد الداخل هو الذي يفتح الباب لخراب الخارج.

ثم يعلن الربّ بوضوح أنّه سيقترب للحُكم، لا كشاهدٍ صامت، بل كديّانٍ حاضرٍ يُسمّي الأشياء بأسمائها، فيفضح ما تجاهله البشر: ظلمَ الأجير في أجرته، وقهرَ الأرملة واليتيم، وصدَّ الغريب، وكلَّ مَن لا يخشون اسمه.

وهكذا يضع ملاخي السؤال في نصابه الصحيح: المشكلة ليست أن العدل غير موجود، بل أن الناس -حين طال بهم الزمن- إمّا ضاقوا عن احتمال صبر الله، أو حاولوا التعايش مع الشرّ بتغيير تعريف “الخير” نفسه. أمّا الله فيُعلن أن عدله ليس وعدًا غامضًا، بل موعد، وليس فكرةً معلّقة، بل مجيئًا إلهيًّا حتميًّا.

وبذلك يُغلق العهدُ القديم صفحته الأخيرة على سؤالٍ مفتوح، لكنّه مشحون بالترقّب والرهبة معًا: إلهُ العدل قادم. والصمت الذي يلي ليس غيابًا، بل انتظارٌ ثقيل للحظة أن يحضر الله بنفسه -لا ليُدلي برأيٍ من بعيد- بل ليضع الأمور في نصابها، ويجعل للحقّ كلمته الأخيرة.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ حاكمهم يا رب[الجزء السابق] 🠼 قم يا الله
أشرف سمير
Environmental Planning & Management Systems Specialist في Vodafone Egypt   [ + مقالات ]