قُم يا الله، دِنِ الأرض، لأنّك أنتَ تمتلكُ كلَّ الأُمَمِ(مزمور ٨٢: ٨)
وبعد صرخاتِ الاستغاثة، وإعلاناتِ الإدانة، ومشاهدِ المحاكمة التي كشفها الأنبياء، يرتفع الستار في مزمور ٨٢ عن مشهدٍ فريدٍ تتجلّى فيه العدالةُ الإلهيّة بصورةٍ علنيّة. فالله، الذي دُعي في المزامير أن يقوم، وأعلن في الأنبياء أنّه سيُحاسب الرعاة، يظهر هنا واقفًا بنفسه في ساحة القضاء، لا بوصفه شاهدًا، بل بوصفه قاضيَ القضاة.
في هذا المزمور يصوّر آساف مشهدًا قضائيًّا سماويًّا مهيبًا، حيث يقف الله في مجلس الحكم ليُحاسب «الآلهة»، وهي كلمةٌ قضائيّة لا تشير إلى آلهةٍ حقيقيّة، بل إلى القضاة والحكّام البشر الموكَلين بإجراء العدل على الأرض. فيقول: «اللهُ قائمٌ في مجمعِ الله، في وسطِ الآلهةِ يَقضي».
أي إنّ الله قد حضر بنفسه في وسط هيئة القضاة الأرضيّين، ليُعلن حكمه عليهم. وقد استُخدِمت كلمة «آلهة» (إلوهيم بالعبرية، بصيغة جمع المذكّر) للدلالة على أنّ هؤلاء الحكّام يحملون سلطانًا مُفوَّضًا من الله، إذ يُمثّلونه في إقامة العدل بين الناس، لكنّهم -في الوقت ذاته- خاضعون للمحاسبة أمامه.
وقد أكّد الربّ يسوع هذا الفهم في العهد الجديد، حين اقتبس من هذا المزمور قائلًا: «أنا قلتُ إنّكم آلهة»، موضّحًا أنّ المقصود ليس طبيعةً إلهيّة، بل وظيفةً قضائيّة مُعطاة للبشر ومسؤولة أمام الله.
ثم يواجههم الربّ بمساءلةٍ مباشرة تحمل نبرة الاتّهام: «إلى متى تَقضونَ جَوْرًا، وترفعونَ وُجوهَ الأشرار؟» وهو سؤالٌ يكشف جوهر الفساد: محاباة الأقوياء، وتبرير ظلمهم، مقابل سحق الضعفاء. فالقضاء لم يعُد ميزانَ حقّ، بل أداةً تخدم من يملكون النفوذ.
ويُعلن الله أمامهم ما كان ينبغي أن يكون عليه دورهم منذ البداية: اقضوا للذليلِ واليَتيم. أنصفوا المسكينَ والبائس. نَجّوا المسكينَ والفقير، من يدِ الأشرارِ أنقِذوا
[1]
تمثّل هذه الكلمات ميثاقًا إلهيًّا للعدل، يضعه الله أمام كلّ من يتسلّم سلطان الحكم، مؤكّدًا أنّ جوهر القضاء ليس حماية النظام، بل حماية الإنسان المظلوم. فالدفاع عن الضعفاء ليس عملًا جانبيًّا، بل هو المعيار الذي يُقاس به صدقُ أيّ سلطة. لكنّ واقع الحال أنّ أولئك القضاة لم يفعلوا ذلك؛ لذلك يستمرّ المزمور كاشفًا نتائجَ ظلمهم، قائلًا: «لا يَعلَمونَ ولا يَفهَمون. في الظُّلمةِ يَتمشَّون، تتزعزعُ كلُّ أُسُسِ الأرض».
لا يشير هذا الوصف إلى جهلٍ بسيط، بل إلى عَمًى روحيٍّ وإدراكيٍّ اختياريّ؛ إذ رفض القضاةُ نورَ الحقّ، فساروا في الظلمة بإرادتهم. ونتيجةُ هذا الانحراف لم تَقِف عند حدود أخطائهم الشخصيّة، بل امتدّت لتُصيب كيانَ المجتمع كلّه، حتّى تزعزعت «أُسُسُ الأرض»، أي المبادئ الأخلاقيّة والعدليّة التي يقوم عليها استقرار البشر وعلاقاتهم.
وعند هذه النقطة يصدر الحكمُ الإلهيّ الحاسم: «أنا قلتُ إنّكم آلهة، وبنو العليّ كلّكم، لكن مثلَ الناسِ تموتون، وكأحدِ الرؤساءِ تسقطون». أي إنّه رغم ما مُنِح لهم من سلطانٍ ومكانة، فإنّهم لن يُستثنَوا من الدينونة، بل سيُحاسَبون كأيّ بشرٍ خاطئ، ويسقطون من مواضعهم العالية سقوطًا مُهينًا. فالمقام لا يحمي من القضاء، والسلطة لا تُعفي من الحساب.
ويُختَتم المزمور بنداءٍ يبلغ ذروةَ الصرخة النبويّة، حين يشترك المرنّم مع الشعب قائلًا: «قُم يا اللهُ، دِنِ الأرض، لأنّك أنتَ تمتلكُ كلَّ الأُمَم». هنا يبلغ الاعتراف قمّتَه: لقد فشل الحكمُ البشريّ، وتعذّر إصلاحُه من الداخل، فلم يبقَ إلّا أن يتدخّل الله نفسه بوصفه القاضيَ النهائيّ. إنّها صرخةٌ تُسلِّم القضيّة كاملةً إلى السماء.
