من أسفلِ القدمِ إلى الرأسِ ليس فيه صحّة.(سفر إشعياء ١: ٦)
وبعد أن أعلن حزقيال تدخّلَ الله لرعاية قطيعه، يفتح سفرُ إشعياء زاويةً أعمقَ للنظر إلى الجُرح ذاته، كاشفًا أنّ أزمةَ القيادة لم تكن حادثًا منفصلًا، بل نتيجةَ مسارٍ روحيٍّ طويلٍ أصاب الجماعةَ كلَّها. ففسادُ الرؤساء لم ينشأ في فراغ، بل خرج من قلبٍ جماعيٍّ زاغت قلوبُه عن إلهه.
ويعبّر إشعياء عن هذا الواقع منذ مطلع سفره، حين يصوّر المرض وقد سرى في الجسد كلّه، قائلًا: «من أسفلِ القدمِ إلى الرأسِ ليس فيه صحّة»، في إشارةٍ إلى انهيارٍ شاملٍ لم يُصِب الرأسَ وحده ولا الجسدَ وحده، بل أصاب الكيانَ بأسره.
وهكذا تُرِك المجتمعُ لفراغٍ لم يملأه إلّا أسوأُ الاختيارات، كاشفًا عن اتّجاهاتِ القلوب التي اختارت، فتفكّكت العلاقات، واضطرب النظام، وتسارع طريقُ الانهيار، لا بوصفه عقابًا اعتباطيًّا، بل حصادًا طبيعيًّا لانفصال الإنسان عن مصدر النور والتمييز. وبذلك يكشف إشعياء أنّ ما جرى في يهوذا لم يكن سقوطًا مفاجئًا، بل انكشافًا لما كان يتآكل في الداخل منذ زمن.
ويُعلن إشعياء أنّ الربَّ سينزع من أورشليم ويهوذا مقوّماتِ الثبات التي كانت تحفظ توازن المجتمع، قائلًا: «هوذا السيّدُ ربُّ الجنود ينزعُ من أورشليم ويهوذا السَّندَ والرُّكن… القاضيَ والنبيَّ… والشيخَ، ورئيسَ الخمسين، والمُعتبر، والمشير».
ولا يشير هذا الإعلان إلى أنّ الله ألغى القادةَ الصالحين تعسّفًا، بل إلى رفع نعمته الحافظة التي كانت تُبقي في وسط الشعب رجالَ حكمةٍ واستقامة. فحين رفض الشعبُ الربَّ، وزاغ قلبُه عن الحقّ، لم يعُد يحتمل حضورَ الأمناء، ولا يُصغي لصوت المستقيمين، فانكفأ هؤلاء أو أُزيحوا أو أُبعدوا بطرقٍ مختلفة، حتّى خلت الساحة منهم.
وهكذا، لم يبقَ في الواجهة إلّا ما يُشبه اتّجاهاتِ القلوب السائدة. فحين يُرفَض النور، لا يبقى إلّا سواد الظلّ، وحين تُقصى الحكمة، يتقدّم الجهل، لا لأنّ الله أراده، بل لأنّ الإنسان اختاره. فكان نزعُ السَّند كشفًا للواقع، لا صناعةً له؛ إعلانًا لما صار إليه القلب، لا فرضًا لمسارٍ جديد.
ويصف النبيّ نتيجة هذا الفراغ قائلًا: «وأجعلُ صِبيانًا رؤساءَ لهم… فيَظلِمُ الشعبُ بعضُه بعضًا».
لا يتحدّث إشعياء هنا عن أعمارٍ بيولوجيّة، بل عن غياب النضج، وانعدام البصيرة، وتسلُّم القيادة بأيادٍ تفتقر إلى الحكمة والتمييز. وحين تُسلَّم المسؤوليّة لمن لا يدرك وزنها، لا تتوقّف الأزمة عند مستوى الحكم، بل تتسرّب سريعًا إلى نسيج المجتمع كلّه.
فتختلّ العلاقات، وتضيع الحدود، ويتحوّل الاضطراب من القمّة إلى القاعدة، حتّى يصير الظلم حالةً متبادلة لا استثناءً عارضًا. ولذلك يرسم النبيّ صورةَ انهيار القيم بقوله: «الصبيُّ يتمرّدُ على الشيخ، والدنيءُ على الشريف»، في مشهدٍ يعكس انقلابَ الموازين، لا بقوّة العنف وحده، بل بسقوط المعايير التي كانت تضبط الحياة المشتركة.
وهكذا يكشف إشعياء أنّ الخطر الحقيقي لم يكن في ضعف القيادة فحسب، بل في تفكّك المرجع الذي يُعرّف ما هو صواب وما هو باطل. فحين يُفقَد هذا الميزان، لا يعود المجتمع قادرًا على تصحيح نفسه، بل يدخل في دائرةٍ متسارعة من الانحدار.
وقد ظهرت نتائج هذا المسار بوضوح في التاريخ، حين سقطت يهوذا في يد بابل، وسُبي أصحاب الخبرة والحكمة، كما يذكر السفر أنّ «جميع الرؤساء وجبابرة البأس والصنّاع» أُخذوا إلى السبي، فخلا المشهد من القيادة الرشيدة، وانكشف المجتمع أمام الانهيار الكامل، حتّى انتهى الأمر بخراب أورشليم سنة ٥٨٦ قبل الميلاد.
لكنَّ إشعياء لا يكتفي بوصف الظاهرة اجتماعيًّا فحسب، بل ينتقل إلى مواجهةٍ مباشرة مع القادة بسبب تعدّياتهم العهديّة الجسيمة، إذ لم تكن أفعالهم مجرّد انحرافاتٍ سلوكيّة، بل خيانةً صريحة للوكالة التي أُقيموا فيها أمام الله. فالنصّ يتحوّل من توصيف العقاب إلى مشهدِ محاكمةٍ إلهيّةٍ صريحة، إذ يقول: «قدِ انتصبَ الرَّبُّ للمخاصمة، وهو قائمٌ لدينونةِ الشُّعوب. الرَّبُّ يدخلُ في المُحاكمةِ مع شيوخِ شعبِه ورؤسائِهم».
يظهر الله هنا قاضيًا ومُدَّعيًا في آنٍ معًا، لا بوصفه مراقبًا من بعيد، بل حاضرًا في قلب المشهد، يواجه المتّهمين بجرائم محدَّدة لا لَبْس فيها، قائلًا: وأنتم قد أكلتمِ الكَرْمَ؛ سَلَبُ البائسِ في بيوتِكم. ما لكم تسحقون شعبي وتطحنون وجوهَ البائسين؟ يقولُ السَّيِّدُ ربُّ الجنود
[1].
تُعدّ هذه الآيات من أقوى ما كُتب في الكتاب المقدّس عن استغلال القادة للأمّة؛ إذ يُشبّههم الربّ بمن يلتهمون كرمه الخاص، أي يستغلّون موارد البلاد -والكرم هنا رمزٌ لإسرائيل- لمنافعهم الذاتيّة. فبدل أن يحموا الفقراء، قاموا بسلبهم، وبدل أن يرعوا الشعب، سحقوه، حتّى صار وجودُ الضعفاء نفسه مادّةَ ربحٍ للمتسلّطين.
ولذلك يقف الربّ شخصيًّا ضدّ الشيوخ -أي القادة المدنيّين- وضدّ الرؤساء -أي أصحاب السلطان والحكم- ليُحاكمهم على هذا الظلم الصارخ. فالتهمة الموجَّهة إليهم لا تقتصر على إهمال مساعدة الفقراء، مع خطورة ذلك، بل تتجاوزها إلى ما هو أعمق وأقسى: أنّهم استغلّوا بؤسَ الفقراء ليُغنوا أنفسهم. إنّها صورةٌ لفسادٍ مُمنهَج، يتحوّل فيه أصحاب السلطة إلى طغاةٍ اقتصاديّين، يُراكمون الثروة من خلال إفقار الضعفاء.
