انتهت بطولة اﻷمم اﻹفريقية لكرة القدم التي نظمتها المغرب بين ديسمبر الماضي ويناير الجاري، بشكل دراماتيكي بفوز منتخب السنغال على المغرب، وخلال البطولة وبعدها حدثت مناوشات بين الجماهير المصرية والمغربية، فبعد تشجيع للجمهور المغربي لمنتخب مصر في ثاني مباريات البطولة انقلب الحال لتشجيع كل منتخب يلعب ضد مصر طوال البطولة، وانتهى بحدث غير مقبول وهو صافرات اﻻستهجان من الجمهور المغربي في أثناء عزف السلام الوطني المصري قبل بداية المبارة بين مصر ونيجيريا على المركز الثالث.
وبعيدًا عن التفاصيل التي وصلت بنا إلى هذا المشهد، ومن بدأ، ومن أخطأ، لكن رد الفعل من المسؤولين المصريين على إهانة السلام الوطني المصري كان مخزيًا. فبدلًا من اﻻعتراض على هذا المشهد وجه السيد هاني أبو ريدة، رئيس اﻻتحاد المصري لكرة القدم، خطاب شكر لدولة المغرب على تنظيم البطولة قبل يومين من تلك الواقعة، يوم 15 يناير الجاري وهي روح رياضية جيدة، وكانت واقعة مبارة نيجيريا بعدها بيومين في 17 يناير، وصاحبها بعدها صوت صرصور الحقل، فلم يصدر بيان يدين ما حدث تجاه السلام الوطني المصري.
ربما السيد أبو ريدة، عضو المكتب التنفيذي للفيفا، ونفس المنصب في اﻻتحاد اﻹفريقي، له حسابات أخرى، لكن ماذا فعل وزير الشباب والرياضة؛ الدكتور أشرف صبحي؟ هل انتفض ﻹهانة السلام الوطني المصري بصفارات اﻻستهجان؟ لا، بل على العكس؛ أجرى اتصال تليفوني مع محمد سعد برادة، وزير التربية الوطنية والتعليم والرياضة بالمغرب، وفي بيان رسمي نشرته صفحة مجلس الوزراء، أعلن وزير الرياضة المصري أنه عبر عن: عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تجمع بين مصر والمغرب، التي تمتد عبر عقود طويلة من التعاون والتكامل في مختلف المجالات، وعلى رأسها المجالان الرياضي والشبابي، مشددين على أن المنافسة الرياضية يجب أن تظل في إطارها الحضاري القائم على الاحترام المتبادل والروح الرياضية. يأتي ذلك في إطار التنسيق المشترك وحرص الجانبين على تهدئة الأجواء الرياضية بين الجماهير، والتأكيد على أن الرياضة تمثل جسرًا للتقارب بين الشعوب وليست سببًا للخلاف وأن الرياضة قوة ناعمة فاعلة في توطيد العلاقات بين الشعوب ودعم مسارات التقارب والتعاون بين الدول الشقيقة. وأشار صبحي إلى نجاح المملكة المغربية الشقيقة في استضافة العرس الإفريقي مؤكدًا رفض أي مظاهر تعصب أو إساءة من شأنها التأثير سلبًا على العلاقات المتميزة بين البلدين الشقيقين، أو تشويه صورة الجماهير العربية
.
تخاذل وزير الشباب والرياضة في أن يبدي ولو امتعاضه على إهانة السلام الوطني المصري، وذهب في مماﻷة، ليست مطلوبة، للتأكيد على عمق علاقات تفرضها الحكومات فقط على الشعوب، لكن على أرض الواقع لا توجد.
وهذا يقودني إلى ما أريد اﻹشارة إليه في هذا المقال، وهو ما شربناه عنوة بالملعقة منذ الصغر من قبل مناهج التعليم واﻹعلام والخطاب الديني، بأن “سكان الدول العربية أشقاء وأخوة”، هو غير حقيقي، وهذا المنطق يفترض أن اﻷخوة تستدعي أن تتنازل ﻷخيك حتى تحافظ على علاقتك به، لكن على أرض الواقع إذا نظرنا للخريطة السياسية سنعدد الخلافات السياسية والعلاقات المضطربة بين الدول العربية من المحيط إلى الخليج، بل وسنجد التباين واﻻختلافات بين شعوب تلك الدول، فرغم الادعاء بأنهم يتحدثون جميعا اللغة العربية وهويتهم “عرب”، إلا أنهم يجدون صعوبة في فهم بعضهم البعض.
وأشير هنا إلى موقف طريف جمعني بشاب مغربي يتحدث الفرنسية ولغته اﻷم اﻷمازيغية ولا يعرف العربية، يعمل في الفندق الذي كنت أقيم به خلال فترة زمالة اﻷمم المتحدة للأقليات التي قضيتها في جنيف عام 2023، فحينما جاء شاب ليبي يريد السكن بالفندق، لم يستطيعا التفاهم، ولجأوا لي ﻷترجم بينهم، وكنت أتفاهم مع الليبي الذي يعرف اللغة المصرية من السينما واﻷفلام المصرية، وأنقل كلامه للشاب العامل بالفندق باﻹنجليزية. فنحن الثلاثة يقال علينا عرب وفي الحقيقة كانت اﻹنجليزية هي لغة التواصل بيننا وليس العربية.
مناوشات كرة القدم ليست اﻷولى بل حدثت وقائع سابقة لا داعي لاسترجعاها بين جماهير بعض تلك الدول، وتشهد ساحات السوشيال ميديا نزالات وصدامات بين بعض شعوب المنطقة، وتظهر خلالها حالة من تفاخر كل شعب واعتزازه بقوميته الخاصة -وهو أمر طبيعي ومفهوم- ضد الشعوب اﻷخرى، ويتبرأ بعض هؤلاء المتناحرين من كونهم عرب أو ينتمون للهوية العربية.
ولكن هل الصورة قاتمة إلى هذه الدرجة؟ في الحقيقة لا، فمن خلال خبرة شخصية، جمعتني علاقات جيدة تحولت لصداقة أو زمالة ممتلئة بالاحترام بشخصيات من مختلف الدول “المسماة عربية” وحينما التقينا في ظروف طبيعية مثل مؤتمر أو ورش تدريبية جمعتنا لفترات طويلة استطاع كل منا التعرف على اﻵخر كما هو، لا من خلال صورة نمطية مسبقة أو قوالب محددة يجب أن نؤمن بها عنوة، وكانت فرصة التواصل الطبيعي هي سبب التواصل وإيجاد المشترك بيننا، والحفاظ على علاقات طيبة بعد عودة كل منا لبلده.
فالعلاقات بين الشعوب لا تُفرض من أعلى بل تأتي عن طريق اﻻحتكاك والتواصل، وقد نصادف من بلد ما نماذج جيدة تجعلنا نكون صورة طيبة عن هذا الشعب أو نماذج تقدم صورة معاكسة، وهذا طبيعي جدًا ﻷننا بشر، وفي كل مكان يوجد الطيب والسيئ، لكن بدلًا من السماح بفرص يتعرف فيها الشعوب ببعضهم بشكل طبيعي، تفرض الحكومات هوية محددة ويُجبر الجميع عليها ويُفرض علينا قوالب وصور نمطية عن اﻵخرين وننتظر أن يكونوا مثلما نتخيل، فنصطدم بهم بدلًا من أن نتعرف إليهم وعلى ثقافتهم كما هم يعيشون ويعتقدون ويتصرفون.
وليس دليل على فشل التنميط بجعل جميع سكان الدول “العربية” وكأنهم شيئا واحدًا، وتجاهل التنوع العرقي/اﻹثني والديني والثقافي في تلك البلاد، هو فشل الدول “العربية” في تكوين منظمة اقتصادية موحدة أو عملة موحدة كما حدث في اﻻتحاد اﻷوروبي، في حين شعوب أوروبا المختلفة إثنيًا ولغويًا وثقافيًا، ودارت بينهم حروب على مدار قرون، استطاعوا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تجاوز خلافات وحروب الماضي وبناء علاقات قوية اقتصاديًا، وتعاونوا معًا دون أن يتماهى أي شعب منهم ويتنازل عن هويته أو لغته لصالح بلد أخرى أو هوية أخرى. بينما “الدول العربية الشقيقة” لا تزل تتناحر ولا يعرف شعوبهم عن بعضهم البعض الكثير، بل واﻷكثر من ذلك لا يعرف أفراد طائفة معينة أصغر المعلومات عن أبناء طائفة أخرى من نفس بلدهم التي يحملون نفس جنسيتها.
باحث وكاتب صحفي متابع للشأن الكنسي وشؤون الأقليات.
زميل برنامج زمالة الأقليات- مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان- الأمم المتحدة، جنيف/ ستراسبرج 2023.
زميل برنامج "الصحافة للحوار" مركز الحوار العالمي (كايسيد) لشبونة 2022.

