- الإفخارستيا المسيحية
بين الخصوصية الطقسانية ووحدة الكنيسة - ☑ الإفخارستيا المسيحية [٢]
بين الخصوصية الطقسانية ووحدة الكنيسة
يعود بنا رودولف پيش في كتابه المعنون: العشاء الأخير وفهم يسوع للموت
، ليس فقط إلى شخصية يسوع التاريخي وقت العشاء الأخير، لكن أيضًا إلى فهم يسوع ذاته عن معنى هذا العشاء.
يرى پيش أن قصة العشاء الأخير في إنجيل مرقس تحتوى على إعلان عن فهم ربنا يسوع لمعنى موته. فبالحديث عن دم العهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين يعبر يسوع عن قناعته بأن موته سيكون كفارة من أجل العالم أجمع (مثل العبد المتألم المذكور في إشعياء). وبذلك فإن موته هو تتويج وكمال لحياته وإعلان وإيذان بعهد جديد [1].
وفي الفصل الأخير من كتابه: العشاء الأخير وعشاء الرب
، استعرض هوارد مارشال جوانب في معنى عشاء الرب في قصص العشاء الأخير، وفي التلميحات إليه في مواضع أخرى من العهد الجديد، ثم خرج من هذه التأملات المتنوعة بخمسة معانٍ لاهوتية:
1- إن عشاء الرب هو استمرار لأفعال الرب في العهد القديم.
2- وهو التحقيق للأهمية الخلاصية لموت الرب.
3- وهو المناسبة التي ندخل فيها في شركة مع الرب القائم.
4- وهو عربون للوليمة السمائية.
5- وهو تعبير عن الترابط داخل شخص المسيح.
وبحسب مارشال، فإن كلمات يسوع عن تقدمة الخبز بجسده، والكأس بدمه، كانت تأكيدًا وتجسيدًا للترابط داخل شخص المسيح، دون أن يكون في ذلك ثمة أهمية سرائرية ديناميكية لكلمات يسوع وأفعاله [2].
لكن كزاڤييه نشر عام 1982 دراسة مطولة، من خلال تجميعه لنتائج أبحاث عديدة، بعنوان: شركة خبز الإفخارستيا بحسب العهد الجديد
، واستطاع أن يعرض ما أسماه وصفًا تزامنيًا (Synchronic) لروايات العشاء الأخير، وخلُص أنها تدور حول ثلاث محاور [3]:
1- الرب يسوع وخليقة الله.
2- الرب يسوع وعلاقته بتلاميذه.
3- الماضي والحاضر والمستقبل.
وفي الجزء الثاني من كتابه، تعقب كزاڤييه آثار تطور النص عبر أربع مراحل من تأثير الجماعة المسيحية:
المرحلة الأولى: مفهوم الوليمة الجماعية: ويتضمن تقديم شكر على تقدمة من الخبز، ومعه سرد لتدخل الرب جالبًا النجاة، يتخلله تذكار العهد ليُعَد نوعًا من تجديد العهد.
المرحلة الثانية: ازدياد تأثير الجماعة المسيحية عمقًا: ويتضمن موضوع العهد الجديد على ضوء ما جاء في سفر إرميا [4].
المرحلة الثالثة: معنى أكثر تحديدًا للعشاء الأخير وللعبادة المؤسسة عليه: ويتضمن عهد الكفارة المبنى على نشيد العبد المتألم في سفر إشعياء [5].
المرحلة الرابعة: وتُظهر النصوص تركيزًا على الرب القائم في الوليمة [6].
وبحسب كزاڤييه، تكشف قصص العشاء الأخير عن تقليدين متكاملين:
1- تقليد مبني على العبادة الجماعية.
2- وتقليد العهد الجديد.
ويخلص كزاڤييه أن الرب يسوع قد أضفى مفهوم السر على طقس كسر الخبز وشركة الكأس [7].
لقد ركز كل الكُتَّاب على العناصر المتعلّقة بالعبادة، وبالأخص تقليد مرقس/ متى، الذي أظهر التّقابل بين الخبز والكأس. وهذا واضحٌ في لوقا وكورنثوس الأولى: اصنعوا هذا لذكري
[8].
لقد حفظت لنا التقاليد توزيع الخبز والخمر في أثناء قول يسوع : هذا هو جسدي
– هذا هو دمي
على أنه لُب ما قاله يسوع وفعله في العشاء الأخير، ويمكننا تقديم عدد من التفسيرات لهذه الأفعال والأقوال، حيث إن معناها هو إحدى المسائل المختلفة التفسير بين الطوائف المسيحية، ويجب أن تُفهم بوضعها مقابل الرموز النبوية اليهودية.
إن تعبير “رمز” هو عادة تعبير مضاد لـ”حقيقة”. ونفهم “الرمز” على أنه فعل أو شيء يشير مجازيًا لشيء آخر، أما في الفكر اليهودي فالرموز هي حقائق في حد ذاتها، وتكون الحقائق ملموسة بفضل الكلمة النبوية؛ بمعنى أن الفعل الرمزي يستحضر بشكل ما الحدث الحقيقي إلى الوجود. وذلك يدعم في آراء عديدة أن الخبز والخمر وهما رمز للجسد والدم يستحضران بشكل سرائري الجسد والدم الحقيقيين إلى الوجود.
لقد كان يسوع يريد أن يقول “هذه هي نفسى”، أو “هذا هو شخصي”، وبمشاركة هذه الوليمة معكم أنا أُدْخِلُكم في علاقة لصيقة معي، أي في اتحاد حقيقي معي. ووجود اصنعوا هذا لذكري
هو تأكيد على الوصية بالاستمرار في صنع ما فعله يسوع، وهو الاعتقاد الراسخ والمبكر الذي تدل عليه ممارسة الكنيسة منذ البدء.
وتكرار هذه الممارسة بعد العشاء الأخير مبنى دائمًا على الإيمان بالقيامة، فتوحدنا الشركة في الخبز والخمر مع يسوع القائم في المجد كما هو الآن. وفكرة تكرار العشاء في حياة الكنيسة متضمنة أيضًا في الوعد المذكور في لوقا [9]، [10].
إن معنى كلمات يسوع وأفعاله، نجدها واضحة في بقية إشارات العهد الجديد. فنجد بولس يسأل سؤالًا استفهاميًا مجازيًا تقريريًا لأهل كورنثوس: كأس البركة التي نباركها، أليست هي شركة دم المسيح؟ الخبز الذي نكسره، أليس هو شركة جسد المسيح؟
[11]، فتلك هي الشركة التي نتحد بها اتحادًا وثيقًا بالمسيح، وفي حياة المسيح نصير إلى واحد [12]. لكن أكل هذا الخبز وشرب هذه الكأس من دون استحقاق يجعل المرء مجرمًا في جسد الرب ودمه
[13].
وهنا يفسر فريق كلمات بولس بوصفها مجازًا تقريريًا يؤكد قدسية الرمز كالحقيقة تمامًا، بينما يفسرها فريق آخر بوصفها الكرامة التي للحقيقة ذاتها في التحول السرائري للخبز إلى جسد ربنا يسوع والكأس إلى دمه.
وربما تكون كلمات يسوع عن خبز الحياة في الإنجيل الرابع هي صيغة خاصة بيوحنا عن كلمات التأسيس: والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم
[14]، ولكنه لا يقولها في مقام الإفخارستيا بل في مقام إشباع الجموع، ما يؤكد استخدامه الخبز للرمز إلى جسده في نظره للفداء المزمع أن يصنعه عن حياة العالم، وليس للدلالة على استحالة سرائرية في مقام الإفخارستيا، رغم لغة التساوي الكامل بين الخبز والجسد، في مقابلة كاملة الأركان في الخبز (للجموع كلها) والجسد المبذول (عن العالم أجمع).
لقد تعرف تلميذا عمواس على يسوع عند كسر الخبز [15]، وتُظهر هذه النصوص فهم الجماعة أن كلمات يسوع في العشاء الأخير كانت معنية بتحقيق الرمز النبوي، وأنه سوف يثبتها بحضوره في كل مرة يصنعون فيها عشاء الرب لذكره. وقد أدركت بعض جماعات المؤمنين أن عشاء الرب هو موضع لحضور يسوع دون الحاجة إلى التحول السرائري، مما يؤكد المهابة التي يتحدث بها الرسول بولس، واصفًا الإفخارستيا بأنها موضع حضور الرب يسوع في كل مرة يصنع فيها عشاء الرب لذكره.
إن مشهد العشاء الأخير ليس من صنع الجماعة المسيحية، وتعكس الروايات فهم يسوع لموته، والمعنى والقصد من العشاء الأخير. فبواسطة فعل رمزي نبوي دعا يسوع تلاميذه إلى علاقة وثيقة بالشركة في الخبز والخمر. وشركة الحياة هذه يجب أن تكرر بعد ذلك في ولائم الجماعة في حضرة الرب. وبالتلميح إلى العهد القديم، عرّف يسوع نفسه بأنه عبد الرب المذكور في إشعياء الذي يبذل نفسه كفارة، وفسّر أفعاله على أنها بداية العهد الجديد الذي تنبأ به إرميا.
