تستيقظ في كل صباح وهي تشعر أن عدوًا ينام بجوارها، يستلب حياتها، استسلمت للميتة البطيئة المفعمة بالقنوط لأن نفق الخلاص مظلم وطويل بلا نهاية. حاولت كثيرًا أن تجد حلا، أن تشرح لهم أن شريكها في السكن لم يعد ذلك الشخص الذي اتحدت به أمام المذبح منذ عشرة أعوام. لكن، في كل مرة، كان اليأس يكلل مساعيها.

تخشى أن تفصح عما تحتاج إليه كيلا يتهمنها بالوقاحة. المرأة ليس من حقها الاستمتاع في علاقتها الزيجية كما يحق للرجل. فتلك ثقافة لا يعرفها مجتمعنا المحافظ. اعتادت أنها وعاء للإنجاب، وأن ما تتوق إليه ليس إلا وساوس جسدانية شيطانية. ولا يصح أن تكون مولعة بالحياة إلى هذه الدرجة!

وهكذا انقسمت الذات بين كيانين، كيان يحاول التذرع بالصبر وآخر يسعى للخلاص. تعنف نفسها، تحاول التشبث بالكنيسة، بيت الله أبيها، الذي أضحت صورته تنفرها لأنها لا تغفر مقابلة شكواها بهذا التعنت، ولماذا وُضعت تلك القوانين القاسية وهو يعلم أن التغير هو لُحمة الإنسانية وسداها! هو من خلق البشر هكذا في الأساس، فماذا تفعل؟!

تحاول مرة أخرى، وتبث شكواها إلى المنوط بهم تقرير مصايِر المتزوجين من الرهبان العازفين عن الزواج.

– الأسقف: تحمّلي صليبك يا ابنتي مثلما احتمل المسيح.
– هي: المسيح احتمل لسبب ما، لكنني لا أجد سبباً واحداً للاحتمال.
– الأسقف: لست تعلمين السبب الآن لكنك ستفهمين فيما بعد.
– هي: الحق يا سيد إني أهان كل يوم، حاسبوه هو. هو المخطئ، لماذا أتحمل أنا؟
– الأسقف: لا تعرفين شيئاً عن شرائع الرحمة. أين غفرانك لمن أساء إليك؟ “اغفروا يغفر لكم.”

فكعادتهم يصبغون مفرداتهم بمصطلحات الكتاب المقدس، وبهيمنة تشعر من يحاورهم دائمًا أنه على خطأ. ودائمًا لديهم ردود معلَبة جاهزة لكل من يريد أن يلفت النظر إلى أي أبعاد تكوينية إنسانية. يعبدون أوراقا خرجت من المِطْبَعَة، يظنون بسذاجة أن معاني ألفاظها منفصلة عن عوامل اللغة والثقافة والزمن. يقول لهم متخصصو اللغة إن الكلمات ليس لها معان في ذاتها، نحن من نضفي عليها معانيها، لكنهم لا يفهمون.  يعصمون الأوراق وكأنها أصبحت مساوية لله في كامل لاهوته، اللا نهائي وحده كما نعرف عنه. يقرأون في قوانين الرياضيات أن الـ”ما لا نهاية” واحدة، لكن في عرفهم، يوجد “ما لا نهايتان”: الله والنص. لا يعتبرون الحرف صنما؛ لأن الحرف يمنحهم السلطة لتقرير المصايِر وفقا لمصالحهم.

تدرك أنه ليس من حقها أن تُعامل كمواطنة كاملة الأهلية تابعة لدولة؛ فالكنيسة هي دولتها. يصل إلى مسمعها أن “الأسقف (ب)” قد تلقى مبلغًا وقدره من سيدة ثرية، نالت في مقابله الطلاق. يشتعل غضبها. تهدد أخيرا أنها ستترك لهم “الجمل بما حمل” وتعتنق دينا آخر، تتوقع أنهم سيعاملنها بفردانية مثلما خرج الراعي ليبحث عن خروفه المفقود وفضله على التسعة وتسعين بارًا، ثم تضحك على سذاجتها عقب سماعها: الباب يفوت جمل، إلى الجحيم بعارك إذن.

ذات يوم، تلتقي شابا من غير دينها بمصادفة عابرة، تفضي له بشكواها لأنها ملّت من الحديث أمام الأحجار اﻵدمية الصماء. يفتح آذانه لها ويغدقها بمشاعر اشتاقت لها منذ سنوات هذا عددها. هو يعلم ما تحتاج إليه، ويعلم كم يشتاق القلب المعوز إلى الحب. وﻻ يحتاج اﻷمر تدريبًا على الإيقاع بهن بخطة مبتكرة، فهذه الخطوات التقليدية العادية نجحت مئات المرات.

تحدث نفسها: ‘ربما هذا هو سبيل الخلاص، لما لا؟‘ توقع على الأوراق متلهفة، تغيّر عقيدتها وتمحي هويتها بالكامل، وكأنها تريد محو ذكرياتها الأليمة معها. تذهب معهم تاركة وراءها كل شيء. لا تعلم ماذا تفعل، ولمن تذهب. هل يستغل هؤلاء احتياجها فقط ليربحوا نفساً جديدة ويتباروا بانتصارهم؟ انتصارهم أم انتصارها؟ وماذا إن فشلت المحاولة وعادت؟ ستصبح مهانة إلى الأبد…

يكتشف الزوج هروبها، يعلم أنها فعلت ما ليس في الحسبان. يصرخ بانفعال: ‘ماذا فعلت؟ أتريد تدمير حياتي وتقودني إلى الفشل؟ تلك الملعونة التي طالما ذهبت إلى قادة الكنيسة لتشويه صورتي، ها هي الآن تقلب حياتي رأسا على عقب! لكنني سأستردها مجددًا.‘ يجلس، يهدئ من روعه. يفكر في سيناريو للخلاص!

يفتح صفحته على فيسبوك المملوءة بتلك الصور التي ينشرها من حين لآخر ليراه الناس كما يحب أن يبدو. يدشن حملة مصحوبة بنصوص من الإنجيل للبحث عن حبيبة عمره التي اختطفتها منه الذئاب. يتحدث إلى وسائل الإعلام عن ارتباط أسرته الشديد بالكنيسة، عن قصة حبه التي كللها كمسيح يصف إكليسيا. يصحب منشوراته بعبارات بالإنجليزية ليرسل الرسائل إلى الخارج. وليعلم العالم كله كم هو مضطهد وتشتعل الميديا فيهبوا إلى نجدته. يكتب: “القضية قضية رأي عام. قضية كل أسرة تريد حماية بناتها وكأن أصداء هذا النص الي تملأ الأجواء:

إني أقترف الإثم، وأبدأ بالشكوى،
وأتهم الآخرين بأشنع ما دبرت من شرور..
فهأنذا أبكي لمصير “كلارنس”،
الذي رميته رمياً في ظلمات السجن،
أمام هؤلاء السذج المخدوعين..
أتحسر، وأسوق لهم نصاً من الإنجيل..
وهكذا، أستر شري المفضوح..
بخرق أسرقها من الكتاب المقدس..
فأبدو كالقديس وأنا أمضي في تمثيل دور .

(وليام شكسبير، مسرحية ريتشارد الثالت)

يدهش الناس من محبته. يمدحنه: “عظيم إيمانك أيها الرجل البار” يصطفون حوله كغنم مرددين: “كرياليسون يارب إرحم.” يكتب آخرون: “ماذا لو كانت ضحية للعنف الزوجي؟ فالتجارب السابقة تقول إن الغالبية منهن يهربن من البطش أو سعيا وراء عِلاقة عاطفية. نحن لم نسمع لها بعد.” تصرخ الشريحة الأعظم: “هششش. لكل قاعدة استثناء. هذا قديس، خادم أمين للمسيح. اخرسوا واستمعوا إلى صراخه.”

انظر، كيف يسير بين اثنين من رجال الدين..
انظر! إن في يده كتاب صلاة!
إنها أمور تزين حقيقة الرجل التقي!

(وليام شكسبير، مسرحية ريتشارد الثالث)

ووسط الضغط المجتمعي والانتفاضة الشعبوية، تعود وهي تعلم أنها سائرةً في طريقٍ لا رجعة منه. يتوقع البعض أن يسمعوا حديثًا صحفيًا لها، للاطمئنان عليها ومعرفة الحقيقة. ولكن، يتحدث هو باسمها كما هو المعتاد والغبطة تملؤه لعودتها. يجر عجلة الحديث جرًا فالأمر بالنسبة له قد انتهى. يغير ما قاله في السابق: القضية قضية خاصة وحساسة يا جماعة. دوركم انتهى. ليس من حق أحد أن يسأل عن أي تفاصيل. من فضلكم لا تسألونا عن شيء حفاظًا على مشاعر زوجتي الحبيبة.

إن لك في نفسي من الحب ما يحملني على أن أبعث بروحك قريبا إلى السماء.

(وليام شكسبير، مسرحية ريتشارد الثالث)

أما هي، فلم يسمع أحد رؤيتها. كنعجةٍ تُساق صامتةً إلى هنا وهناك. يتحدث زوجها ووليها باسمها ويشرح ما تمر به لأنه، بالطبع، واحدًا مع زوجته ويعلم نواياها ودواخلها. وهي في الواقع، صلصاله الذي يشكِّله على نحوٍ تعسفي، مادته الخام موضع تشذيبه. تتوارى خلف الستار، مكانها المعتاد، بأنينها دون أن نعلم من الذئاب الخاطفة التي ثُرنا من أجلها وانتفضنا!

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

يأتون بثياب الحملان، وهم ذئاب خاطفة 1
‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎