رمزي رجل مكافح في نهاية عقده الرابع،
غني كفاية، وده يخليه ما يفكرش في الفلوس،
لكن في نفس الوقت مش غني كفاية بالشكل اللي يخليه يشبع.
كان صاحب مطعم كبير اسمه السفينة.
مطعم فخم، إضاءته دافية، الأكل فيه متقن،
والناس بتحبه، وبتحبه قوي.
الغريب إن رمزي نفسه ماكانش بياكل،
من وقت ما مديرة المطعم قررت تمنع عنه الأكل، وهو ساكت.
قالت له في الأول بابتسامة باردة:على فكرة ده لمصلحتك، الشهية لما تقل، الذوق يعلى.
صدقها.. أو يمكن ما صدقهاش، لكن ما حبّش يعترض.
بعدها بقى الجوع سياسة.
مفيش طبق.
مفيش لقمة.
ومفيش سؤال.
ولو في مرة تجرأ و سأل..
كانت تبص له من فوق لتحت وتقول:إنت عندك كل حاجة، بتشتكي من إيه؟
ومع الوقت، الجوع بقى وجع، والوجع بقى غضب، والغضب بقى خوف.
وفي ليلة..
قرر يهرب.
هرب من مطعمه، من السفينة..
اللي على الرغم إنه باسمه لكن مبقاش بتاعه.
خرج من باب خلفي، كان دايمًا فاكره مخرج نجاة،
لكنه اتفاجئ إنه بيطلّع على خرابة.
مكان واسع بس فاضي، مليان زبالة، مليان حاجات ناس بتاعة ناس ثانية رمياها،
وكمان كان مليان كلاب وقطط من بتوع الشارع، أو بمعنى أدق سكان الخرابة.
واقف وسط المكان، تحسه غريب عن نفسه وعن المكان،
لابس بدلة غالية، لكن بطنه فاضية وبتصرخ فيه.
في الأول حاول يمشي، يتجاهل الريحة،
يتجاهل العيون اللي بتبص له بريبة،
لكن الجوع كان أعلى من الكرامة.
ساب نفسه وجسمه ينزل بإرادته على الأرض، وكأنه بيتهاوى من أعلى قمة جبل إفرست،
ركع، ركع على الأرض، ركع على الزبالة، وابتدأ يقلب فيها، ويفتش في الزبالة.
مش علشان هو قليل، لكن علشان هو.. جعان.
مسك حتة أكل بايظة.. ما وصلتش للعفن، بس قربت تعفن..
في اللحظة دي قطط وكلاب الخرابة هاجت وماجت، علشان غريب بيتعدى على مملكتهم الخربانة.
واحد من الكلاب زمجر.. كأنه بيقول:ده ملكنا إحنا، وأنت غريب يا غريب.
“رمزي” حاول يشرح.. قال بصوت مبحوح:أنا مش حرامي، أنا مش جربوع، أنا.. أنا بس جعان.
القطط ما فهمتش، والكلاب ما اهتمتش..
الهجوم كان سريع، أسرع من رد فعله..
أسنان، مخالب، وطين..
دافع عن نفسه، اتجرح في إيده.. في رجله.. في وشه.. في حتت عمر ما كان حد يوصل لها.
وفي اللحظة اللي حس فيها إنه خلاص، إنه هيموت،
سمع صوت مألوف.. أصوات عمال المطعم.
جابوه.. جرّوه، ورجّعوه السفينة.
ربطوه من إيده ورجله في كرسي، قدام مديرة المطعم.
كانت لابسة أبيض، وهو بدلته البيضا اتحولت للرمادي من التراب..
هى كانت لابسة نضيف وهو كل لبسه مليان مخلفات وطين..
بصّت له ولاحظت الجروح، والوساخة، وريحته اللي بقت قذرة.
قالت وهي بتكتم اشمئزازها:إنت عملت كده في نفسك ليه؟
رد بصوت مكسور:علشان جعان.
ضحكت.
ضحكة قصيرة.. لكن قاسية.جعان؟ وكل ده ملكك؟
لا وإيه، تسيب مطعمك وتهرب، وتاكل من الزبالة اللي مرمية في الخرابة؟
صرخت بصوت أعلىأنت غبي! أنت عار !!
رفع راسه بالعافية وقال:العار إنك تجوّعيني وبعدين تحاسبيني على اللي عملته وأنا جعان.
قال واحد من العمال:بس أنت غلطان، كان ممكن تستنى.
“رمزي” ضحك، ضحكة وجع.هو الجوع بيستنى؟ معلش أنا عاذرك، ما انت متعرفش معنى الجوع.. أسف قصدي التجويع.
قالت المديرة:أنت خنت المكان، أنت خنت السفينة، وفوق كل ده خنتنا كلنا، أنت مذنب، أنت مدان.
رفع “رمزي” راسه بالعافية رغم إنه كان مربوط في الكرسي، بس صوته كان أوسع من المكان.
قال بهدوء متعب:قبل ما تحاكموني.. خلّوني أفكركم أنا مين.
سكت شوية.. كأنه بيلم نفسه من الأرض.
المطعم ده، ما اتبناش في يوم وليلة، اتطبخ على نار هادية.. نار الحرمان.
رفع عينه وبص للحيطان كأنه شايف عمره مرسوم مشهد مشهد عليها.
أنا كنت أول واحد يفتح السفينة وأخر واحد يقفلها، كنت أشم الأكل وما أدوقش. كنت أقول لنفسي: بعدين.. لما نثبت.
ضحك بسخرية خفيفة:و”بعدين” عمره ما جه.
كمّل:حرمت نفسي علشان المطعم يعيش، جُعت علشان السفينة ما تغرقش، كل مرة كنت أقول: مش مهم أنا، المهم المكان.
لفّ بعينه عليهم واحد واحد:ولما تعبت، سلّمت الدفة.
وبص للمديرة مباشرة:اديّتِك الثقة، اديّتِك الصلاحية، مش علشان تجوعيني.
صوته بقى أهدى.. وأقسى.
أنتِ عمرك ما شوفتيش “رمزي”.. كنتي دايما عاوزة تشوفي “رمزي” تاني مش موجود إلا في خيالك المريض اللي بتشوفي من خلاله.. إلا نفسك.
وقف لحظة ثم قال:فلسفة التجويع عندك كانت دايمًا صح، لأنك مش اللي جعانة، أنتِ كنتي دايمًا شبعانة بالتحكم وبالسيطرة، اللي بتدعي طول الوقت إنك غلبانة وشغالة في المطعم مع صاحب مطعم مغرور ونرجسي، ومحدش كاشف مين المريض الحقيقي.
التفت للعمال:أما أنتوا ..
تنهد.أنتوا شايفني مذنب، علشان هربت ومكنش يصح أهرب،
علشان جُعت ومن وجهة نظركم مكنش يصح أجوع،
علشان أكلت أكل الكلاب وأنتم شايفين المطعم مليان أكل،
محدش يعرف إن الأكل كان مقفول عليه..
ابتسامة مُرة عدّت على وشه:إنتوا دايمًا كنتوا بتاكلوا، حتى لو قليل.. بس عندكم كان فيه أكل.
صرخ..عمركم ما حسيتوا يعني إيه حد يتم تجويعه قهريًا.
خفض صوته:عمركوا ما عرفتم يعني إيه تشوف الأكل وتمنع نفسك، مش زهد، لكن خوف إن كرامتك تتكسر ثاني وثالث وعاشر قدام الإحساس بالرفض.
رفع راسه تاني:أنا ما هربتش علشان أخون المكان، هربت علشان أعيش.
سكت لحظة طويلة، ثم قال جملته الأخيرة:بس الجوع لما يطول، مش بيسيب أخلاق تحميك، وبيسلب منك رفاهية الاختيار،
بيسيب لك غريزة واحدة: غريزة الشبع والنجاة.
سكت.. والمكان سكت معاه،
قطع الصمت صوت قاسي، أقسى من ضربات الزمن:خدوه إرموه بره،
رجعوه للخرابة اللي خرج ليها برجليه،
السفينة مبقتش بتاعته،
ولا هو بقى واحد مننا،
رجعوه يعيش مع الكلاب اللي أنقذتوه من وسطيهم،
شكله، ولبسه، وريحته؛ لايقين على الخرابة.
العمال أخدوه ورموه بره، بس المرة ديه محدش من الكلاب اعتدى عليه، وهو فرد جسمه فوق الزبالة وبص لفوق على القمر في السما اللي كانت مغيمة.. وإبتدت تمطر.
