لأسباب فنية ودينية، اتفرجت على فيلم السادة الأفاضل بعد انتقاد بعض الأصدقاء لجدارية خلق آدم الموازية، واللي أصلها لوحة مايكل أنچلو على سقف كنيسة السيستين [1].
جدارية خلق آدم
جدارية “خلق آدم” هي أشهر جدارية في كنيسة “سيستين”، وواحدة من العلامات الفارقة اللي حفرت اسم مايكل أنچلو في تاريخ الفن الإنساني كله. الحكاية بدأت سنة ١٥١١، برسام متشعلق فوق سقف الكنيسة واللي هي حاليًا في قلب متاحف الفاتيكان.. هناك، خاض مايكل أنجلو معركة فنية استمرت ١٦ يوم من الشغل الشاق والمعقد؛ بدأ برسم جلال “الخالق” وهو محاط بالملائكة، ثم بعدها غزل بعبقريته تفاصيل “آدم”.
مايكل أنچلو استلهم فكرته من عمق النص الديني في سفر التكوين، واللي بيقول: خلق الله الإنسان على صورته
[2]، فترجم ده بصريًا في جسدين فيهم قوة وجبروت وتفاصيل عضلية متشابهة بشكل مذهل.
على الناحية الشمال، بنشوف “آدم” ممدد على الأرض، زي ما يكون لسه بيفوق من غفوة الوجود، وفي المقابل بيظهر “الخالق” في الناحية اليمين، جاي من ملكوت السما وبتحوطه هالة من الملائكة.
ملامح “الخالق” مرسومة بوقار اللحية الطويلة والشعر الشايب اللي بيعكس الحكمة والقدرة، أما “آدم” فبيظهر في صورة شاب مفتول العضلات، لكن في عينيه نظرة فيها دهشة فطرية بكر، كأنه لسه بيكتشف الدنيا.
تحت “آدم” بنشوف واحد من شخصيات “الإجنودي” [3]، بينما الخلفية بتيجي هادية وبسيطة، وبألوان فاتحة عشان مفيش حاجة تسرق عينك من الأبطال، وكأن المشهد كله متجرد عشان يوصلك الرسالة الرمزية مباشرة.
السر كله في “اللمسة”
التفصيلة اللي خلت اللوحة دي خالدة هي “تلامس الأصابع”.. صباع الخالق السبابة ممدود بكل سلطة وقوة، وكأنه هيدي الدفعة الأولى للحياة، وفي المقابل إيد “آدم” مستسلمة، ضعيفة، ومرتخية، كأنها في انتظار “شرارة الروح” اللي هتجري في عروقه.
الرمزية هنا، هي اللي خلت كل الجدارية أشبه بأسطورة فنية مقدسة.. مايكل أنچلو قرر يختصر لحظة “نفخة الحياة” في المسافة اللي بين الصباعين اللي خلاص قربوا يلمسوا بعض.. الحركة دي هي اللي بتجسد لحظة ميلاد البشرية، اللحظة اللي بينتقل فيها الوعي والروح من الخالق للمخلوق في مشهد يخليك تحس إن الشرارة هتطلع من اللوحة فعلًا [4].
جدارية خلق جلال
أول ما “كادر” فيلم “السادة الأفاضل” بيفتح، عينك بتصطدم بجموح المخرج كريم الشناوي [5] وهو بيستعين بلوحة “خلق آدم” العالمية، بس في سياق ساخر بيخليك تهرش في دماغك.
على الناحية الشمال، بنشوف “جلال” بدل “آدم”، وفي المقابل بيظهر أبناء وأحفاد “جلال” بدل “الخالق” في الناحية اليمين، جايبن من ملكوت الأرض، والملاك واقف بره دائرة الملكوت.
الأماكن متبدلة، يعني لو افترضنا في جدارية السيستين أن آدم صنيعة الله، ففي جدارية السادة الأفاضل ممكن نقول الأبناء هما اللي صنعوا “جلال” أبوهم!
كمان في لوحة مايكل أنچلو، “آدم” بيظهر شاب مفتول العضلات وفي عينيه النظرة الفطرية البكر.. أما في جدارية “جلال” بيظهر بيومي فؤاد مفتول الكرش والنظرة لابسة نضارة!
تحت “آدم” كنا بنشوف “الإجنودي” العاري، بينما تحت ذراع “جلال” بنشوف زوجته؛ “سميرة” ولابسة الجلابية الفلاحي.
هناك، كانت الخلفية بألوان فاتحة متسرقش عينك من الأبطال، أما هنا، فالخلفية ليلية غامقة ملبدة بالغيوم والجو ملبش ويسحب عينك عن الشخصيات ويهمشها لصالح قمر ضخم مالوش توظيف واضح، والملاك اللي خارج سياق الملكوت.
السر لسة في “اللمسة”؟
صباع “الخالق” هناك تحول لأصابع الأبناء هنا.. شكل “إصبع الله” إكتسب دلالة مختلفة خالص؛ دي مش Touch of Creation [لمسة الخلق] في لوحة مايكل أنچلو، وإنما أصابع متعددة من الأبناء، وحادة ومستقيمة توحي بتوجيه الإتهامات لأبوهم “جلال”!!
الكادر الافتتاحي ده مش مجرد “هزار بالصور العالمية”، ده كان الإعلان الرسمي عن دستور الفيلم: عالم العبث فيه هو اللي سايق، والضحك بيضرب موس في وش الهيبة والوقار الزائف، في مجتمع لابس أقنعة أخلاقية وهو في الحقيقة تايه من غير بوصلة.
أبطالنا فاسدون؟
الفيلم بيدينا “بالقلم” من أول مشهد؛ أب ريفي على فراش الموت، العيلة كلها محاوطاه بدموع وخشوع مستنيين “الوصية”، وفجأة يقطع اللحظة المهيبة دي عيل صغير، لابس لبس تنكري لنحلة سمينة، مش عشان يبوس ايد جده ولا يودعه، ده داخل يسأله بدم بارد: “فين العيدية يا حاج قبل ما تموت؟”.
البداية السخنة دي بتمهد لفيلم “كوميديا سوداء” بامتياز، أبطاله تقريبًا نسخ مُلونة من الطفل النحلة ده؛ محركهم الأساسي هو الطمع، الفهلوة، الاستحقاق من غير مجهود، واللا مبالاة بوجع اللي حواليهم. الغريب والمرعب في نفس الوقت، إن هي دي نفس قائمة العيوب اللي بنهري فيها ليل نهار في بوستاتنا وشكاوينا من بعض في الواقع.
الكوميديا هنا مش “كلام وخلاص”، فيلم “السادة الأفاضل” مش مبني على “الإيفيهات” اللفظية بطريقة ارمي واجري، ولا على شخصيات كاريكاتيرية جاية من المريخ. الضحك هنا طالع من الواقع المزعج والقيم الاجتماعية الريفية، واللي بقينا نوصفها بمصطلحات زي “فلاحوسرسج”. الفيلم بيوريك الشخص الطفيلي اللي معندوش أي كفاءة ولا مهنية، بس عينه دايمًا على “السبوبة” أو تذكرة الثراء السريعة على قفا غيره، حتى لو المصلحة تافهة زي سيجارة ببلاش أو ولاعة يدوس عليها من صاحبه.
الفيلم ده يعتبر موسم الحصاد لفريق كتابة تقيل. مصطفى صقر ومحمد عز الدين (اللي بدأوا نجاحات الكبير أوي، وصراع الريف المزاريطي مع سي چوني الغربي)، انضم لهم عبد الرحمن جاويش (صاحب لمسات الصفارة، والنص). التحدي المرة دي كان أصعب: أنت بتتكلم في 6 شخصيات “حكاية في نسجهم نفسيًا”، شخصيات من لحم ودم مش بتمثل، وبيخبطوا في بعض في يوم واحد، في منحنى عبثي ملوش علاقة بالوعظ، بس بيحدف في وشك سؤال يخوف: لو بقينا كلنا شبه الأبطال دول.. إيه اللي ممكن يحصل فينا؟
والجديد هنا هو توظيف “عبث الأقدار” بذكاء يندر نشوفه في سينما الكوميديا المصرية. الشخصيات كلها فاكرة إنها مُسيطرة، بس “تَفاهة” الموقف هي اللي بتمشيهم. يعني ممكن حياة بني آدم تخلص بسبب “دبانة” معدية بالصدفة! أو “عتريس الدهاشنة” يخسر معركته قدام أغبى واحد فيها. القدر هنا مش “حكيم”، ده “مفرمة عشوائية” بتفكرنا بروح أفلام “الأخوين كوين” العالمية.
كريم الشناوي راهن على “المواقف” والورطات، وعمل فرملة للممثلين عن الزعيق والأداء الهستيري الأوڤر اللي بنشوفه في الأفلام المفلسة. أسماء زي أشرف عبد الباقي، انتصار، بيومي فؤاد، ظهروا هنا بصورة أهدى وأذكى بكتير من أعمالهم المشهورين بيها.
طه دسوقي وعلي صبحي كانوا في قمة ذكائهم وهما بيبعدوا عن فخ الأداء الكرتوني الفج. أما ميشيل ميلاد، “الچوكر” الصاعد، فكان نقطة تحول، وأثبت إنه فنان بيعرف يرسم للشخصية حضور جسدي يضحّك من غير مجهود. حتى دور “فتاة الليل” اتقدم بخفة دم لافتة من ممثلة شابة واعدة. وأداءها في مشهد “فستان كرومبي بسوتسة” غرق الأداء الصوتي على مواقع التواصل الاجتماعي.
لكن، ورغم كل اللمعان ده، الفيلم وقع في فخ “نهاية غير مُشبعة”. المشاهد حاسس إن فيه حاجة ناقصة، مش شرط عشان النهاية مفتوحة، بس عشان حالة “الرضا” عن القصة مكملتش للأخر. في المجمل، “السادة الأفاضل” فيلم طموح، بيضحكك بهدوء وهو بيدعوك للتفكير في حالك، بعيد تمامًا عن الملل. والمحزن في الموضوع، إنه “عادي كالحياة”، و”تكة” صغيرة بس كانت بتفصله عن إنه يكون فيلم عظيم للتاريخ.
الفيلم أسري عائلي وخالي من الأباحة حتى اللفظي منها، وتقدر تشوفه مع مراتك وأطفالك وأبوك وأمك.. لكن لو مضحكوش واتريقوا يبقى خاف منهم فورًا لأنهم هايكونوا شبه النائب العام اللي بيحبس ناس على الإضرار بقيم الأسرة المصرية، وشبه أبطال الفيلم في الغباوة والفِلح والقيم الريفية المصرية الزائفة.
التبويبأبطالنا فاسدون؟هو إعادة تبسيط للأفكار الأساسية التي إرتآها الناقد الفني حاتم منصور [6].

