خلق آدم لمايكل أنچلو، سقف كنيسة سيستينلأسباب فنية ودينية، اتفرجت على فيلم السادة الأفاضل بعد انتقاد بعض الأصدقاء لجدارية خلق الموازية، واللي أصلها لوحة على سقف .

أول ما “كادر” فيلم “السادة الأفاضل” بيفتح، عينك بتصطدم بجموح مخرج زي كريم الشناوي وهو بيستعين بلوحة “خلق آدم” العالمية، بس في سياق ساخر بيخليك تهرش في دماغك.

الكادر الافتتاحي ده مش مجرد “هزار بالصور العالمية”، ده كان الإعلان الرسمي عن دستور الفيلم: عالم العبث فيه هو اللي سايق، والضحك بيضرب موس في وش الهيبة والوقار الزائف، في مجتمع لابس أقنعة أخلاقية وهو في الحقيقة تايه من غير بوصلة.

الفيلم بيدينا “بالقلم” من أول مشهد؛ أب ريفي على فراش الموت، العيلة كلها محاوطاه بدموع وخشوع مستنيين “الوصية”، وفجأة يقطع اللحظة المهيبة دي عيل صغير، لابس لبس تنكري لنحلة سمينة، مش عشان يبوس ايد جده ولا يودعه، ده داخل يسأله بدم بارد: “فين العيدية يا حاج قبل ما تموت؟”.

البداية السخنة دي بتمهد لفيلم “كوميديا سوداء” بامتياز، أبطاله تقريبًا نسخ مُلونة من الطفل النحلة ده؛ محركهم الأساسي هو الطمع، الفهلوة، الاستحقاق من غير مجهود، واللا مبالاة بوجع اللي حواليهم. الغريب والمرعب في نفس الوقت، إن هي دي نفس قائمة العيوب اللي بنهري فيها ليل نهار في بوستاتنا وشكاوينا من بعض في الواقع.

الكوميديا هنا مش “كلام وخلاص”، فيلم “السادة الأفاضل” مش مبني على “الإيفيهات” اللفظية بطريقة ارمي واجري، ولا على شخصيات كاريكاتيرية جاية من المريخ. الضحك هنا طالع من الواقع المزعج والقيم الاجتماعية الريفية، واللي بقينا نوصفها بمصطلحات زي “فلاحوسرسج”. الفيلم بيوريك الشخص الطفيلي اللي معندوش أي كفاءة ولا مهنية، بس عينه دايمًا على “السبوبة” أو تذكرة الثراء السريعة على قفا غيره، حتى لو المصلحة تافهة زي سيجارة ببلاش أو ولاعة يدوس عليها من صاحبه.

الفيلم ده يعتبر موسم الحصاد لفريق كتابة تقيل. مصطفى صقر ومحمد عز الدين (اللي بدأوا نجاحات الكبير أوي، وصراع الريف المزاريطي مع سي چوني الغربي)، انضم لهم عبد الرحمن جاويش (صاحب لمسات الصفارة، والنص). التحدي المرة دي كان أصعب: أنت بتتكلم في 6 شخصيات “حكاية في نسجهم نفسيًا”، شخصيات من لحم ودم مش بتمثل، وبيخبطوا في بعض في يوم واحد، في منحنى عبثي ملوش علاقة بالوعظ، بس بيحدف في وشك سؤال يخوف: لو بقينا كلنا شبه الأبطال دول.. إيه اللي ممكن يحصل فينا؟

والجديد هنا هو توظيف “عبث الأقدار” بذكاء يندر نشوفه في سينما الكوميديا المصرية. الشخصيات كلها فاكرة إنها مُسيطرة، بس “تَفاهة” الموقف هي اللي بتمشيهم. يعني ممكن حياة بني آدم تخلص بسبب “دبانة” معدية بالصدفة! أو “عتريس الدهاشنة” يخسر معركته قدام أغبى واحد فيها. القدر هنا مش “حكيم”، ده “مفرمة عشوائية” بتفكرنا بروح أفلام “الأخوين كوين” العالمية.

كريم الشناوي راهن على “المواقف” والورطات، وعمل فرملة للممثلين عن الزعيق والأداء الهستيري الأوڤر اللي بنشوفه في الأفلام المفلسة. أسماء زي ، انتصار، بيومي فؤاد، ظهروا هنا بصورة أهدى وأذكى بكتير من أعمالهم المشهورين بيها.

طه دسوقي وعلي صبحي كانوا في قمة ذكائهم وهما بيبعدوا عن فخ الأداء الكرتوني الفج. أما ميشيل ميلاد، “الچوكر” الصاعد، فكان نقطة تحول، وأثبت إنه فنان بيعرف يرسم للشخصية حضور جسدي يضحّك من غير مجهود. حتى دور “فتاة الليل” اتقدم بخفة دم لافتة من ممثلة شابة واعدة. وأداءها في مشهد “فستان كرومبي بسوتسة” غرق الأداء الصوتي على مواقع التواصل الاجتماعي.

لكن، ورغم كل اللمعان ده، الفيلم وقع في فخ “نهاية غير مُشبعة”. المشاهد حاسس إن فيه حاجة ناقصة، مش شرط عشان النهاية مفتوحة، بس عشان حالة “الرضا” عن القصة مكملتش للأخر. في المجمل، “السادة الأفاضل” فيلم طموح، بيضحكك بهدوء وهو بيدعوك للتفكير في حالك، بعيد تمامًا عن الملل. والمحزن في الموضوع، إنه “عادي كالحياة”، و”تكة” صغيرة بس كانت بتفصله عن إنه يكون فيلم عظيم للتاريخ.

الفيلم أسري عائلي وخالي من الأباحة حتى اللفظي منها، وتقدر تشوفه مع مراتك وأطفالك وأبوك وأمك.. لكن لو مضحكوش واتريقوا يبقى خاف منهم فورًا لأنهم هايكونوا شبه النائب العام اللي بيحبس ناس على الإضرار بقيم الأسرة المصرية، وشبه أبطال الفيلم في الغباوة والفِلح والقيم الريفية المصرية الزائفة.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

باسم الجنوبي
[ + مقالات ]
‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎