أعادت تصريحات وزير العمل بشأن تنظيم إجازات الأعياد الدينية للمسيحيين طرح قضية جوهرية تتجاوز تفاصيل الإجازات ذاتها، لتصل إلى سؤال أخطر: هل يلتزم الخطاب الرسمي للدولة بالدستور والقانون، أم يُدار بمنطق الاجتهاد السياسي واللغة الملتبسة؟

إن أصل الحق في إجازات الأعياد الدينية للمسيحيين حق دستوري مستقر، لا يجوز المساس به أو الانتقاص منه، لكن الخلل الذي وقع لم يكن في جوهر الحق، بل في الصياغة، والمصطلح، ومنهج التفكير الإداري الذي يفترض أن يكون منضبطًا بنصوص الدستور لا خاضعًا للاعتبارات التقديرية.

لقد استخدم الوزير في بداية تصريحاته تعبير «غير المسلمين»، وهو توصيف مخالف صراحة للنهج الدستوري المصري. فالدستور، في مادته الثالثة، لم يعتمد هذا المصطلح، ولم يُعرّف المواطنين على أساس النفي أو الاستثناء، وإنما نص بوضوح على «المصريين من المسيحيين واليهود»، باعتبارهم مكونات أصيلة في المجتمع، لا فئات تُعرّف بما ليست عليه.

ثم جاء التعديل باستخدام تعبير «الإخوة المسيحيين»، وهو تعديل لا يُصلح الخلل، بل يُعيد إنتاجه بصورة أخرى؛ إذ أن الخطاب التنفيذي لا يُبنى على المجاملة أو الوجدان، وإنما على لغة قانونية دقيقة. فالدولة لا تخاطب مواطنيها بصفتهم “إخوة”، بل بصفتهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.

إن المسيحيين في مصر مواطنون مصريون مسيحيون، وهذه ليست مسألة لغوية شكلية، بل توصيف دستوري يترتب عليه آثار قانونية وسياسية. فالتوصيفات الوجدانية، مهما كانت إيجابية في ظاهرها، لا تصلح أن تكون أساسًا لسياسات عامة أو قرارات تنفيذية، لأنها تُبقي فكرة “التمييز الناعم” قائمة ولو دون قصد.

ويزداد الإشكال تعقيدًا عندما يقترن هذا الخلل اللغوي بخلل قانوني، كما ظهر في تقسيم إجازات الأعياد المسيحية على أساس طائفي (أرثوذكس – كاثوليك – )، وهو تقسيم يتعارض مع طبيعة الدولة المدنية، ويفرض على جهة الإدارة دورًا غير مشروع في تصنيف المواطنين دينيًا ومذهبيًا، بالمخالفة لمبدأ الخصوصية الدينية، ومبدأ المساواة أمام القانون.

والأدق أن يُذكر إجازة للمسيحيين بشكل عام دون تصنيف مذهبي ناهيك عن أن مصطلح البروتستانت غير دقيق و يفتقر إلى السند القانوني التاريخي؛ إذ إن الأمر العالي الصادر في 1 مارس 1902 لم يتضمن هذا اللفظ، وإنما اعتمد التسمية الرسمية وهي «الطائفة الإنجيلية الوطنية»، ما يكشف عن غياب الدقة في استدعاء المصطلحات التشريعية، ويدلل على أن الأزمة ليست في النوايا، بل في غياب الانضباط الدستوري.

وهنا نصل إلى جوهر المسؤولية السياسية. فوزير العمل، بوصفه عضوًا في السلطة التنفيذية، ملزم التزامًا دستوريًا بالحفاظ على الدستور والقانون، لا فقط بتطبيقهما من حيث النتائج، بل أيضًا من حيث اللغة والمنهج والخطاب. فالخطاب الرسمي جزء لا يتجزأ من الفعل الإداري، وأحد عناصر مشروعيته.

وحين يستخدم مسؤول تنفيذي مصطلحات غير دستورية في توصيف فئة من المواطنين، ثم يعاود تصويبها بتوصيفات لا تزال قاصرة قانونيًا، فإنه يكون قد أخلّ بواجب الحياد الدستوري، وأسهم في تكدير السلم الاجتماعي، وخلق توتر مجتمعي كان يمكن تجنبه بالكامل.

وفي هذه الحالة، لا يجوز التعامل مع الأمر باعتباره زلة لسان أو سوء تقدير، بل باعتباره مخالفة دستورية ذات أثر عام. ومن ثم، فإن المساءلة السياسية للوزير، وصولًا إلى عزله إن اقتضى الأمر، ليست عقوبة شخصية، بل إجراء دستوري لازم حين يثبت أن خطابه قد خالف أحكام الدستور، وأضر بمبدأ المواطنة، وهدد السلم الاجتماعي.

فالمسؤول التنفيذي لا يُقاس بحسن النوايا، ولا بتدارك متأخر، بل بسلامة الأثر، وانضباط الخطاب، واحترام الدستور منذ اللحظة الأولى. وحين يغيب ذلك، تصبح المساءلة والعزل واجبًا وطنيًا، لا خيارًا سياسيًا.

إن الدولة الحديثة لا تُدار بلغة الأغلبية، ولا بمنطق المنح، ولا بتوصيفات وجدانية أو مصطلحات موروثة من عصور سابقة، وإنما تُدار بلغة قانونية واضحة تُرسّخ مبدأ المواطنة الجامعة، وتحمي المجتمع من أي شعور بالإقصاء أو التمييز.

الدستور لم يترك الأمر للاجتهاد،
وعلى السلطة التنفيذية أن تلتزم به التزامًا كاملًا… لغةً وممارسةً ومسؤوليةً.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 4.1 حسب تقييمات 9 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

نادية هنري
شيخ إنجيلي ونائب سابق في البرلمان المصري   [ + مقالات ]
‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎