في وقت سابق كتبت مقال بعنوان  “كما في السينما كذلك على الأرض“، و هنا في الجزء الثاني أقدم “قراءة لاهوتيّة لفيلم رسائل البحر، إخراج داود عبد السيّد إنتاج ٢٠١٠.

عالم فقد لغته

لم يترك يحيى الطبّ لأنّه فشل علميًّا، بل لأنّه فشل اجتماعيًّا في عالم لا يرحم الضعف. تهتهته ليست عيبًا في النطق بقدر ما هي علامة على انكسار العلاقة بين الداخل والخارج. يعرف ما يريد أن يقول، لكنّ الكلمات تخونه، كما تخونه نظرات المرضى وزملائه، حين يضحكون بدل أن يصغوا. رجلٌ يتكلّم “لغة” لا يفهمها الآخرون!

هكذا، قَبِل أن يكون صيّادًا، كان يحيى رجلًا مُسقَطًا من اللغة. وحين تسقط اللغة، تسقط السلطة، وتسقط المهنة، ويسقط الحقّ في أن يُؤخَذ الإنسان بجدّية. ترك الطب، لا هروبًا من مسؤوليّة، بل انسحاب من فضاء يجرّده من كرامته. اختار الصمت بدل السخرية، والعزلة بدل الإذلال. وهنا تبدأ علاقة الفيلم بالبحر.

الصيد إذًا ليس تغيير مهنة، بل هروب من واقع اغتراب، هروب إلى عالم يفهمه أكثر.

البحر لا يتكلم، لكنه لا يسخر

البحر في رسائل البحر ليس خلفيّةً جماليّة، بل كيان أخلاقيّ صامت. لا يطالب يحيى بأن يشرح نفسه. لا يضحك عليه إن تعثّر. يعطيه رزقه حين يشاء، ويمنعه حين يشاء، من دون إهانة. البحر لا يعد بالعدالة، لكنّه لا يمارس القسوة الاجتماعيّة.

الإسكندريّة، بهذا المعنى، ليست مدينة، بل هامش كبير: مدينة لا تنتمي تمامًا إلى البرّ ولا إلى البحر، مثل يحيى تمامًا، المعلّق بين الطبّ والصيد، بين الكلام والصمت، بين الماضي وما لم يتشكّل بعد. في هذا الفضاء الرماديّ، تظهر «الرسائل الغامضة»: زجاجة، كتابة غير مفهومة، معنى لا يُترجَم فورًا. ليست الرسالة لغزًا بوليسيًّا، بل تعبيرٌ عن العجز عن قراءة ما يحدث. يحيى لا يفهم البحر حين يغضب، كما لا يفهم العالم حين يخذله. كلاهما يرسل إشارات لا تأتي بقاموسٍ واضح.

من هنا تدخل نورا

حين تظهر نورا، لا تأتي بوصفها حدثًا عاطفيًّا، بل بوصفها مرآةً أخرى للتهتهة. هي لا تتعثّر في الكلام، بل في المعنى. حياتها مرتّبة، لكن بلا اسم. علاقة بلا إعلان. جسد بلا اعتراف. حضور بلا مستقبل. نورا سبقت الآخرين إلى إدانة نفسها. تسمي ذاتها “عاهرة” لا لأنّها لا تعرف كلمة أخرى، بل لأنّ هذا الوصف يمنحها إحساسًا زائفًا بالسيطرة. إذا عرّفت نفسها من الأسفل، فلن يستطيع أحد أن يدفعها أكثر. وربّما أيضًا في استخدم هذا الوسم لذاتها عاهرةً إنما توقع نظرة المجتمع في ورطة، نعم أنا عاهرةٌ لأني زوجة ثانية، جسدٌ فحسب، غريزة ذكر تمارس شرعًا ما تريد في الظلام ثم تمضي بضميرٍ مرتاح!

وهنا يلتقي الاثنان نورا ويحيى. رجل لا يستطيع أن يقول ما يشعر به، وامرأة تقول عن نفسها ما لا تحتمله هي ولا تحتمله امرأة. يحيى لا ينقذ… بل يعترف بالوجود.

يحيى لا يتعامل مع نورا على أنّها حالةٌ أخلاقيّة، بل حضور. لا يطلب يحيى تفسيرًا، ولا يضع برنامج خلاص. صمته ليس فراغًا، بل مساحة. وللمرّة الأولى، تجد نورا من لا يختصرها في وظيفة، ولا يساومها على تعريفها لذاتها. بل ويقبلها على أنّها عاهرة. حتّى سوء الفهم الأوّل، حين يظنّها امرأة مدفوعة الأجر، لا يتحوّل إلى إدانة، بل إلى انسحاب مرتبك. كأنّ الفيلم يقول: الخطأ وارد، لكنّ الإهانة ليست حتميّة. وبالتدريج تفتح له هذه التي يظنها عاهرةً عالمًا آخر، ويظهر الفيلم أنه في الحوار مع العاهرة المفترضة يدور حوار صادق بلا نفاق.

حين يطالب الجسد بما لم يُحل

الحمل لا يأتي بوصفه عقابًا ولا خلاصًا. يأتي بوصفه سؤالًا وجوديًّا. الجسد الذي عاشت نورا تتعامل معه على أنّه وسيلة، يعود فجأةً ليطلب معنى، امتدادًا، اعترافًا. يحيى يقبل. ليس لأنّه “منقذ”، بل لأنّه اعتاد أن يعيش خارج النماذج الجاهزة. أمّا نورا، فلا تستطيع. ليس لضعف، بل لأنّ صورتها عن نفسها لم تتغيّر بعد. كيف تمنح الحياة، وهي لم تُمنَح حقّها فيها؟

رسائل البحر فيلمٌ لا يدين شخصيّاته، بل يكشف البُنى التي تُنتج هشاشتهم:

السخرية الاجتماعيّة، السلطة غير المتكافئة، الجسد حين يُختزل، واللغة حين تتحوّل إلى أداة إقصاء. لا يقدّم الفيلم خلاصًا، بل صدق. ولا يعطي إجابات، بل يترك الرسائل في الزجاجة. ويترك المشاهد أمام عشرات الأسئلة، وجلها متمحور حول النظر إلى الخطيئة الفرديّة من منظور الخطيئة البنيويّة أو المؤسّساتيّة.

والبحر، مثله مثل الحياة، قد يردّ، وقد يظلّ صامتًا. قد يمنح الحياة، وقد يأخذها، لكنّه، على الأقلّ، لا يسخر، أو بالمعنى الأدقّ لروح الفيلم، لا يكمّم الأفواه، بل يبعث برسائل، من يعرفون الصمت والتأمل والتفكير، ربما يفكّون شفرتها. أما أهل الضجيج والقبح، فيعيشيون في عالم يتهته وأصم!

في نهاية الأمر… فيلم “رسائل البحر” لا يقدّم لاهوتًا جاهزًا، بل يجرّد اللاهوت من لغته السلطويّة، ويضعه أمام بشرٍ مجروحين، ويطالبه أن يصمت قليلًا… ويصغي. فهو فيلم لا يقول: “هكذا يجب أن نعيش”، بل يسأل “هل ما نسمّيه أخلاقًا لمما يزال يحمي كرامة الإنسان؟

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 4 حسب تقييمات 4 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

چون جبرائيل الدومنيكي
راهب في معهد الدراسات الشرقية للآباء الدومنيكان   [ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب نقدي: ، هل من روحانية سياسية؟
تعريب كتاب جوستافو جوتييرث: ، التاريخ والسياسة والخلاص
تعريب كتاب ألبرت نوﻻن الدومنيكاني: يسوع قبل المسيحية
تعريب أدبي لمجموعة أشعار إرنستو كاردينال: مزامير سياسية
تعريب كتاب ال: ومواهب الروح القدس