في عام ٢٠٢٠، تابع العالم قضية سالي زخاري، فتاة مصرية مقيمة بالولايات المتحدة الأمريكية تعرضت للتحرش في سن الحادية عشرة على يد القمص رويس عزيز الذي كان يخدم بالمنيا وانتقل للخدمة في أمريكا.
تعرضت للتحرش من قبل القمص رويس عزيز، وكنت في سن الـ١١، في عام ١٩٩٧، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أمارس فيها سر الاعتراف، وكنا في غرفتي في بيتنا، وقتها انقض عليَ القمص وأمسك بجسدي، ثم حذرني من إبلاغ الأهل بتفاصيل جلسة الاعتراف لأنه طقس سري، بالطبع كان يستغل صغر سني وعدم معرفتي بشيء.(الناجية: سالي زخاري)
ظلت سالي تخاطب البابا شنودة الثالث لسنوات عديدة، ولم يستجب لها. فالبطريرك الذي ألغى سلطة المجلس الملي حتى لا يجد الإكليروس من يحاسبهم من المدنيين، لم يكن يهتم بشيء سوى الرد على الهرطقات، وتجريد المهرطقين، ومنع أداء صلاة التجنيز عليهم. أما المتحرشون، فبإمكانهم أن يتوبوا. نعم، فالكنيسة يجب ألاّ تحرم المتحرشين من فرص التوبة، كما صرح المتحدث الرسمي باسم الكنيسة، وهو يوضح آلية التعامل الكنسي مع المتحرشين بصراحة وبلا أي محاولات لتجميل الصورة. (مقطع فيديو)
في فبراير عام ٢٠١٤، تم منع رويس من ممارسة الأعمال الكهنوتية بقرار بابوي كتابي بعد التنبيه عليه شفهيًا عام ٢٠١٣، لكنه ظل يعمل كاهنًا رغم قرار التجريد.
وفي عام ٢٠٢٠، بدأت سالي في تدشين حملة إلكترونية لمخاطبة باقي الفتيات اللاتي تعرضن للتحرش على يد رويس وحثهن على الظهور.
ونشرت سالي تقريراً يعود تاريخه لعام ٢٠١٩ يوضح أن رويس قد انتهك عددًا من الفتيات وتسبب لهن في تشوهات نفسية عديدة في ظل علم أساقفة وكهنة بذلك.
كيف لليد التي لمست جسدي وأنا صغيرة، أن تحمل جسد المسيح؟(الناجية: سالي زخاري)
وانتهى الأمر بمرسوم بابوي صدر في يوليو ٢٠٢٠ في اليوم التالي لقرار تجريده بواسطة اﻷنبا مكاريوس، أسقف المنيا، مرة أخرى في عام ٢٠٢٠ وتحويله بشكل نهائي لاسمه العلماني “يوسف عزيز”، ومخاطبة السلطات الدولية لاتخاذ ما يلزم من إجراءات بشأن التغير المترتب على زوال الشخصية الاعتبارية للكهنوت.
ورغم مطالبة الفتيات بمواجهة الجاني، لم تمكنهم الكنيسة من ذلك المطلب لأن المجرم رفض حضور المحاكمة.
في يوم ٢٣ مارس ٢٠٢٢، نشرت صفحة المركز الثقافي القبطي خبر نياحة كاهن فاضل ونعي رسمي لنفاجئ أن هذا الكاهن هو أبونا رويس المتحرش (نفعنا الله بصلواته). وبالطبع، انهالت تعليقات الغضب والسخرية على ذلك المنشور العبثي، لتزيله الصفحة في غضون ساعات قليلة.
ليس هذا وحسب، فالكاهن الفاضل سيحظي بجنازة لائقة بحضور الأنبا فيلوباتير، أسقف أبو قرقاص. أما النعي المنشور على إعلان الجناز، فبدأ ب”طوبي للرجل الذي يحتمل التجربة.” كما انتشرت بعض التعليقات المريضة التي تطالب بعدم إدانة القمص لأن حروب الشيطان تكون كثيرة لمن يعمل في هذا المجال المقدس!!
أقامت الكنيسة القبطية التقليدية المحافظة لأبينا المتحرش جنسيًا التقليدي المحافظ، صلوات تجنيز باسمه الكهنوتي السابق، ورتبته السابقة، لا في مسقط رأسه بمصر فقط، بل في كافة أرجاء المسكونة بما فيها مسقط رأس بعض ضحاياه في ولاية فلوريدا الأمريكية أيضًا، وكأنها تعمدت ضرب قرار تجريده من قبل أسقفه المباشر وقتئذ، نيافة اﻷنبا مكاريوس، والمرسوم البابوي من بطريرك الإسكندرية، عُرْضَ الحائط، وذلك بتكريمه عبر القارات!
ما كل هذا التضارب اﻷخلاقي؟ هل تدعم الكنيسة المغتصبين ومستبيحي اﻷعراض وتكرمهم طالما كانوا من المنضمين لحزب العباءات السوداء؟ أهو اتفاق بينهم أن يمتص النبلاء اﻷجلاء غضب الشعب المغرر به بفرارات وهمية، وهم -جميعا- متواطئين على عدم تطبيقها؟ هل هذا عصيان كهنوتي وكسر لعصا الطاعة مثلا؟
كيف نقرأ -نحن- هذا التضارب وهذه الازدواجية؟
كتب القس رفائيل حنا، كاهن كنيسة العذراء والأنبا إبرام بميسوري عن رويس:
“إن أبينا المحبوب القمص رويس عزيز قد انتقل للفردوس فرحا اليوم.”
مشهد عبثي صادم يشير إلى استباحة أجساد الناس وكراماتهم لحساب أصحاب العباءات السوداء. فليس هناك اكتراث لمشاعر أهالي الضحايا، ولا لصورة الكنيسة أمام منظمات المجتمع الدولي، ولا حتى للقانون الذي يجرم التساهل مع انتهاك الأطفال أو الترويج له. ولا بأس أن نشعر ضحية مجروحة بالرخص. ماذا تفعلون؟ ولمصلحة من هذا الجنون؟ إن تكريم المجرمين بهذا الشكل ما هو إلا دعوة عامة للجميع على الاستباحة، وإساءة الأدب! (بالطبع، أعني جميع من لهم نفوذ وسلطة). فمن أمن العقوبة، ورأى بعينه تكريم المجرمين، لن يسئ الأدب فحسب، بل سيتمادى في الشر والانحطاط!
ألم يكن يكفي الصلاة عليه باسمه العلماني من أجل أن يرحمه الله باعتباره إنسان مات بعد ارتكاب فظائع غير إنسانية مثبتة وتنصل منها بكل برود واستهانة؟! لماذا أردتم التركيز على كهنوته؟ أهذا هو قدوتكم؟ وأين إيمان الكنيسة بإله “يجازي كل واحد كنحو أعماله”؟
معروف عن الكنيسة الأرثوذكسية صرامتها في منع صلوات التجنيز عن المنتحرين والملحدين، رغم أن الصلاة على مثل هؤلاء لن تؤذي أحد. وهناك من منعت الكنيسة صلاة التجنيز عليهم بلا أي سبب، فقط لأنهم لم ينالوا رضاء البابا البطريرك ال١١٧، مثل القس “إبراهيم عبد السيد”. ورغم كل ذلك، ستكرم الكنيسة “بيدوفيل” ثبت بالمستندات وشهادة الشهود أنه مجرم لأن له من النفوذ ما يكفي. ولأن العباءة السوداء، سوداء بما فيه الكفاية لتخفي قذارة الكثيرين. ومهما حاول البعض إصلاح الفساد، ستضيع كل محاولاتهم سدى، وسيلقب “يوسف” -المجرم- مجددًا بالقمص الفاضل، وربما نسمع عنه معجزات كونه شفيع المتحرشين ومستبيحي الأطفال.
وماذا عن تكريم مجرم تسبب في تدمير حياة الكثيرات؟ ماذا عن شعورهن أثناء تكريم قاتلهم؟ وكيف سيشعرن بالأمان في مجتمع يعامل المتحرش كقديس تائب؟ ولماذا لا نفرق بين الخطايا والسهو، وبين الجرائم في حق الآخرين؟ فالوقوع في الزنا دون إكراه الطرف الآخر مختلف تماماً عن الاغتصاب. فالأولى، خطية يمكن علاجها، أما الثانية جريمة يعاقب القانون فاعلها ومن يتستر عليه. ولا تمنع توبة المجرم القانون من أن يأخذ مجراه؛ لأن التوبة هي فعل شخصي تجاه الله، ولا يعطي المجتمع حقه في القصاص من المجرم. ولنا في فضائح التحرش الشهيرة بالكنيسة الكاثوليكية في الغرب عظة وعبرة.
يقول “سي. إس. لويس” إن توبة القاتل لا تعد توبة حقيقية إذا لم يسلم نفسه للشرطة؛ فكيف يزعم أنه تاب عن فعله وهو لا يريد أن يفي بدينه نحو المجتمع.
إن حبي لصديقي المخطئ يدفعني لأسلمه للشرطة لينال جزاءه العادل ويفي ما عليه من دين.(سي. إس. لويس)
وفي ظل ما نراه من فساد وتستر على المجرمين، يصبح: الاعتراف لغير الله مذلة.
اقرأ أيضا:
