ﻻ أحب عيد الأم!
نعم، هذه حقيقة.. لأنه يوم تعيس يذكرني بفراق أمي…
وبمقدار حبك لوالدتك تكون قسوة اليوم. كل شيء فيه يقلّب عليّ المواجع.
مش عارفين نقولكم إيه يا خواننا،
تخيل إنك تشوف حد سعيد بوالدته، وسعادته دي بتجلدك بكرباج ذكريات.
ولأنه مش قاصد يحزنك، تكتم وجعك، وتقوله: “ربنا يخليهالك”
تشاركه سعادته، وانت من جوه خربان، وعايز تهرب من حتة منك.
لا يمكنك قياس حبك لشخص إلا بتجربة محنة غيابه عنك.
لكن في مسألة الأم، كيف تهرب من الحنين لشخص، وأنت تحن لكل ما يربطك به؟!
أول من لفت نظري لآلام عيد الأم، كانت الكاتبة “غادة عبد العال” في ٢٠٠٨ تقريبًا. إذ قبل أن ألعق مرارة فِرَاقَ أمي، تذوقت كأسًا عبر تدوينة “يوم في شهر مارس“. كثيرون يعرفون “غادة عبد العال” عبر عملها الأشهر “عايزة أتجوز” وقت تحوله لمسلسل من بطولة الفنانة “هند صبري”، لكن المتابعين لغادة منذ عصر المدونات المصرية، يستطيعون تمييز نشاطها التنويري الاجتماعي، والذي تستخدم فيه أدواتها الأدبية في تبديل الكراسي، بحيث تجلس في مكان البطل و”تحس على دمك شوية”.
غادة أجلستني كثيرًا في مَقْعَد امرأة، ومنذ فترة ليست بالبعيدة انتقلت غادة لمعركة “التبني” وقررت أن تكون أمًا دون أن تتزوج. تشاركنا غادة لحظاتها مع “دودو” عبر صفحة فايسبوك مجانية يتابعها العالم. ومن المزعج جدًا أن من بأيديهم أوسمة النسويات، يشغلهم الصراع الذكوري والتمويل المادي وصراعهم الوجودي مع تضييقات الدولة، عن الانتباه لفتاة الأقاليم التي تحارب مجتمعها بالقلم، ونجحت في التأثير بأدوات مجانية وقضية عادلة، فيما تشكو منه مؤسسات عريقة تطلب نقودًا لدعم مطبوعات باهتة القضية.
على سيرة مؤسسات النسويات الشرسات، قرأت عدة مقالات نسوية / يسارية تتخذ من هذا اليوم فرصة لتمجيد الأمهات المعيلات اللاتي يقمن بدور كلا الوالدين معًا. دور الأمومة قوي بمفرده ولا يحتاج خلطًا مع الدور الاجتماعي الأبوي. “مش ضروري يعني الأب يموت أو يطلع زبالة علشان الأم تاخد السوكسيه!” الأم فعليًا تأخذ “بطولة مطلقة” في حياة أي فرد دون مبالغات درامية. وقضية “المستقلات” هي قضية مختلفة، ولا أرى في هذا إلا تسلقًا انتهازيًا يشوّش مفهوم دور الأم والذي هو بمفرده مستحقٌ للانحناء.
التشويش الاجتماعي طال حتي مؤسسات الدولة التي تتبارى في توزيع جائزة “الأم المثالية” لأكثر القصص كآبة أو أكثر الأمهات تعاسة: أم الشهيد، أم المعاق، أم مكلومة وكفى! للحزن وقاره بالتأكيد، لكن لا يمكن أن تكون مؤهلات الأمومة “المثالية” هي فقدان الأبناء وفقدان الأمومة! هذا السخف السياسي يجب أن يزول، وهذه المباراة في التعاسة يجب أن تتوقف! فلا يوجد أم طبيعية ترغب في موت ضناها أو إعاقته، ولا يوجد شهيد سعى للموت ببلاهة المنتحرين، أو رغب في إنهاء حياته على يد مجرم قاتل أو حتى حادث غادر. تمجيد الشهداء أيضا قضية مختلفة ولا أرى في هذا إلا تسلقًا انتهازيًا يشوش المفاهيم المجرّدة.
كقارئ مهتم بالوعي والإبستمولوجي، أجد أن الفلاسفة قاموا بالتمييز بين كل هذا إلى أن وصلت “سيمون دي بوفوار” لرهافة التمييز بين “الأنثى” و “المرأة” و “الأم”. فالأنثى هي جسد بيولوجي ليس بالضرورة أن يقوم بوظائف المرأة أو الأم. ستجد أشياء قد تبدو طريفة في هذا التفكير مثل أن الأطفال يتامى الأم، من الممكن أن يكون أباهم أو جدتهم أو خالتهم هي أمهم. الأمومة هنا اختيار (أو إجبار بحكم الظروف) لكن على الأقل ليست مكتسبة بكون الجسد جسد أنثى، أو نتيجة لحمل ورضاعة. هناك فصل بين الأدوار.
وبهذا المعنى فـ”عيد الأم” ليس لكل شخص عنده “أم أنثى” أو حتى بشر “طرزان” ربته غوريلا. بل عيد الأم لكل مولود تمت رعايته.
ماما… وحشتيني…
ومش عارف اتجاوز فراقك بالنسيان…
وكل ما أحاول، العيد ده بيفكرني ويوجعني…
وانا مشاغب فقررت أعكنن عليهم كلهم…
كل أم حية في أولادها… الأمهات خالدات أبدًا…
اختفاءهم من الأحياء، لا يعني اختفاءهم من الذاكرة…
موتهم، لا يعني سكونهم عن الحركة…
إنهم يتحرّكون دومًا فينا، ويتكلمون أبدًا عبر أفكارنا…
يعيشون فينا، كما يعيش وطن… كما تعيش امرأة… كما تعيش أم…
كل عيد أم وانتم طيبين.