في نهار يوم ربيعي مائل للحرارة، وداخل ساحة أحد البيوت، التي تشبه غيرها في الحي، جرى هذا الحوَار في بلدتنا:

– سمعتي اللي حصل؟
– سمعت.. كل البلد بتتكلم..
– دول اتجننوا.. كلهم هايجين وقاموا ع الراجل
– أحسن يستاهل.. كله إلا الجلابية السودا.. رجال ربنا يتكلم معاهم وعنهم بأدب.. مش بالأسلوب الحاد والعنيف ده.. ومش قدام الناس الغلابة عشان كده بيشككهم في إيمانهم
– قصدك إيه؟.. أنتي موافقة على اللي بيعملوه؟!.. أنتي نسيتي إن الراجل ده هو اللي ساعدني وخلاني أرجع أقوم على رجلي من تاني
– ﻻ مانستش.. وكتر خيره.. بس ده ما يخليهوش يعيب في الجلابية السودا.. وخدام الهيكل.. شكله غاوي شهرة وفاكر أنه بكده الناس هاتتلم حواليه.. بس هو نسي نفسه.. مش الصنايعي ده اللي هايعلمهم يعملوا إيه.. أو يكلمهم كده
– بس دول هايقتلوه
– الكهنة والمجمع أكيد ليهم فكر.. دول خدام الهيكل.. مش احنا اللي هنعلق عليهم.. وﻻ النجار ابن النجار يعلق عليهم.. وهو حسب كلامهم مهرطق.. وحسب ما سمعنا محدش يبيعرف يناقشه وعنيف في مواجهاته وحاجة أخر قلة أدب وعدم احترام.. وضد قيمنا.. تخيلي يقول على الكهنة إنهم قبور مبيضة من بره، وجواها نجاسة.. لا طبعا.. يستاهل القتل.


 

هذا هو يسوع المسيح باختصار في عيون أغلب متشددي القرن الحالي، الرافضين لأي صوت من أصوات الإصلاح. لا تغرنك مبرراتهم ومنها إن أسلوب النقد قاسٍ وغير مقبولٍ، متناسين أن قساوة القلب المنتشرة بين جماعة المؤمنين وال تخطت كل الحدود!! وإن كانوا يجهلون ما وصل إليه الواقع، فهذا ليس مبررًا لتحجر فكرهم وتقاعسهم عن الاهتمام والبحث والفحص. هؤلاء المؤمنين أنفسهم إن عاد يسوع للظهور بينهم سيصلبونه بحجة أن كلامه قاسٍ ولا يصح أن يخاطب الإكليروس والشعب بهذه الطريقة.

يصلبون المسيح! نعم.. فهو في ميزانهم خارج عن الأعراف مشاغب لا يحترم الألقاب والرتب، ينتقد كثيرًا وكثيرًا وكثيرًا.

أتخيل أحيانًا إذا ظهر المعمدان بيننا، كيف سيكون الحال؟ المعمدان الذي لم يتورع أن ينعتهم بأولاد الأفاعي.

فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ يَأْتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ، قَالَ لَهُمْ: يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي

(إنجيل متى  الإصحاح ٣ الأية ٧)

بالقطع سيرون إنه عنيفًا حادًا لا يلتزم بالآداب العامة وعفة اللسان والوداعة، تلك الصفات التي يصبغون عليها سمات الفضيلة ليخفوا ورائها عجزهم عن مواجهة العوار وتغييره.

أتخيلهم يشاهدون بولس وهو يوبخ بطرس ويعنفه، بالقطع سيقيمون محاكمة لبولس ناعتينه بالمتعجرف الذي يسعى للشهرة بين الرسل متطاولًا على أكبر الرسل نفسه وهو الذي لما يقابل الرب بالجسد وجها لوجه مثله، وربما يهددونه بالقتل إرهابًا له لمواجهته لرئيس الكهنة.

حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ بُولُسُ: «سَيَضْرِبُكَ اللهُ أَيُّهَا الْحَائِطُ الْمُبَيَّضُ! أَفَأَنْتَ جَالِسٌ تَحْكُمُ عَلَيَّ حَسَبَ النَّامُوسِ، وَأَنْتَ تَأْمُرُ بِضَرْبِي مُخَالِفًا لِلنَّامُوسِ؟» .فَقَالَ الْوَاقِفُونَ: «أَتَشْتِمُ رَئِيسَ كَهَنَةِ اللهِ؟»

(أعمال الرسل الإصحاح ٢٣ الآيات ٣-٤)

تراهم يهاجمون كل من تسول له نفسه تسليط الضوء على مخابئ العطب داخل المجتمع الكنسي، باختلاف كل أساليب النقد، ويلجأون دائمًا للشخصنة للهروب من مناقشة الفكرة بين ترهيبٍ أو تشويهٍ أو تدليسٍ، في أفعال تدل على ضعف حجتهم وقدرتهم على المواجهة، فأيا كان أسلوبك -ناعما هادئًا مثل إسطفانوس أو صاخبًا حادًا كالمعمدان- سيغتالونك معنويًا في كل الأحوال، فينطبق عليهم المثل الذي استخدمه المسيح:

زَمَّرْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَرْقُصُوا! نُحْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَلْطِمُوا!.

(إنجيل متى الإصحاح 11 الآية 17).

زمرنا ونحنا فلم تقبلوا إلى الإصلاح، حيث تجدون راحتكم في التحجر. ولكل ساعٍ للتغيير والتطور تعرض بالضرورة لهذا الكم من الهجوم والتشويه وأنه (قليل الأدب) أقول لك: يسوع بنفسه لن يفلت من بين أيديهم، فهو بنفس المقياس مثلك في نظرهم (قليل الأدب) لهذا فقد نبهنا بنفسه قائلًا:

إِنْ كَانُوا بِالْعُودِ الرَّطْبِ يَفْعَلُونَ هذَا، فَمَاذَا يَكُونُ بِالْيَابِسِ؟»

(إنجيل لوقا الإصحاح 23 الآية 31).

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

Objection
‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎