أنبا بولا وياسر برهامي

من سخرية القدر أنه صار -منذ زمن- مفوضًا من قبل ال الأرثوذكسية للقيام على شؤون وضع وإصدار قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين. القانون الذي يختص أساسًا بالحكم في قضايا المتزوجين وأحوالهم ومشاكلهم، كما يتحكم في حياتهم كلها تحكمًا مصيريًا. صار مفوضًا عليه من الكنيسة رجل أعزب ساقته مقادير عابثة أو ضالة أو ظالمة إلى أحد الأديرة لفترة محدودة من الوقت، ليقفز منه في غفلة من الزمن على كرسي الأسقفية، ويكون هو الوجه الأوحد الذي فوّضه بابا القبط الأرثوذكس بمصر في وقت عصيب من حياة الوطن والشعب، ليقوم بمهمة مندوب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية -التي هي كنيسة الأغلبية من مسيحيي مصر- إلى لجنة الخمسين، التي وضعت الدستور المصري بعد 25 يناير. فإذا به يتحدى إرادة جميع مسيحيّي مصر، ويخون اختيارهم للدولة المدنية، فيقف بكل قوة مع إقرار البنود في الدستور التي كرست للدولة الدينية من أوسع أبوابها.

الأنبا بولا في حملة تلفزيونية لتشويه لائحة ١٩٣٨ثم لا تلبث المقادير أن تزيد في سخريتها، فلا يكون إلا هذا الأسقف عينه -الذي صار مطرانًا فيما بعد- هو الوجه الذي يدفع به بابا الأقباط الأرثوذكس الجديد، للمرة الثانية، للهيمنة على وضع قانون الأحوال الشخصية الحديث للمسيحيين، الذي تحول بين يديه إلى خطر يحيق بالشعب المسيحي كله.

الإكليروسهذه النسخة الجديدة من قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين وُضعت، في تكتم شديد، ضد كل مبادئ ال والشفافية والعلنية، بواسطة لجنة ضمت ممثلين عن جميع كنائس الطوائف المسيحية بمصر. ثم، بمقتضى ادعاءات رخيصة، فُبركت عملية صورية للمناقشة الجماهيرية، اختير فيها أشخاص معينون، ووُزعت عليهم أسئلة محددة لطرحها في اجتماع المناقشة المزعوم. وانتهت بذلك صورة ديكتاتورية هزلية لمناقشة مشروع القانون، الذي تُرك على هواهم، ضد أمان المسيحيين بمصر.

أهم الألغام التي ينطوي عليها القانون تتعلق ببعض حالات الطلاق وفقًا للقواعد المسيحية.

فالمسيحية تقيد الطلاق بوقوع الزنا بحسب أقوال السيد المسيح. وقد أقر القانون في نصه الحالي بحالات معينة يجوز فيها ال، غير حالة التلبس في ذات الفعل، مثل قيام الزواج على خديعة لا تتضح أبعادها إلا بعد تمامه، فتبطل الخديعة صحة الزواج. والمفترض أن الخديعة هنا هي المقابل الموضوعي للزنا. فمن الصحيح حتمًا أن الخديعة هي كسر عهد الزواج، وكسر العهد هو خيانة العهد، أي خيانة عهد الزواج. والخيانة هي الزنا بحسب التعريف الكتابي في الكتاب المقدس، فتكون الخديعة هي زنا الروح أو زنا الضمير، وتكون بذلك مستوجبة للطلاق.

لكن هذا المفهوم يغيب عن نص القانون في حال وقوع المعاملة الوحشية التي تستحيل معها الحياة الزوجية، وهي الحالة الأكثر انتشارًا بين الأقباط، والتي تحتاج إنقاذًا عاجلًا لا يتباطأ بالحكم الصريح باستحقاق الطلاق أو التطليق.

يتراجع واضعو القانون باستحياء مشِين، ويعودون مرة أخرى للتردد والنكوص، فيتعامون عن المعنى الحقيقي للزنا بحسب الكتاب المقدس، وهو خيانة عهد الزواج.

ينطوي عهد الزواج، الذي يتلوه الكاهن في أثناء قداس الإكليل لعقد القران المسيحي، على خمس وصايا جوهرية لكل من العروسين. إذا خان أحد الزوجين، يكون قد زنى بشريكه، وزنى الروح هو أبشع كثيرًا من زنى الجسد بذات الفعل.

يقضي القانون في حالة استحالة العشرة -التي يُكسر فيها عهد الزواج كليًا- بانفصال الزوجين دون تطليق، مما يترتب عليه ظلم فادح، وحياة شاذة، مُعلقة، لا هي زواج ولا هي طلاق، مما يضطر الزوجة في معظم الحالات إلى الهروب نهائيًا، وتغيير الدين، والخروج من المسيحية كلها، فرارًا من العذاب الذي تضيع معه الحياة على هذا الوضع المعلق القاتل.

تخاذل مندوب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عن الأمانة الواجبة تجاه الشعب المسيحي، فعلق الحياة في حالة استحالة العشرة بين الزوجين دون تطليقهما، وهو ما يمثل موتًا بالحياة. ولم يمنح الطلاق الصريح بما يتيح استمرار الحياة مرة أخرى لكل من الطرفين، مع ما يرتبط به من تسوية عادلة للنزاع بشأن الأطفال والنفقة.

حدث ذلك بينما في الوقت نفسه أقر مندوب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بالطلاق أو التطليق كاملًا في حال بدعة مستحدثة، غير معقولة، وغريبة جدًا عن نص الكتاب المقدس وروحه، انبثقت عن تفكير شاذ لا يمكن قبوله، بما أسموه “بالزنا الحكمي”، أي أنه يُحتسب كالزنا المستوجب الطلاق أو التطليق، رغم أنه بعيد عن الزنا بمفهومه الذي يصرون عليه، كالمكالمات الهاتفية، والأحاديث عن بعد بواسطة أي وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي.

الحق أن المفارقة صارخة؛ فهو يقبل بالطلاق أو التطليق في حالات التواصل عن بعد، ولا يقبل بهما في حالة استحالة العشرة، ما يشي بعقل مشوه وخبرة مبتورة بالحياة.

لغم آخر أو تشويه ثانٍ في قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، ألا وهو المرتبط ب.

فلقد اتفقت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية مع كنائس الطوائف الأخرى في مصر على تقديم مجاملة غير ضرورية للمؤسسة الدينية الإسلامية، وللدولة أيضًا، وهي مجاملة غير مطلوبة على الإطلاق، ولا تنتظرها المؤسسة الدينية الإسلامية ولا الدولة، ألا وهي إلغاء التبني من القانون بشكل كامل.

لا يعترف قانون الأحوال الشخصية للمسلمين بالتبني. وبالتالي، فالتبني منعدم تمامًا في التشريع الإسلامي، وقد جُرّم في قانون الطفل. أما التبني في المسيحية، فهو جوهري وفي صميم الكتاب المقدس والعقيدة المسيحية؛ فالجميع في المسيح صاروا أولادًا لله بالتبني. ولا يمكن لبابا أو مطران أو أسقف أو أي -كائنًا من كان- أن يجسر ويلغي التبني من التشريع المسيحي.

وفي بلد يقر دستوره في المادة الثالثة منه أن للمسيحيين أن يحتكموا في شؤونهم لشرائعهم الخاصة، لا يمكن أن تنتظر المؤسسة الدينية الإسلامية في الدولة، أو الدولة نفسها، أي مجاملة خرقاء من قبل المؤسسة الدينية المسيحية. فإذا فعلت المؤسسة الدينية المسيحية ذلك، يكون تزيدًا مريبًا وعبث بالدستور لا يصدقه عقل.

يتكبر المسؤول الكنسي ومن يقفون خلفه على ال [1] التي برئت من هذه العورات والنقائص والمثالب والألغام. وكانت جهدًا قانونيًا مكتملًا نزيهًا لحياة صالحة كريمة للمسيحيين، وضعته لجنة محترمة من أراخنة كبار مُختبرين، كان منهم العظيم حبيب المصري، والعظيم ، الذي رفعته الكنيسة القبطية الأرثوذكسية إلى مقام القديسين، ويُذكر اسمه في جميع القداسات أثناء الصلاة آلاف المرات يوميًا في جميع الكنائس، مما يجعل اللائحة 38 ذات منزلة رفيعة في التشريع الكنسي. كان يتحتم عليهم أن يقتدوا بحكمتها وشجاعتها ونزاهتها وخلوها من العثرات.

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. العام، قرار ال لسنة ١٩٣٨ بشأن لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكسيين [معدلة ٢٠٠٨]. [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎