الحالة المرتبكة التي تكشفها ردود أفعال بعض رواد العالم الافتراضي من المسيحيين المصريين إزاء رحيل أبونا ، لم تكن وليدة لحظة، أو انفعال مفاجئ. نحن نجنى ثمار ما تم زرعه والناس لم تكن نياماً، كانت الساحة تمور بتيارات متعددة، على المستويين العام والكنسي، في أربعينيات القرن العشرين، وكان لتيار مساحة متنامية في التشكل والتأثير، وحثيثاً حثيثاً صار اهم تيار في الساحة، ولم تعوزه الجرأة والصراحة وربما العنف في طرح رؤيته عبر صفحات مجلة مدارس الأحد، في مرحلة شبه .

لم يكتف شباب هذا التيار بإدارة معاركه عبر المقالات، بل ترجمها إلى خطوات مدروسة ومخططة لفرض سيطرته على مقاليد الكنيسة، وخلال عقدين كان رموز هذا التيار يجلسون على مقاعد قيادة الكنيسة، وشأنها شأن كل الحركات الفاعلة في الشأن العام، عندما تنتقل من براح التنظير وشعاراته الطوباوية إلى واقع الحياة والسلطة، تبدأ الصراعات، والتي تنتهى غالباً بأن يقفز الجناح الأكثر تشدداً وحنكة ليستأثر بالمشهد ويقصى الأجنحة الأخرى. ويقع في مأزق تصفية الحسابات مع من يرى أنهم معوقين، ممن كانوا قبلاً من الداعمين ويقفون في نفس الخندق، لكنهم مازالوا يبدون اعتراضهم على إدارة المشهد. لم يختلف الأمر عما يحدث في الحركات الثورية حين تنتقل إلى دوائر السلطة، ويبدو أن قاعدة أن الثورة تأكل أولادها مازالت صحيحة.

الأزمة الحقيقية هي القاعدة الفكرية المرتبكة التي قامت عليها رؤية الجناح الحاكم، الذي لا تنقصه الثقافة والوعى والإيمان بالإصلاح، كانت قاعدتهم تنطلق من رؤى ذاتية منبتة الصلة بالمصادر الآبائية، وهو أمر يمتد إلى أطروحات الأب المؤسس الأستاذ ، الذي اعتمد على مصادر مختلفة هي جل المتاح وقتها. ولعل هذا يفسر لنا المواجهات العاتية التي استهدفت تيارات الإحياء الآبائي، في تنويعة على صراع المثقف والسلطة، وعمق الأزمة حالة التردي العام في الذهنية العامة، وفقاً لنظرية الأواني المستطرقة.

اختفى جيل الصراع، وجاءت أجيال تالية لا تملك أدوات وحنكة الأولين، سلطة بلا فكر، تحولت إلى سطوة غاشمة، وصراع متهافت يغوص في المصطلحات دون جوهرها، وقاعدة عريضة تعاني من ضبابية الرؤى واختلاطها. فماذا عن التيارات الاصلاحية الآنية؟

عندما لاحت في الأفق مؤشرات أو بدايات ما تعانيه الكنيسة اليوم بادرنا بالكتابة في مجلة “مدارس الأحد” التي أسسها الرعيل الأول من الخدام، وتولى رئاسة تحريرها الأستاذ “نظير جيد” حتى عام ١٩٥٤، العام الذي دخل فيه الدير ليبدأ مشوار الرهبنة الذي قاده إلى موقع القيادة.

تشهد المجلة العديد من الكتابات التي تنبه لوجود اختلالات ما في فضاء إدارة الكنيسة، وطرحت رؤى عديدة لمعالجتها، وجاء هذا اتساقاً مع خط المجلة الذي إستنه الرعيل الأول، لكن إدارة الكنيسة والتي كانت تتشكل عند قمتها من ذاك الرعيل لم تسترح لأطروحات المجلة واتخذت موقفاً مناوئاً لها انتهى بصدور قرار بابوي يندد بتوجه المجلة ويعلن سحب اعتراف الكنيسة بها (!!) -أغسطس ١٩٩٤- وتبدأ حملات تشويه عاتية لكل من شارك بالكتابة فيها. لفت القرار الذي تم نشره في كل الصحف انتباه الإعلام العام، الذي افسح المجال لعديد من كتاب المجلة لنشر مقالاتهم الاصلاحية.

في تطور لاحق شكلنا مجموعة بحثية فكرية عرفت باسم “” وقصد بالاسم أن المجموعة كلها من أبناء الكنيسة من المدنيين من غير ال. وقدم التيار العديد من الأبحاث في محاور الإدارة والرهبنة والتعليم، في فاعلية سنوية استمرت من عام ٢٠٠٦ حتى عام ٢٠١٠، ثم توقفت مع ما حدث في مصر من تطورات، ثم رحيل قداسة البابا شنودة ٢٠١٢. والتزمنا بتقديم ما تسفر عنه مؤتمرات الين السنوية من أبحاث وتوصيات لقداسة ال يداً بيد.

لم يلتفت قداسته لكل ما قدمناه له، وتفاقمت المشاكل والأزمات. فأصدرت بشكل شخصي في هذا التوقيت كتاب “” تضمن في أحد فصوله موجزاً، ولما قدمناه عبر مؤتمرات العلمانيين، مع العديد من الفصول التي تناولت ما يؤرق الكنيسة وقدمنا نسخة منه لقداسته وآباء المجمع.

واتصالاً بتوجه طرح الحلول لما تعانيه الكنيسة، أصدرت لاحقاً كتابين في حبرية قداسة ال الثاني:
* كتاب “قراءة في واقعنا الكنسي” ٢٠١٥
* كتاب “الكنيسة… صراع أم مخاض ميلاد؟”

الكرة في ملعب الكنيسة… لعل إدارتها تنتبه لما تم طرحه والبناء عليه قبل فوات أوان التصحيح، ولعلها تستوعب أن المفاتيح القديمة لا تفتح الأبواب الجديدة.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

كمال زاخر
كاتب ومفكر قبطي في التيار العلماني المصري   [ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب: العلمانيون والكنيسة: صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي ٢٠١٥
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٨

‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎