
- مصر والنيل: الجغرافيا والمصالح
- مصر والنيل: التاريخ والمصالح
- مصر والنيل: السودان والمصالح
- مصر والنيل: إثيوبيا والمصالح
- مصر والنيل: المفاوضات والمصالح
- مصر والنيل: الطريق المسدود
- ☑ مصر والنيل: الاتفاق المستحيل
في شهر مارس، تحل ذكرى مرور عشر سنوات على توقيع اتفاق إعلان المبادئ بين مصر والسودان وإثيوبيا بخصوص سد النهضة، والذي وقع في 23 مارس عام 2015. ومنذ ذلك التاريخ، جرت محاولات عديدة للوصول إلى اتفاق ملزم بين الدول الثلاث ينص على قواعد واضحة وملزمة لتشغيل سد النهضة الإثيوبي. إلا أن كل هذه المحاولات باءت بالفشل بسبب الرفض الإثيوبي للوصول إلى اتفاق ملزم، وتحركها الأحادي لملء بحيرة السد والانتهاء من إنشائه. نسعى في هذا المقال إلى إلقاء الضوء على موقف الدول الثلاث واستشراف مستقبل الخلاف.
موقف مصر
يتلخص الموقف المصري في الاعتراف بحق إثيوبيا في إنشاء سدود لتوليد الطاقة الكهربائية، مع التأكيد على عدم الانتقاص من حقوق مصر المائية في مياه النيل، باعتباره المصدر الرئيسي للحياة فيها. ولهذا، تتمسك مصر باتفاق إعلان المبادئ الموقع في 23 مارس 2015، الذي أعطى إثيوبيا الحق في بناء سد النهضة، إلا أنه اشترط الاتفاق على وضع قواعد لملء وتشغيل السد.
ترى مصر أن هذا الاتفاق ملزم، وأنه أوجب الوصول إلى اتفاق بشأن قواعد الملء والتشغيل قبل البدء في الملء. وتعتبر مصر أن تحرك إثيوبيا بشكل منفرد لملء السد مخالف للقانون الدولي، ويعرض حياة 100 مليون مصري يعتمدون بشكل رئيسي على مياه النيل للتهديد. كذلك، تسعى مصر إلى أن يكون هذا الاتفاق شاملاً لكافة احتمالات تغيرات تدفق مياه النهر، واحتمالات الجفاف والجفاف الممتد، وأن يكون الاتفاق ملزماً قانوناً مع وجود آلية واضحة لتسوية المنازعات.
كما ترفض مصر الربط بين هذا الاتفاق والاتفاقية الإطارية لحوض النيل التي لم توقع عليها، أو أي اتفاق آخر لإعادة تقسيم مياه النيل. وتشدد مصر على إتمام دراسات الأثر البيئي والاجتماعي التي طالب بها تقرير لجنة الخبراء الدولية، والتي رفضت إثيوبيا الاتفاق بشأنها على مدى أكثر من 7 سنوات.
موقف إثيوبيا
ترى إثيوبيا أن كونها دولة المنبع يعطيها الحق في استغلال مياه النيل كما استغلته مصر هذه المياه على مدى مئات السنين. وترى أن من حقها إقامة أي منشآت على النيل الأزرق بما يكفل تنمية وازدهار اقتصادها وتلبية احتياجات شعبها. وبناءً على ذلك، ترى إثيوبيا أن اتفاق إعلان المبادئ اتفاق غير ملزم، وبالتالي فهي ليست ملتزمة بالوصول إلى اتفاق حول الملء والتشغيل قبل البدء في ملء بحيرة السد.
كما ترى إثيوبيا أن الاتفاق الذي نص عليه إعلان المبادئ هو مجرد مبادئ توجيهية أو استرشادية، وبالتالي فهو غير ملزم بطبيعته، ولا يفترض أن يمنعها من تغييره وفقًا لإرادتها المنفردة بصفتها مالكة السد. كذلك، لا يجب أن يمنعها هذا الاتفاق أو يحد من قدرتها على إنشاء سدود أخرى على النيل الأزرق.
ترى إثيوبيا أن عدم الوصول إلى اتفاق يعود إلى تعنت مصر التي تتمسك باتفاق 1959 لتقسيم المياه بينها وبين السودان، وهو الاتفاق الذي لا تعترف به إثيوبيا. كما تتمسك إثيوبيا بأن يكون هذا الاتفاق اتفاقًا مؤقتًا يجب أن يحل محله اتفاق جديد دائم لتقسيم مياه النيل يتضمن كامل دول حوض النيل في إطار الاتفاقية الإطارية التي وقعتها إثيوبيا وعدد من دول حوض النيل عام 2010 ورفضتها مصر والسودان.
موقف السودان
السودان ترى أن لسد النهضة إيجابيات وسلبيات بالنسبة لها. لذلك، فهي تنتهج منهج الوساطة بين مصر وإثيوبيا، مع الحرص على الوصول إلى اتفاق يقيها الآثار السلبية للسد. ولهذا، ترى أن اتفاق إعلان المبادئ اتفاق ملزم، ويجب ألا تبدأ إثيوبيا الملء قبل الوصول إلى اتفاق.
تتمثل أهم مطالب السودان في ألا يؤثر تشغيل سد النهضة على سلامة سد الروصيرص، الذي يقع شمال سد النهضة بحوالي 15 كيلومترًا فقط أسفل النهر. كذلك، تعطي السودان أولوية لإتمام الدراسات الخاصة بالسلامة الإنشائية للسد، نظرًا لأنها مهددة بكارثة بكل المقاييس في حال انهيار هذا السد.
في أقرب محاولة للوصول لاتفاق عام 2020 طرحت كل من البلدان الثلاثة في المفاوضات مسودتها للاتفاق حول قواعد تشغيل السد. اتفقت المسودات على بعض النقاط واختلفت اختلافا شديدا في نقاط أخرى.
على ماذا يتفق الدول الثلاث؟
أولًا: أنّ هذا الاتفاق لا يُعتبر اتفاقًا لتقسيم مياه النيل الأزرق، بل هو مجرّد اتفاق على ملء وتشغيل سدّ النهضة فقط. إلا أنّ إثيوبيا أضافت في مسودّتها فقرة زائدة على هذا المبدأ، تقول: ولا يُعتبر هذا الاتفاق محدِّدًا لحدّ الضرر الجسيم
. وهي إضافة تهدف إلى عدم الالتزام في هذا الاتفاق بالكميات التي سيتمّ الاتفاق على تصريفها من سدّ النهضة كحدٍّ أدنى، بحيث إن قلّت عنه تتسبّب بضرر جسيم لمصر والسودان. والهدف من ذلك هو إطلاق يدها في إنشاء سدود مستقبلية أعلى سدّ النهضة، ممّا سيقلّل بالضرورة من تصريفات المياه في النيل الأزرق.
وثانيًا: أنّ تعريف الجفاف هو أن يكون متوسّط التصريف عند سدّ النهضة أقلّ من 37 مليار متر مكعب في سنة هيدرولوجية [1]. وأنّ الجفاف الممتدّ هو مرور أربع سنوات متتالية بمتوسّط تصريف أقلّ من 37 مليار متر مكعب. إلا أنّهم اختلفوا في ماهية الإجراءات الواجب اتخاذها في حال حدوث هاتين الحالتين. لم تعترف إثيوبيا بحالة ثالثة، وهي حالة السنوات الجافة الطويلة
التي تعرّفها المسودّتان المصرية والسودانية بأنّها مرور أربع سنوات متتالية يكون متوسّط التدفق فيها أقلّ من 40 مليار متر مكعب.
كذلك، اتفق الأطراف على توقيت ملء خزان السد وعلى خطة الملء الأول على مدار خمس سنوات، مع إقرار أن الملء يجب أن يتم في الفترات المطيرة بين شهري يوليو وسبتمبر. إلا أن إثيوبيا نفذت ذلك من طرف واحد في السنوات الخمس الماضية.
على ماذا يختلف البلدان الثلاثة؟
على الجانب الآخر، كانت هوة الخلافات واسعة في أكثر من نقطة. فمن الناحية الفنية، كان الخلاف الأكبر حول قواعد تشغيل السد في حالات الجفاف المختلفة:
1. في حالة الجفاف: تتضمن المسودة المصرية والسودانية (مع اختلافات طفيفة) جدولًا يضمن تصريف أكبر كمية ممكنة من المياه إلى مصر والسودان. وتعتمد هذه الكمية على مقدار تدفق النهر ومستوى بحيرة السد في تلك السنة، مع اشتراط ألا يقل مستوى البحيرة في جميع الأحوال عن 603 أمتار لضمان استمرار تشغيل توربينات السد بقدرة 80% من طاقتها الكلية. في المقابل، تتضمن المسودة الإثيوبية جدولًا مختلفًا لا يتضمن كميات المياه المتدفقة من السد، بل يتضمن مستوى البحيرة الذي ستنتهي به السنة المائية بناءً على تدفق المياه في تلك السنة، مع الحفاظ على ألا يقل مستوى البحيرة في أي حال من الأحوال عن 610 أمتار (أي بتخزين 30 مليار متر مكعب). وهذا سيشكل نقصًا واضحًا في موارد المياه لكل من مصر والسودان في سنوات الجفاف.
2. في حالة الجفاف الممتد: تختلف المسودات الثلاث حول الإجراء المفترض اتخاذه. وهذا هو أكبر نقاط الخلاف بين الأطراف الثلاثة:
- المسودة المصرية: يتم تصريف 100% من مخزون البحيرة أعلى مستوى 603 مترا على مدى أربع سنوات تالية.
- المسودة الإثيوبية: بالإضافة للتصريف المذكور في حالة الجفاف (وفقًا للجدول الإثيوبي) تجتمع اللجنة الفنية على إجراءات لإدارة الجفاف بما فيها تصريف كميات إضافية في حالة أن مستوى بحيرة السد أعلى من 610 مترًا.
- المسودة السودانية: بالإضافة للتصريف المذكور في حالة الجفاف (وفقًا للجدول المصري السوداني) تجتمع اللجنة الفنية على إجراءات لإدارة الجفاف بما فيها تصريف كميات إضافية في حالة أن مستوى بحيرة السد أعلى من 605 مترا.
وهنا نرى فجوة واضحة بين الأطراف، حيث ترفض إثيوبيا تحديد رقم ثابت للتصريف في حالات الجفاف الممتد، وتترك الأمر للجنة فنية دون ضمانات لتوصل هذه اللجنة إلى اتفاق. بالإضافة إلى ذلك، تحد إثيوبيا من الكميات التي يمكن إضافتها في حالات الجفاف الممتد، وذلك لتمسكها بمستوى 610 مترًا للبحيرة، على الرغم من أن مستوى 603 أو 605 أمتار يعتبر كافيًا لتشغيل التوربينات بقدرة تصل إلى 80%.
3. في حالة السنوات الجافة الطويلة: وهي الحالة التي تحددها مصر بمرور خمس سنوات متتالية بمتوسط تصريف أقل من 40 مليار متر مكعب، وتحددها السودان بمتوسط تصريف يتراوح بين 38 و40 مليار متر مكعب
- المسودة المصرية: يتم تصريف 100% من مخزون البحيرة أعلى مستوى 603 مترا على مدى أربع سنوات تالية.
- المسودة السودانية: بالإضافة للتصريف المذكور في حالة الجفاف (وفقا للجدول المصري السوداني) تجتمع اللجنة الفنية على إجراءات لإدارة الجفاف بما فيها تصريف كميات إضافية في حالة أن مستوى بحيرة السد أعلى من 605 مترا.
بينما ترفض إثيوبيا إقرار مبدأ السنوات الجافة الطويلة.
الاختلاف القانوني
كان الخلاف الأول بين الأطراف حول طبيعة الاتفاق. فمسودتا مصر والسودان تطلقان عليه الاتفاق على المبادئ التوجيهية
، بينما تحذف إثيوبيا كلمة اتفاق
من العنوان. يعكس ذلك موقف إثيوبيا الذي يرى أن هذا الاتفاق لا يجب أن يكون ملزمًا لها، وإنما مجرد مبادئ توجيهية قابلة للتغيير لاحقًا بإرادتها المنفردة بحكم ملكيتها للسد، أو على أقصى تقدير تخضع للتشاور بين الدول الثلاث. وهو الموقف الذي تتخذه إثيوبيا كذلك من اتفاق إعلان المبادئ الذي وُقِّع في عام 2015، حيث تعتبره إعلان مبادئ غير ملزم، وبالتالي لا يلزمها بإبرام اتفاق مع مصر والسودان.
الاختلاف الثاني هو تضمين إثيوبيا في المادة الرابعة من مسودتها، تحت عنوان نطاق المبادئ التوجيهية والقواعد
، بنداً ينص على أن هذا الاتفاق لا يُعد اعترافاً من إثيوبيا بتقسيم المياه القائم حالياً بين مصر والسودان، أي اتفاق 1959. في حين تعتبر مصر والسودان أنه لا علاقة بين الأمرين، وأن هذا الاتفاق يتعلق فقط بتشغيل سد النهضة. كذلك، ضمنت إثيوبيا هذه المادة بنداً يمنحها الحق في إجراء التعديلات اللازمة على هذه القواعد بما يمكنها من إنشاء أعمال أخرى أعلى النهر. وهو ما يصب في نفس المبدأ السابق، وهو أن إثيوبيا تعتبر هذا الاتفاق مجرد مبادئ توجيهية غير ملزمة.
ثالثُ الاختلافات كان حول الموقف من الإنشاءات الأخرى على النهر، فإثيوبيا تخطط لإنشاء ثلاثة سدود أخرى أعلى سد النهضة. ولهذا، فإن المسودة المصرية في مادتها العاشرة تنص على أن الإنشاءات المستقبلية أعلى النهر يمكن إجراؤها دون المساس بهذا الاتفاق، وِفقًا لمبادئ القانون الدولي، بما في ذلك الحق في الاستخدام المتساوي والمعقول دون التسبب بضرر جسيم. وهو البند الذي رفضته إثيوبيا رفضًا باتًا. ولهذا، حاولت السودان في مسودتها الوصول إلى حل وسط، حيث أعادت صياغة هذا البند ليصبح: هذا الاتفاق لا يمس حقوق كافة الأطراف في إنشاء أعمال أعلى أو أسفل النهر وفقًا لمبادئ القانون الدولي.
وهي الصياغة التي لا تضمن بصورة كافية ألا تمس السدود المستقبلية كميات المياه الواردة إلى مصر والسودان.
رابع الخلافات هو طريقة تسوية المنازعات والمراجعة والتعديل. فمصر والسودان تطالبان بأنه في حالة عدم حل الخلافات بشأن تطبيق الاتفاق على مستوى اللجنة الفنية واللجنة الوزارية، يتم اللجوء إلى التحكيم من خلال المحكمة الدائمة للتحكيم في لاهاي
، على أن يكون حكمها نهائياً وملزماً. بينما ترفض إثيوبيا بشدة تضمين الاتفاق هذه الآلية، وتكتفي بإحالة الخلاف لرؤساء الدول والحكومات للبت فيه.
كذلك اختلف الأطراف على تحديد المدة التي يجب بعدها مراجعة الاتفاق، فمصر والسودان تحددانها بعشر سنوات، بينما تحددها إثيوبيا بخمس سنوات فقط.
واختلفوا أيضاً على إجراءات التعديل، إذ تقر مصر والسودان بوجوب اتفاق الأطراف على التعديل وتوقيعه ثم إقراره عبر الطرق الدستورية بنفس الطريقة التي تم بها إقرار الاتفاق الأصلي، ما يعني أنه في حالة الفشل في الاتفاق على تعديلات، يبقى الوضع كما هو عليه. بينما تطالب إثيوبيا بأن يكون الفشل في الوصول إلى توافق على مراجعة الاتفاق مسوغاً لإنهاء الاتفاق كله، وهو ما يعطيها الفرصة للتنصل الكامل من الاتفاق بعد خمس سنوات فقط.
بل تطلب إثيوبيا كذلك إتمام اتفاق متكامل على تقسيم مياه حوض النيل خلال عشر سنوات من إقرار هذا الاتفاق، وإلا يعتبر هذا الاتفاق لاغياً بنهاية العشر سنوات. وهو ما ترفضه مصر والسودان تماماً، وتطالبان بألا يتم إنهاء الاتفاق بأي حال من الأحوال إلا في حالة الوصول لاتفاق بديل بين الأطراف.
جولات المفاوضات التي عُقدت منذ عام 2020 وحتى توقفها في ديسمبر 2023 لم تنجح في تضييق الفجوة بين الأطراف الثلاثة، في حين عمدت إثيوبيا إلى التحرك بشكل أحادي وأكملت الملء الأول لبحيرة السد في الصيف الماضي وبدأت تشغيل بعض التوربينات لإنتاج الكهرباء. ونظرًا لأن إيراد النهر كان فوق المتوسط في السنوات الخمس الأخيرة، لم يمثل الملء الأول مشكلة لمصر والسودان. إلا أنه مع بدء التشغيل ومع احتمالية دخول نهر النيل في دورة جفاف قادمة كما يحدث دوريًا، فمن الوارد أن تُظهر إثيوبيا تعنتًا في تصريف المياه، إذ تعطي أولوية لإنتاج الكهرباء مما يستلزم الحفاظ على مخزون البحيرة عند مستوى معين. هذا التعنت بدا واضحًا في محاولات الوصول إلى اتفاق، كما ذكرنا سابقًا. وهو ما يستوجب على مصر والسودان الضغط مجددًا على إثيوبيا للوصول إلى اتفاق على قواعد تشغيل السد بما لا يمس مصالحهما المائية كدولتي مصب، وعدم القبول بفرض إثيوبيا للأمر الواقع.