تظل مساحة الكتابة النسائية، والهموم التي تشغل النساء، كالسحر الذي يناديهنّ لصياغة مشاعرهن، وأفكارهن في رواية أو قصة أدبية، ووسط زخم الكتابات، نلقي الضوء على نماذج روائية لكاتبات واجهن تحدياتهن النفسية والاجتماعية، بالإبداع.

 

رجال من ورق.. وعروس من حلوى..

نساء يحكين أوجاعهن في "رواية" 1عن الحب، الخذلان، إخفاء المشاعر ثم المجاهرة بها، وسط مجتمع يخشى البوح. كل هذه التوليفة جاءت في رواية “رجال من ورق.. وعروس من حلوى”، لهند الأشعل، خريجة كلية فنون جميلة بمصر، والتي تعتبر الكتابة هي “المنفذ الوحيد” الذي يعبر عن حياتها، وسبق لها كتابة روايتين: “خاطر الماريونيت”، و”ماء وحياة”. استغرقت الأشعل بكتابة “رجال من ورق “على مدار 10 سنوات تقريبًا، حيث توقفت كثيرًا عن مواصلة كتابتها، وأصابها ما يعرف لدى الكتاب بحالة “السُدة الكتابية” حتى قرأت رواية “تغريدة البجعة” للكاتب الراحل مكاوي سعيد، وكانت نقطة تحول في حياتها، حيث شجعها على مداومة مشروعها الكتابي، الذي تُرجع إليه فضل الانتهاء منه.

إن معاناة النساء في الشرق الأوسط عامة، ومصر خاصة، هي محور الرواية التي تعتمد فكرتها على الاختباء والتخفي من مواجهة الأزمات، خوفاً من رد فعل المجتمع

(هند الأشعل)

تدور الفصول حول علاقة فتاة بأبيها الذي يشغل منصبًا مرموقًا في الدولة، لم يكتف بالانفصال عن زوجته (أمها)، لكنه أصبح شخصًا مؤذيًا أيضًا، فتكتب له ابنته رسائل سرية تخبره فيها عن كل ما تمر به، بداية من انتهاء مرحلتها المدرسية حتى التحاقها بالجامعة ثم تخرجها، وما بينهما من علاقات، ومعاناة، وغيرها من الأمور التي تكتبها بدقة، وتعرف أن هذه الرسائل لن تصل إلى والدها الغائب عن حياتها. في الرواية أحداث متلاحقة، وشخصيات متناثرة، كلها مكتوبة في هذه الرسائل، فثمة كتابات أخرى توجهها بطلة الرواية إلى ابنتها التي لم تلدها بعد، فتعطيها خلاصة خبرتها في الحياة، وتتمنى ألا تكون ضحية أشخاص مارسوا الأذى الذكوري ضدها دون هوادة.

تأثرت الأشعل خلال الإعداد للرواية بأحداث واقعية، سمعت عنها، وضمتها إلى الرواية بنفس تفاصيلها، تحكي هند عن فتاة تعرضت للاغتصاب من ابن عمتها، وتجاهل والداها الأمر كأنه لم يكن، وظل أبيها يشنع بسمعتها لدى كل عريس يتقدم لخطبتها، حتى حاولت الانتحار أكثر من مرة، كما أنها تعرضت للابتزاز من شخص أحبته بعد معرفته بتفاصيل حكايتها.

بعض دور النشر طلبت حذف هذه القصة بسبب أحداثها المؤسفة، لكنني صممت على وجودها.

(هند الأشعل)

تؤكد الأشعل أنها مهمومة بالكتابة النسوية، وسرد الحكايات المسكوت عنها، وأن هناك العديد من المحاولات الجادة السابقة في هذه المنطقة التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من تسليط الضوء عليها.

الكثيرات يكتبن بهدف التربّح أو الشهرة، لكن قليلات من لديهن شجاعة عرض أزمات تعاني منها المرأة في المجتمع.

(هند الأشعل)

 

ما يخبئه الفراش

نساء يحكين أوجاعهن في "رواية" 3اسم جريء لصاحبة الكتاب رضوى رأفت، خريجة كلية التجارة، اتخذت الجرأة في طرح القضايا المسكوت عنها طريقًا من قبل في كتابها الأول “لستُ عذراء”، الذي يتناول أزمات التحرش الجنسي بالأطفال، وغياب دور الأهل أو رفضهم للبوح بما يحدث بأطفالهم.

أحب هذا النمط من الكتابة، وتعلمت الكثير من الكاتبة والدكتورة نوال السعداوي، فهي الوحيدة التي تناولت قضايا المرأة من ناحية صادقة، وتحدثت في الأمور المسكوت عنها، وأدين لها بالكثير من تكوين أفكاري وكتاباتي.

(رضوى رأفت)

يناقش كتاب “ما يخبئه الفراش” العديد من الحكايات النسائية والمشاكل التي تقابلها المرأة في المجتمع، وقضايا يخشى الكثيرون الاقتراب منها، مثل الاغتصاب الزوجي، التعنيف الأسري للفتيات، الإجبار على الزواج، الختان باسم الدين.. وغيرها.

 

كوكب لونه بينك

نساء يحكين أوجاعهن في "رواية" 5أما الكاتبة برديس سعد، فقد ناقشت في كتابها الجديد”كوكب لونه بينك”، عددا كبيرًا من المشكلات التي تتعرَّض لها المرأة في المجتمع، ولعل أبرزها الإهانةـ والتعدي الجسدي من قبل الزوج أو الأخ أو الأب أو حتى الابن،

الرجال الذين يتعاملون بذكورية في حياة النساء يتخيلون أن لديهم السلطة المطلقة على حياة ومصائر نساءهم.

(برديس سعد)

تتلامس كتابة برديس الروائية مع عدة مشاكل أخرى خاصة بالمرأة، مثل: أزمة وصم المطلقات، والتعامل معهنّ وكأنهن مباحات، أو “بلا ولي”، مثلما يقولون عنها في المجتمع، وكذلك تتعرض إلى فكرة ارتباط “النكد”، وتغيّر المزاج بالنساء، تقول برديس: وكأن الرجال لايتغيرون أو تتقلب أمزجتهم، وكل هذا تربطه بفكرة طريفة، وهي تجربة نسائية في التوجه لكوكب جديد، لونه وردي “بينك”، مخصص للسيدات فقط، وفضلت اختيار هذا اللون لكونه “رمزًا للأة، والفرح”.

 

كلهن أنا

نساء يحكين أوجاعهن في "رواية" 7بدأت ميرهان خليل رحلة الكتابة الاحترافية عام 2015، بعد إصابتها بنوع نادر من سرطانات الدم غير القابل للشفاء، علاجه عبارة عن فترات من الهدنة، هذا النوع يدعى “المايلوما”، وكلما اشتد عليها الألم فجّرت مساحات أخرى من الإبداع وطاقات الفن بالكتابة والرسم.

مساحات لم أكن أعرفها عن نفسي، جعلها المرض وسيلة للتنفيس عن ألمي من خلالها.

(ميرهان خليل)

أصبت عام 2012 بنوع نادر من سرطان الدم، وجدت نفسي أحارب بمفردي، فالكل تخلى عني، من هنا بدأتُ تدوين مشاعري كل يوم، وبعد دوامة من الحرب ضد شراسة المرض الذي يعود في كل مرة بشكل أكثر عنفاً، قررت الوقوف مع نفسي بشكل جاد، والانتظام على العلاج النفسي الذي ساعدني على التعايش مع المرض، وشجعني على ممارسة هوايات لم أكن أعلم أنه يمكنني القيام بها بهذا القدر من الإتقان.

(ميرهان خليل)

صعوبة بداية امتهان الكتابة سببها عدم وجود أي خبرة لدي، كنت متزوجة بعمر صغير، وانتظرت من زوجي على مدار 20 عام أن يساعدني في إيجاد مساحة لنفسي، لكن دون جدوى، ومع قسوة المرض نجحت في إظهار كل طاقات النور والإبداع بنفسي.

(ميرهان خليل)

كانت ميرهان خليل تعوِّل على زوجها لمساعدتها في إيجاد مساحة لنفسها، ولكن بلا جدوى، وما فجّر فيها طاقات الكتابة هو السرطان، أو قسوة المرض دون الاتكال على أحد، لأن الكل تركني، وتعلمت الحرب بمفردي، حتى اعتبرت مرضي محنة ومنحة أيضًا. تدور رواية “كلهن أنا” حول تجارب 6 فتيات مع الحرب ضد السرطان، جزء منه أقرب للسيرة الذاتية أو إيضاح معاناة عايشتها بنفسي، تقول ميرهان.

 

أطياف كاميليا

نساء يحكين أوجاعهن في "رواية" 9راودت نورا ناجي فكرة روايتها بعد اطلاعها على أخبار يومية متكررة، عن اختفاء سيدة من منزلها أو فتاة من بيت أسرتها، لتجد نفسها في حيرة وتخيل أحداث سابقة لهذا الهروب، متسائلة:

كيف يمكن لامرأة أن تترك بيتها وزوجها وأبناءها، أو والديها وحياتها الدراسية، لتقرر فجأة أن تختفي بلا عودة، وما مصير أي سيدة من المختفيات إذا قررت العودة مرة أخرى، ومع من تتعامل في حياتها الجديدة

(نورا ناجي)

كل هذه الأسئلة خلقت في ذهن نورا شخصيات من لحم ودم، يمكن كتابة مصائرهم على الورق، وتحويل هذه التشابكات الخاصة بحياتهم إلى رواية شيقة.

لا تجد نورا أزمة في تصنيفها ككاتبة نسوية، فهي تعمل مديرة تحرير لموقع “نواعم” المهتم بالنساء، ويقدم مادة تفيد جوانب حياتهم الصحية والنفسية، أو الاهتمامات الخاصة من العلاقات، الموضة، الأكل والأطفال.

كل هذه الأمور التي أجد نفسي مطلعة عليها يوميًا تفتح مداركي على ما يحدث حول العالم، وتجعل لدي حصيلة وفيرة من قصص حياة النساء، تمكنني من المداومة على الكتابة عن أمور تتلامس مع النساء المصريات، وهو ما حدث في “طيف كاميليا”.

(نورا ناجي)

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

مارسيل نظمي