في أثناء مشاهدتي لأحد البرامج المسيحية، طرح أحد مشاركي البرنامَج سؤالًا على المحاضر عن خلاص غير المؤمنين بالمسيح، وبخاصة إذا كان تصورهم عن الله مشابهًا إلى حد بعيد لشخصية المسيح. بمعنى أن مشكلة هؤلاء ليست في صفات النموذج الذي يقدمه المسيح لله، فهم يضفون تلك الصفات على الآلهة التي يعبدونها حتى وإن كانت لا تنطبق عليهم، بل مشكلتهم تكمن في البراهين التاريخية التي تثبت أن المسيح هو الله.

انفعل المحاضر بشدة خاصة حين قال له السائل: هل من العدل أن يعاقب الله شخصًا يؤمن بالمسيح إيمان روحي وجداني فقط لأنه لم يقتنع بالأدلة التاريخية المقدمة له أو لم يفهمهما أو لم تُقدم له في الأساس، وأيهما أفضل أن يؤمن الإنسان إيمانًا قلبيًا صادقًا بشخص الله أم أن يقتنع ببعض الحقائق التاريخية دون أي علاقة حقيقية مع ذلك الشخص؟ كان رد المحاضر المنفعل هو: إزاي يعني يخلص؟ أمال فايدة اللي إحنا بنعمله ده كله إيه؟ كدة كل حاجة بنعملها ملهاش لازمة.

شعرت وأنا أشاهد ذلك المحاضر أنه يقول بصورة غير مباشرة إن لم أستفد من الله لأدخل الجنة من خلاله، لن أؤمن بما أؤمن، ولا أريد الله في حياتي. فالاستفادة شريطة أساسية للإيمان، وإن كان هناك طريق آخر سيصل به الآخرون إلى الخلاص، لي الحق في أن أحزن وأن أنفعل لأن ما أفعله ضاع كالهباء.

وهنا أسأل: هل الإيمان بالله غير ممتع وكاف في حد ذاته حتى دون وجود أي مكافأة؟ ألم يعبد الله في الجنة قبل حدوث مشكلة السقوط، والحاجة إلى الخلاص؟ هل إذا خلا الإيمان من تلك المنفعة وذلك الإلزام، سنتخلى عنه؟ وماذا لو كان إيمانك بالله سيقودك إلى الجحيم، هل سيدفعك  للذهاب إلى الجحيم معه أم لا؟ ولماذا يتمنى البعض في أعماق أنفسهم لو كانت طقوسهم هي السبيل الوحيد إلى الله كيلا تخلو تلك الطقوس من الإلزامية التي تدفعهم إلى الاستمرار فيها؟ أليست تلك الطقوس ممتعة ومريحة للإنسان في حد ذاتها أم هم مجبرون عليها فقط لأنها واجبة؟

إيمان بلا جدوى

أبدع الأب “شارل ديليه” اليسوعي في الحديث عن ذلك المبدأ النفعي أو فلسفة النفعية (Utilitarianism) في العلاقة مع الله في كتابه “إلهي لا نفع له”. يبدو عنوانه صادمًا بعض الشيء أو مهينًا للذات الإلهية، لكنه، على العكس تمامًا من ذلك.

إلهي لا نفع له 1يتحدث “شارل ديليه” عن العلاقة بالله باعتبارها متعة مجانية، كالفن، والترف، وجلسة الأصدقاء، لا باعتبارها مادة تُستهلك من أجل منفعة ومصلحة في نهاية الطريق. ويشير “ديليه” إلى الأبعاد النفسية والروحية التي تقبع في أعماق من ينادون بوجوب النفعية، مصورًا مبدأ النفعية كعلامة على غياب الحب لله. هل نسأل أنفسنا حين نذهب في نزهة مع الأصدقاء، أو نقف أمام لوحة فنية لماذا نفعل ما نفعل وما فائدته؟ أم نستنشق الفن لأننا نحبه وحسب؟

ليس للإنسان أن ينغلق على ذاته في إطار النافع والمفيد لئلا يفقد ما يجعل منه روح الكون. ماذا تنفع المحبة والصداقة؟ لا شيء. الحب هو أن يضيع الإنسان وقته مع صديقه وفي سبيله

(شارل ديليه اليسوعي)

لو كانت الجنة والنار بيدي لأحرقت الجنة واطفأت النار .. لنُحِب الله حباً خالصاً وليس عن خوف أو طمع.

()

امتلأت الكتب والعظات بالحديث عن أسباب تجسد المسيح ووجوبه، ووضع البعض نظريات قضائية مثل “” التي تصور الله وكأنه يعاني معضلة لتوفيق عدله ورحمته حتى يصبحا على قدم المساواة، وتصبح المازورة الإلهية بلا عيب. وإلى أصحاب تلك النظريات يوجه الأب “شارل” حديثه قائلًا إن الله ليس بحاجة إلى فعل أي شيء للتوفيق بين صفاته وإنه تجسد حبًا للإنسان وحسب، لا بسبب الخطيئة أو السقوط.

يصف “شارل” التجسد باعتباره تعبيرًا عن الحب، ورغبة في الاتحاد بطبيعة المحبوب، والوصول إليه بشتى الطرق. لا يحتاج الله إلى السقوط، والمعضلات القضائية لكي يظهر حبه وشخصه للإنسان.

كان الله سيفعلها حتى وإن لم يسقط آدم.

جنون الحب الإلهي

يصف “شارل ديليه” خلق الإنسان ككائن حر، لديه مسؤولية الاختيار بين الخير والشر، بالجنون الإلهي. حين أراد الله أن يخلق كائنًا أرضيًا أرقى من الحيوانات التي تُقاد دون اختيار، وأقل من الملائكة التي تحظى بقدرات خارقة لا يقوى عليها الإنسان. من المؤكد أنه رأي الكثير من الأخطار المحدقة تلوح في الأفق، لكنه على الرغْم من ذلك، فاض حبا وخلق كفنان يطلق لجنونه العنان في مغامرة ربما تجلب له العناء. وفي تجسده كذلك، لم يخل أيضًا من جنون المحب.

ليدخل العيد والفن والحب في الخليقة، وتصبح تلك النشاطات اللانافعة والمجانية العلامة المميزة للإنسان، ولما فيه من قلق، ونتساءل ماذا لو كان الله الترف الأسمى، الذي لا نفع له وهو في الوقت نفسه جوهري؟ ماذا لو كان أسمى عمل هو ما يتم في تلك الهنيهات النادرة من العبادة، حيث نتخلى عن كل ما هو قابل للكسب، ونروح ننشد معجبين بالسر الإلهي؟

(شارل ديليه اليسوعي)

الإنسان هو الحيوان المدعو ليصير الله

هكذا صاغ “شارل ديليه” جوهر المسيحية… إن الله صار مثلنا لكي نصير مثله. إن الله يدعونا كي ننمو في الإنسانية سائرين نحوه لكي نشابه صورته. لذلك، لم يعطنا وحيًا جامدًا أو دستورًا تقليديًا، بل وحيًا يتطور وينمو مثلنا. فعلى مر التاريخ، تلمسنا السبل إلى الحرية والسعادة، أدركنا كرامتنا شيئًا فشيئًا. أصبحنا لم نعد نقدر في يومنا هذا أن نقبل ما قاله بولس عن خضوع العبيد لساداتهم أو خضوع المرأة للرجل. كانت الإنسانية مثل طفل ينمو في النضج والقداسة، تعينها كلمات الوحي الإلهي تارة، وتارة أخرى تدرك مسئوليتها في عملية النمو.

قدمت أسفار العهد القديم صورة بدائية عن علاقة الله بالإنسان، ربما كانت مناسبة للبشر حينها؛ لكنها الآن لم تعد مناسبة لنا. تطور الوحي عبر الزمن من أسفار ترى أن التقوى لازمة لتوسيع التخوم واتقاء الشرور التي تسقط من السماء كنوع من العقاب لمن يبتعدوا عن الله، إلى أسفار تدعو الإنسان إلى اتقاء الله مجانًا، وتنفي توصيف الشر كعقاب الإلهي  (مثل سفر أيوب الذي كان بارًا).

يدعونا “شارل ديليه” للبناء على ما قُدم لنا من نصوص، وللتحرر من عبادة النص إلى عبادة الإله الواحد الذي لم يصمت بعد، ويستمر في وحيه.

المسيح لا يخلق نموذجًا للإنسان، بل الإنسان يجد ذاته

(ديتريش بونهوفر)

إن دساتير السلوك هي الخط الذي رسمه لنا السلف في محاولة لأنسنة الوجود، نجحوا فيها جزئيًا، على أن الضعف والشر تركا بصمتهما في ما شرعا القيام به، فبقى علينا أن نصحح الطريق ونتابعه. علينا أن نثق بالسلف ونحترم القواعد التي وضعها، دون أن نتركها تغشى أبصارنا … الحكم يبقى في النهاية من صلاحيات ضميرنا.

(شارل ديليه اليسوعي)

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

إلهي لا نفع له 3
‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎