تعيش العقلية القبطية المعاصرة وفق بعض المسلمات السمعية، حتى وإن كانت اختراع أحد الأشخاص وليست داخل الكتاب المقدس، وربما لمكانة أحدهم لا نراجع ما يقول، ولم يحاول كثيرون داخل ال الأرثوذكسية التفكير أو البحث أو التدقيق أو حتى قراءة الكتاب المقدس للتفكير في هذه المسلمات ومن بينها: “أسطورة سلطان للكهنة”، التي يعظ بها قطاع كبير من الأساقفة والكهنة على مسامع الشعب في مختلف المناسبات، ويردد كثيرون الآية المقطوعة من سياقها التي تقول: كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطا في السماء، وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولًا في السماء ليهدد بها الجميع لما للكهنة من سلطان يمكن أن يسحقك إذا فكرت في انتقاد تصرفات أحد ال.

قبل مناقشة تلك المسلمة أود طرح بعض الأسئلة: هل المسيح يفرق بين البشر؟ هل يتعامل المسيح مع أحبائه البشر باعتبارهم درجات وتوجد فئة أقرب من فئة لديه؟ أو فئة أعلى من فئة؟ إذا كنت ترى أن الإجابة نعم فنصيحة لا تكمل هذا المقال، وإذا كنت ترى أن الإجابة لا، فتعال نراجع تلك الآية من خلال متى 18 ونرى ماذا كان يقصد المسيح بها.

يبدأ الإصحاح بسؤال التلاميذ عمّن الأعظم في ملكوت السموات، وكان رد المسيح:

1 فِي تِلْكَ السَّاعَةِ تَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ إِلَى يَسُوعَ قَائِلِينَ: «فَمَنْ هُوَ أَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ؟»
2 فَدَعَا يَسُوعُ إِلَيْهِ وَلَدًا وَأَقَامَهُ فِي وَسْطِهِمْ
3 وَقَالَ: «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ.
4 فَمَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مِثْلَ هذَا الْوَلَدِ فَهُوَ الأَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ.
5 وَمَنْ قَبِلَ وَلَدًا وَاحِدًا مِثْلَ هذَا بِاسْمِي فَقَدْ قَبِلَنِي.
6 وَمَنْ أَعْثَرَ أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ الْمُؤْمِنِينَ بِي فَخَيْرٌ لَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي عُنُقِهِ حَجَرُ الرَّحَى وَيُغْرَقَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ.

(إنجيل متى الإصحاح 18 الآيات 1: 6)

من بداية الإصحاح، والمسيح يلغي من ذهن التلاميذ الذين هم باكورة أتباعه، والذين تناموا اليوم ليكونوا مليارات البشر، بأنه ليس هناك أحد أعظم من أحد، بل طلب منهم أن يصيروا مثل الأطفال ليدخلوا ملكوت السموات، وألا يعثروا أحد هؤلاء الصغار، ثم يتحدث عن الخروف الضال ويوضح أنه:

11 لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ.
12 مَاذَا تَظُنُّونَ؟ إِنْ كَانَ لإِنْسَانٍ مِئَةُ خَرُوفٍ، وَضَلَّ وَاحِدٌ مِنْهَا، أَفَلاَ يَتْرُكُ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ عَلَى الْجِبَالِ وَيَذْهَبُ يَطْلُبُ الضَّالَّ؟
13 وَإِنِ اتَّفَقَ أَنْ يَجِدَهُ، فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَفْرَحُ بِهِ أَكْثَرَ مِنَ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ الَّتِي لَمْ تَضِلَّ.
14 هكَذَا لَيْسَتْ مَشِيئَةً أَمَامَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ.

(إنجيل متى الإصحاح 18 الآيات 11: 14)

فالمسيح بالإشارة للخروف الضال، يوضح أن الواحد مثل التسعة والتعسين، وأن الجميع لديه سواء، وإذا ضل أحدهم، يسعى ورائه ليضمه لبقية المجموعة دون تفريق.

ثم نأتي للجزء الخاص بالحل والربط بين السماء والأرض، ونرى هل كان يتحدث المسيح مع تلاميذه باعتبارهم الصفوة أو الخاصة ويمنحهم سلطانا مختلفا؟ هل يناقض السيد نفسه، فيبدأ مع التلاميذ بكلامه عن أنه لا يوجد أعظم ولا يوجد صفوة بأن يقول لهم إنكم مميزون دونا عن بقية أتباعي؟!

15«وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ.
16 وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، فَخُذْ مَعَكَ أَيْضًا وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ، لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ.
17 وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَقُلْ لِلْكَنِيسَةِ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّارِ.
18 اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ.
19 وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: إِنِ اتَّفَقَ اثْنَانِ مِنْكُمْ عَلَى الأَرْضِ فِي أَيِّ شَيْءٍ يَطْلُبَانِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُمَا مِنْ قِبَلِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ،
20 لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ».
21 حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بُطْرُسُ وَقَالَ: «يَا رَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟»
22 قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ.

(إنجيل متى الإصحاح 18 الآيات 15: 22)

يشير المسيح في هذا الجزء إلى الخصومة التي تقع بينك وبين أخوك، ويطلب منك أن تعاتبه بينك وبينه وأن تحاول أن تربحه بكل الطرق، وإن لم يستجب بعد تدرج المحاولات فليكن عندك مثل الوثني والعشار، ثم قال جملته الشهيرة التي يتم قطعها من هذا السياق لإلباسها زورا بأنها سلطان للكهنوت لحل وتقييد البشر، على الرغْم من أن المسيح يتحدث عن الخصومة، فجاءت هذه الجملة ليؤكد أن ما يحدث بيننا على الأرض هو ما يحدث في السماء، يعني خلافنا على الأرض سيكون في السماء، وحل خلافنا على الأرض سيحل في السماء، ثم يكمل هذا المعنى بقوله إذا اتفق اثنان منكم على الأرض في أي شيء يطلبانه يكون لهم من قبل الآب، ثم يأتي سؤال بطرس عن كم مرة يغفر لأخيه، ليتأكد لنا أن السياق له علاقة بالخصومة ولم يكن المسيح يميز تلاميذه أو يمنحهم وضعا استثنائيًا فوق البشر ويهبهم سلطانا على الآخرين؟ وإلا كان ذكر ذلك بوضوح كما قال:

هَا أَنَا أُعْطِيكُمْ سُلْطَانًا لِتَدُوسُوا الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ الْعَدُوِّ، وَلاَ يَضُرُّكُمْ شَيْءٌ.

(إنجيل لوقا الإصحاح 10: 19)

ثم ينتهي الإصحاح بمثل العبد الذي سامحه سيده، وعندما خرج لم يسامح أخوه، فكان عقابه شديدًا، فأي سلطان منحه المسيح للتلاميذ في هذا الحديث؟ وإذا كان التلاميذ هم الأتباع الأوائل للمسيح، وأوصاهم أن يبشروا ويكرزوا الناس، فقد طلب منهم ألّا يحملوا زادا ولا عصا، وأن يخدموا الكل، لا أن يمارسوا عليهم فوقية وادعاء سلطان كاذب، فمن يريد أن يقول على نفسه إنه خليفة التلاميذ فعليه أن يفعل ما فعلوه، وأن يبذل نفسه لأجل الآخرين، لا بالتعالي عليهم وادعاء أن له ميزة وحصانة وسلطان فوقهم.

كهنوت المسيح وكهنوت العهد القديم

تقرأ  كنيستنا القبطية وكافة الكنائس التقليدية، فصل الإنجيل الخاص بالويلات من قبل المسيح لرؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين في العهد القديم، ثم يقف بعدها الكاهن أو الأسقف للحديث عن هذا النموذج السيئ من تصرفات كهنة العهد القديم في زمن المسيح، ويذكرنا بأن كهنوت العهد الجديد مختلف عن هذا الذي رفضه المسيح، وأنه كهنوت بذل وخدمة وعطاء، وليس كهنوت سلطان، وهذا صحيح ونجد أمثلة على هذا الكهنوت في كهنة وإكليروس كثيرين على مدار تاريخ كنيستنا، كما نجد عكسه تمامًا في كثيرين أيضا على مدار تاريخ كنيستنا وفي زمننا الحاضر.

الفكرة ليست في تقسيم زمني بين عهد جديد وآخر قديم، الفكرة في نظامين مختلفين، أحدهم قديم وتسلط على رقاب الناس، والجديد خادم للكل، يقدم المحبة والبشارة المفرحة لكل البشر، وإذا لم يفعل الجديد ما هو مطلوب منه، وحاد عن طريق المحبة والبذل الذي رسمه المسيح، فإنه يصير مثل القديم ولن يشفع له أنه يتواجد في الزمن الجديد.

هوذا لا يضلكم أحد، ويردد على مسامعكم كلامًا غير موجود بالإنجيل، ويدعي أن خدام المسيح وخدام أحباء المسيح من البشر لديهم سلطانا يحلون ويربطون ما يشاؤون، فهذا كذب وتدليس، ما يجب أن يكون لديهم هو الحب وتقديم الحب وإذا لم يفعلوا ذلك، فهم يضللونكم بادعاءات واهية مثل حماية الإيمان وحماية العقيدة.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

بيتر مجدي

باحث وكاتب صحفي متابع للشأن الكنسي وشؤون الأقليات.
زميل برنامج زمالة الأقليات- مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان- ، جنيف/ ستراسبرج 2023.
زميل برنامج "" () لشبونة 2022.

‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎