تعلمنا أن الكنيسة هي سفينة وميناء راحة بالنسبة للمؤمنين، وهي المكان الذي نذهب إليه لمقابلة المسيح والتعرف عليه، لكن قد تصدم حين تذهب للكنيسة ولا تجد المسيح هناك، وتكتشف أن بعض الكنائس لا تعرفه! وممارساتها تؤكد أنهم لا يعرفون المسيح، ولم يسمعوا منه، بل على العكس ينفذون عكس وصاياه، فالمسيح أراد أن يجمع كل البشر، والقائمين على بعض الكنائس في حي مصر الجديدة شرق القاهرة يفرقون بين المؤمنين على أساس طبقي.

في مثل الخروف الضال حكى المسيح أن الراعي ذهب للبحث عن الخروف الضال ليعيده إلى الحظيرة مع الـ99 الآخرين، ولكن الكنائس لا تنفذ وصايا المسيح بل صارت تلفظ بعض المؤمنين، وتحولت إلى مؤسسات اجتماعية واقتصادية، ورياضية وفنية ربحية، تفكر في الربح المادي، وتناست دورها الرعوي في كسب نفوس البشر وفتح الآفاق أمامهم لمعرفة المسيح، فبعض تلك الكنائس وللمفارقة تمنع حضور القداسات والتناول على من هم خارج عضوية الكنيسة أي لا يقطنون الحي السكني، وكذلك حضور بالنسبة للأطفال، وتقسمها لقسم خاص بأبناء الأغنياء وآخر لأبناء العاملين الذين يعملون في هذا الحي، لكنهم يسمحون بصلاة الإكليل (الفرح) لمن هم خارج الحي السكني طالما يدفعون ثمن تأجير الكنيسة الذي يتراوح في هذه الكناس بين 3 آلاف جنيهًا و12 ألف جنيهًا وربما أكثر.

أعود لما قُتل بحثًا، ونحفظه جميعًا عن ظهر قلب بأن تعريف الكنيسة أنها “جماعة المؤمنين”، وإننا جميعًا نشترك في كوننا “أعضاء جسد المسيح”، هذه الشركة تم فضها قديمًا، بسبب صراعات سياسية على السلطة بين قادة الكراسي فولدت الفرقة والانشقاق، وحاليًا يتم ممارسة سلطوية من بعض ال على بقية أعضاء جسد المسيح، إضافة للتفرقة الطبقية والمسيح لم يفرق بين البشر بل بحث عن الفقراء والمرذولين والمنبوذين.

قد يجيبني البعض بأن ما يحدث في هذه الكنائس هو نوع من أنواع التنظيم لضبط الخدمة وسهولة التعامل مع الرعية، واتفق مع هذا الطرح ولا أعترض على وجود نظام، فهو مهم، لكن لنفحص النظام المتبع في تلك الكنائس، وهل هو جيد وفي صالح الكنيسة (جماعة المؤمنين- أعضاء جسد المسيح) أم لا؟

منذ انتشار وباء كورونا والدخول في حظر مدة عامين تقريبًا، توقفت صلوات القداس والخدمات المختلفة، ثم مع انحصار الوباء بدأت الكنائس تعود لممارسة الصلوات ونشاطاتها مع مجموعة من الضوابط والإجراءات الاحترازية. وبالفعل بدأت الكنائس في تلك الفترة إقامة القداسات يوميًا وتقسيم أعداد المؤمنين على أيام الأسبوع للتقليل من الزحام، ومع ذلك تم التمسك بمنتهى الجمود بـ “الماستير” (ملعقة التناول) ورفض التنازل عنها، وهي ملعقة وحيدة ستمر على أفواه الجميع من الكاهن والشماس لأصغر طفل، وهذا ليس موضوعونا الآن، لكن مع انحسار كورونا تمامًا منذ عامين عادت الكنائس وكافة أنشطة البشر لما كان قبل كورونا.

وهنا أذكر مواقف مر بها مقربين لي مع تلك الكنائس، الأول حينما أراد صديق يمر بكنيسة تقع في أشهر ميادين حي مصر الجديدة لحضور القداس والتناول، فرفضوا دخوله للكنيسة بداعي أنه ليس من أبنائها، وأن الحضور بالحجز، أما الموقف الثاني فهو لأصدقاء أرادوا أن يحضر ابنهم مدارس الأحد في الكنيسة القريبة من بيت جده وتقع في الحي القريب من مطار القاهرة، ولكن رفض المسؤولين عن تلك الكنيسة ذلك الأمر، ولم يسمحوا بذلك إلا بعد أن شاهدوا أصدقائي في بيت الجد لفترة طويلة امتدت لشهور، أما الموقف الثالث فهو لكنيسة تقع في نطاق إحدى المدن الجديدة شرق القاهرة ولا يسمح المسؤولين عنها بدخول أحد من خارج الـ”كمباوند” الخاص بهم.

لم أرد ذكر أسماء تلك الكنائس لآن الهدف ليس التشهير، ولكن الهدف من هذا المقال هو وقف سياسات ونظام متبع في بعض الكنائس ليس له علاقة بالمسيح وتعاليمه، فهو أرسل تلاميذه ليبشروا ويعمدوا كل الأمم، وقال لهم مجانا أخذتم مجانا أعطوا، ولكن ما يحدث من الإكليروس اليوم وبعض من أعضاء جسد المسيح الذين يرون أنهم مميزون عن غيرهم لأنهم يمتلكون مالًا أو نفوذًا أو سلطة هو أمر في غاية الآسف ويدين تلك الكنائس والقائمين عليها.

هذا المقال هو دعوة لمراجعة تلك الكنائس وكهنتها ومجالسها والأساقفة العموم المسؤولين عن بعضها إن وجدوا، فهل من مستجيب؟ أم أن الطبقية صارت أمر مرحب به؟

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

بيتر مجدي

باحث وكاتب صحفي متابع للشأن الكنسي وشؤون الأقليات.
زميل برنامج زمالة الأقليات- مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان- ، جنيف/ ستراسبرج 2023.
زميل برنامج "" () لشبونة 2022.