Search
Close this search box.
هي مقولة كتبها البابا شنودة الثالث في كتابه "خبرات في الحياة" (ص19)، وقد رددتها الكنيسة فيما بعد إلى حد الإسراف، فمُحال ألا تكون قد سمعتها من قبل، بالأخص إذا كان لك ولع خاص بالعلم والثقافة، وتحب أن تتحرى بصدق عن كل ما تسمعه من تعاليم. فبمجرد أن تعترض على شيء ما، تجدهم يسارعون على جناح البرق بتسميع تلك المقولة المقتضبة التي تشبه إلى حد كبير مقولة "لا تجادل ولا تناقش يا أخ علي"، فهي مقولة يسهل جريانها على اللسان، في محاولة واهية ليبدو الجهل مقدسًا، ومحمودًا!

لكنهم لا يرددون فقط تلك المقولة، فهم بارعون في استخدام نصوصًا أخرى مثل “الْعِلْمُ يَنْفُخُ” و”اخْتَارَ اللهُ جُهَالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ“، وغيرها. فكما استخدم إبليس نصوصًا كتابية وهو يجرب المسيح، يستخدم البعض نصوص الكتاب المقدس للترويج للجهل! وكأن الله يخشى العلماء، ولا يجد في نفسه مددًا للإجابة على شكوكهم وتساؤلاتهم الواجبة! ثم، كيف يتثنى لي أن أؤمن بما لا أفهمه؟ وهل يجوز تسمية ذلك بالإيمان؟ فمعذرة يا عزيزي إن كنت تؤمن بما تؤمن به دون فهم ودراسة، فهذا ليس إيمانًا، ولكن مسايرة للمجتمع الذي وجدت نفسك فيه دون اختيار منك! ولو شاء الحظ العاثر لك أن تولد ضمن مجتمع آخر، يعبد إلهًا آخر كالأصنام، كنت ستظل على إيمانك؛ لأنك لا تفكر، ولا تشك.

والأمر المريب، هو أن تسمع هذه المقولة من خادم أو قس. فالخادم وظيفته هي التخصص في علم اللاهوت، فكيف للخادم أن يتحاشى الجدل اللاهوتي؟ فهذا دوره! فإذا تجنب الخادم المحاورات اللاهوتية، إلى من يذهب السائل إذًا؟! والأعجب أن يلجأ الخادم إلى هذه المقولة ردًا على ما لا يروق له من حوارات. فكلنا نتحاور حوارات لاهوتية، وعلى أتم استعداد أن ننتقد ما يؤمن به الآخرون، لكن البساطة تظهر حين يجب علينا التفكير والبحث قليلًا فيما نؤمن به. فهنا تبدأ الأزمة. لا أحد يريد أن يكلف نفسه ذلك العناء. فدعنا نردد ما نحفظه، ونغني قليلًا إلى أن يجيء المسيح ويأخذنا معه إلى ذلك المكان اللطيف، وحينها ينقشع الضباب، وتبدأ متعة المعرفة. لكن لماذا لا تبدأ هذه المتعة من الآن؟ لماذا لا يبدأ ملكوت الله من هنا؟ ولماذا نركز فقط على الذهاب إلى الملكوت كما لو كنا نريد أن نحجز مكانًا للسكن؟ أليست الحياة الأبدية هي

أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيّ وَحْدَكَ

(الإنجيل بحسب يوحنا 17: 3)

فلماذا تنتقدون اللاهوتيين إذًا؟ هم يحاولون معرفة الله والوصول إليه، بينما تصورهم تلك المقولة باعتبارهم جماعة من الأغبياء يضيعون وقتهم، ويصدعون رؤوسهم بما لا يهم، بينما يصل البسطاء إلى السماء بالفعل، فاللاهوتيون يتجادلون على الأرض، كالعميان، لا يرون مشهد التسلل المهيب الحادث أمامهم!

هل تظن أن البسيط، أو غير المتعلم لا يشك، ولا يسأل لمجرد أنه يفتقر إلى المصطلحات اللغوية التي يعبر بها المتعلمون عما بداخلهم؟ لا تظن أن الأقل علمًا لا يدور في ذهنه أسئلة العالم ذاتها، فهو يفكر، ولديه عقل مثل العالم تمامًا، ويستطيع أن يفكر في أمور شديدة العمق. فحتى لو لم يكن قادرًا على التعبير عنها، ظنًا منه أنه سيكفر بالله، أو خوفًا من المجتمع، هو يفكر، ويحلل. وخير مثال على ذلك هم الأطفال، فهم يتساءلون ببراءة أسئلة مثل: “لماذا لا تتكلم الحيات والثعابين الآن رغم أن الله لم يأمرها بالخرس؟” و”كيف خلق الله النور قبل الشمس، والقمر، والنجوم”. فهل ستتهم الطفل بأنه متكبر كما تتهم من نفخهم العلم من الكبار؟ ويظل الطفل يفكر، ويسأل إلى أن يسلب منه المجتمع تلك الهبة شيئا فشيئا.

وفقًا لعلم الأعصاب، يختص الفص الأيسر من مخ الإنسان بالبحث عن الدليل، ورؤية العالم من منظور منطقي، بينما يختص الفص الأيمن بالتعامل مع الواقع غير المعلوم بطريقة شعورية، حسية. نعم، يمكن فهم الروحيات من خلال الفص الأيمن الذي لا يهتم بالتحليل المنهجي، لكن فهمك لله من خلال هذا الجانب فقط لا يكفي، فعندما تصدمنا الحياة بتجاربها المريرة، يصبح الاعتماد على المشاعر صعبًا؛ فالمشاعر تتغير بتغير الظروف، وحين نصطدم بالأسئلة والتجارب، يصبح منقذنا الوحيد هو المخزون الفكري الذي يفسر لنا ما يحدث، ويصحح صورة الله في أذهاننا على الرغم من قسوة الحياة. فحين يصاب المؤمن بالاكتئاب، ويقع في براثن التجربة، وتصبح مشاعره خاوية لا طعم لها، يسترشد بعقله إلى الصواب. فلماذا نطالب البسطاء بالاكتفاء بالجانب الشعوري، أو الفص الأيمن من المخ؟ ألا ترى أن البسطاء من حقهم الاستمتاع بالحياة مع الله شعوريًا وفكريًا؟

تُحِبّ الرّبّ إِلهَكَ مِنْ كُلّ قَلْبِكَ … وَمِنْ كُلّ فِكْرِكَ

(الإنجيل بحسب لوقا 10: 27)

فحين تطالب المؤمن أن يعيش بنصف مخ، أنت تحرمه من الكثير. وتسطيح الإيمان، واختزاله بهذا الشكل يعد سببًا رئيسيًا للإلحاد. روت لي صديقة ذات مرة قصة جارة لها، ذات بصيرة وضاءة بالإيمان، وقلب مفعم بالتدين، فهي لا تفوت فرضًا من الفروض، وتصوم رمضان دائمًا، وحين التقت هذه السيدة بأحد الملحدين، مل لبثت أن اقتنعت بكل ما قاله لها بكل سهولة! فحين لا يجد المؤمن الإجابات المرضية ليجيب بها من يسأله، لا يلبث أن يصبح كالقشة في مهب الريح، تحركه قوى جاذبة وأخرى دافعة! والملوم أمام الله في هذه الحالة هو رجل الدين الذي لا يقوم بدوره كما يجب، وبدلًا من أن يدرس ليعلم الشعب البسيط، يلجأ لترديد تلك العبارات التي لا تفيد من يكتنفه الشك من كل جانب!

ربما يقول أحدهم أن البسيط غير قابل للتعلم، وبالتالي يكفي أن نكلمه بالعظات الكنسية المعتادة، ونلقنه الآيات، والقصص ليحفظها عن ظهر قلب. لكن، في الواقع الشخص البسيط يمكنه تعلم أي شيء، مهما كان صعبًا في وجود وسائل شرح تبسيطية. وأتذكر تلك المرة التي رأيت فيها أحد سائقي التوكتوك، وهو يشاهد برنامج الدحيح، لأحمد الغندور، وهو برنامج علمي، يختص بتبسيط العلوم، مثل الفيزياء، والفلسفة، وما إلى ذلك. ولم أجد الأمر مدهشًا، فمقدم البرنامج معروف ببراعته في جذب انتباه الجميع؛ لأنه يتحدث بطريقة بسيطة، ومفعمة بالفكاهة. لذلك، لا يمكننا أبدًا اللجوء إلى السطحية معللين أن البسيط، أو من لم يحالفه الحظ بقسط من التعليم، لن يفهم.

نعم، اختار الله جهال العالم ليخزي بهم الحكماء، ولا يعني هذا أن الله يحب الجهل، ويطالبنا بالجهل ليختارنا (حاشا)، فالله يختار الجهال ليحولهم إلى حكماء ليدهش حكماء العالم حين يدركون قوة الله الحقيقية. فالرسل لم يظلوا جهال بعد أن اختارهم الله، بل ازدادوا حكمة، وكتبوا إلى المسكونة بأكملها. وهل تعتقد أن بولس كان يروج للجهل حين قال “العلم ينفخ” ردًا على الانشقاقات الكنسية بسبب الخلاف حول تناول اللحم؟ فبولس لم يكن يتحدث عن العلم اللاهوتي أو الفلسفي بل عن التشدد الديني والتركيز على الفروض والطقوس (نأكل أم لا نأكل؟). لذلك، كف عن تصوير الله كأنه محبًا للجهل. أما كنت تحب الجهل، وتريد أن تحيا كذلك، فهنيئًا لك بجهلك.

في الماضي، كان العلم يُهدي إلى الله. فكانوا يقولون بصوابٍ: قليل من العلم يُبعد عن الله، وكثير منه يردّ إليه

(الأب فرنسوا فاريون اليسوعي)

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

[ + مقالات ]