على مدار سنين، لا أعلم ما هو عددها، اشتد الجدال حول الطوائف المسيحية حتى اضطرم واشتعل ونتج عنه ما نتج من معارك صبيانية، بل وأدى إلى الحروب والتكفير في بعض الأحيان. ومع الأسف الشديد، تظن كل طائفة أنها الطائفة الناجية أو سعيدة الحظ التي أنعم الله عليها بالمعرفة دون غيرها؛ فهم جهابذة اللاهوت وحدهم، لا يكترثون للجهال ممن لم يحالفهم الحظ أو اشتد بهم الكبرياء فلم ينضموا إليهم. وبحكم أني استمع إلى جميع الأطراف، قد استمعت إلى ما لا يسر أذن هنا وهناك. فالبروتستانت يتعاملون مع الأرثوذكس على أنهم جوقة من عبدة الأصنام الجاهليين، والأرثوذكس يلقبون البروتستانت بالمهرطقين، المحتجين، الذين لا تناول عندهم ولا صيام.
أنا لا أهدف بمقالي هذا أن ألعب دور حمامة السلام لأن الصراعات تشوه المنظر العام للمسيحين أمام الآخرين، صحيح أن هذا حق، لكن ما يدفعني إلى الدفاع عن اللاطائفية هو أنها وصية إلهية، وتعبير حقيقي عن أصل جوهر الله، كما وصفها الأب متى المسكين.
يا عزيزي كلنا منشقون
تظن كل كنيسة أنها هي وحدها الكنيسة الأولى، وأن البقية جماعة مارقة. لكن الكنيسة الأولى هي في الحقيقة أشبه بقاعة واسعة من الحضور، يغادرها فرد من أفرادها في كل حقبة زمنية. ففي عام 451، انعقد مجمع خلقيدونية، لتنشق كنيسة الإسكندرية عن الكنيسة الأم، لتلقب نفسها بالأرثوذكسية؛ فقبل هذا المجمع، كانت الكنائس تسمى حسب مكان تواجدها (كنيسة الإسكندرية، وروما، وبيزنطة، إلى آخره) وكل هذه الكنائس كانت عبارة عن كيان واحد. فالأرثوذكسي هو منشق ومحتج مثله مثل البروتستانتي المنشق في القرن ال16، لكن للأسف حين نقوم نحن بالتمرد، نعده ثورةً للأفضل وحرصًا على العقيدة، ولكن إذا تمرد الآخر، يصبح التمرد سُبة. فنحن نثور لنهدم ما نراه فسادًا، لكن الآخر يثور لأنه متعجرف.
فللأسف، يجهل كثير من البروتستانت بكتابات آباء القبط، كما يجهل الأرثوذكس بكتابات عظماء الطائفة البروتستانتية – مثل سي إس لويس- كأنما تلك الكتابات زوائد ليست لهم، فكلٌ قابع داخل قوقعته التي انكمش عليها وانطوى. والاكتفاء الذاتي، والجهل بالآخر ليس علامة على الإيمان بل على الخواء العقلي، والتعصب القبلي، وهو صفة بدائية مع الأسف! فبولس حين تحدث عن خلاف المؤمنين حول ما ذبح للأوثان قال لهم:
“فَنَعْلَمُ أَنّ لِجَمِيعِنَا عِلْمًا”
(1 كورنثوس 8: 1)
لذلك، أدعوك أن تخرج من حصن كبريائك لتكتشف ما عند الآخر من تراث وإعلان إلهي.
إن قبلنا البروتستانت، سنقبل شهود يهوه، وربما عبدة الشيطان
هكذا يعلل البعض سبب رفضهم للوحدة، بأنهم إذا تساهلوا مع اختلافات البروتستانت، سينزلون في منحدر زلق ليقبلوا كل ما هو فاسد وشرير. وهذا التعليل -وبالأخص تشبيه البروتستانت بشهود يهوه- لا ينم إلا عن جهل من يطرحه. فالقائل هنا لا يعرف الفرق الواضح بين شهود يهوه والبروتستانت!
شهود يهوه، عزيزي القارئ، لا يؤمنون بالمسيح إلهًا، ففي اعتقادهم أن المسيح هو فقط أرقى من الملائكة بعض الشيء، وبالتالي هم ليسوا اخوة لنا في الإيمان من الأساس. وحسب قواعد المنطق، يعد هذا التشبيه مغالطة منطقية تسمى بمغالطة التشبيه الخاطئ – أي أن تعقد مقارنة بين أشياء لا تمت بصلة بعضها البعض. لذلك، كف عن ترديد هذه الحجة السخيفة؛ فقط لأنها ليست جيدة في حقك. وبهذا ننتقل إلى نقطة شديدة الأهمية، وهي كيف كان رأي الآباء الأوائل في قبول المختلفين.
متى نقبل المختلف، ومتى نرفضه؟
بالرجوع إلى ما قاله لنا آباء القرون الأولى، نجد أنهم لم يتركوا نقطة الوحدة والخلاف، على عكس ما نظن. فأنت تعلم أن الكنيسة الأولى شهدت قدرًا لا بأس به من الهرطقات التي شددت خطرًا على جوهر الإيمان، وشهدت أيضًا خلافات لاهوتية ليست من الخطورة في أن تصنف كهرطقة. ولذلك، تحير المؤمنون، كيف يفرقون بين الخلاف الطبيعي وبين الهرطقة؟ ويجيب القديس إيريناوس في الفترة ما بين ١٥٠ -٢١٠م، في كتابه ضد الهرطقات أن قانون الإيمان المسيحي الذي تم الاصطلاح عليه هو: “قاعدة الإيمان” التي يُحكم من خلالها (ضد الهرطقات ١ :١،١٠ :٢، مجلد ٧ :٥٤٩). وكان إيريناوس دائمًا ما يكرر هذه العبارة، التي استمر الآباء فيما بعد في ترديدها. فمثلًا، نجد القديس يوسابيوس يقول:
“لقد تركوا قاعدة الإيمان القديم، ولذلك هم لا يعرفون المسيح”
(يوسابيوس القيصري ٥: ٢٨)
والقديس هيبوليتوس يقول:
“لقد كتبنا كتباً دفاعية عن الإيمان، وبكفاية وبكل إسهاب شرحنا قاعدة الحق لكل من يرغب.”
(Eleneshos 10:5:1)
أي أن جميع الكتب التي كتبوها دفاعًا عن الهرطقات قد لخصها قانون الإيمان في إسهاب. ويمكنك أن تجد العديد من الاقتباسات الأخرى في هذا الصدد إذا بحثت. وكما نعلم أن الطوائف الثلاثة: الأرثوذكسية، والبروتستانتية، والكاثوليكية، تؤمن بقانون الإيمان كما هو، كما تشترك في أشياء أخرى كثيرة دون ذلك. ففكرة رأب الصدع ليست منافية للحق الإلهي؛ فبحسب رؤية آباء القرون الأولى، لا تعد الخلافات جوهرية أو في أصل العقيدة إلا إذا تعارضت مع قانون الإيمان، فالخلافات هنا تفسيرية فقط.
الخلاف حول الإفخارستيا
يعد خلاف الطوائف حول الإفخارستيا واحدًا من أهم الخلافات التفسيرية الشائعة؛ فسر الإفخارستيا حاضر في جميع الطوائف لكن الخلاف يدور فقط حول تفسيره؛ فكما نعلم أن الكنيسة الكاثوليكية تؤمن بالتحول الجوهري (أي تحول مادة القربان والخمر إلى جسد بيولوجي حقيقي للمسيح، من لحم ودم- مما يعني أنك إذا وضعت القربان تحت الميكروسكوب، سيظهر لك لحم إنسان حقيقي به خلايا حقيقية). وتؤمن الكنيسة الأرثوذكسية بتحول سرائري (أي أن القربان والخمر يتحولان بطريقة غير منظورة، سرية لجسد ودم حقيقي mystical).
وتؤمن الكنيسة البروتستانتية بوجود جسد حقيقي ودم حقيقي ليسوع بقوة الروح القدس، ويطلقون عليها الوحدة السرية أو الرمزية في أشكال الخبز والخمر ، كما يوضح الموقع الرسمي للكنيسة البروتستانتية هنا – وهي أقرب إلى العقيدة الأرثوذكسية منها إلى الكاثوليكية. ويمكننا أن نستثني فقط الكنيسة المعمدانية؛ حيث يؤمن المعمدانيون أن التناول هو نصب تذكاري للفداء، وستجد ذلك في موقعهم الرسمي هنا. كما يؤمن المعمدانيون أن التناول هو فريضة ينبغي أن يستمر عليها المؤمن طيلة حياته، وهي فريضة مقدسة لا ينبغي أن يشترك فيها غير المؤمن، كما يؤمنون كذلك باستحالة تناول يهوذا من الخبز والخمر، وبأنه غادر العلية قبل إتمام العشاء لقدسية هذا السر الذي يستحيل أن يتناول منه الخطأة! (المصدر: عقيدة المعمدانيين ورسالتهم لهيرشل هوبس ص68).
وفي محاولة لتقريب وجهات النظر، يقول الأب فرانسوا فاريون اليسوعي إن المحاولة لفهم حضور الله بشكل كامل ومطلق أمر مستحيل؛ حيث لا يمكن للمحدود أن يحد غير المحدود، ويقول:
” لا خلاف بين العلامة أو الرمز والحقيقة. فاطرحوا سؤالين على أحد الأولاد: ما هي المصافحة” لن يجيبكم أنها استهلاك طاقة عضلية سببه ضغط الكفين الواحد على الآخر. بل يجيبكم: أنها علامة تدل على الوفاق، والرفقة، والصداقة. فحقيقة المصافحة تكمن في أن تكون علامة. فالعلامة ليست شيئًا خارجًا عن الحقيقة، بل هي الحقيقة نفسها بأعمق ما فيها. فالقول بأن الإفخارستيا هي سر مثالي وعلامة فعالة، لا يعني على الإطلاق أنها خارج الحقيقة بل أنها أعمق الحقائق”
(فرح الإيمان، بهجة الحياة، ص302)
فلا عيب أبدًا في أن نقول إن الصواب في تفسيرين معًا أو أكثر! فهل سنجد يومًا ما اجتماعات متعددة الطوائف، منعقدة بشكل دوري، يتناول فيها المؤمنون معًا، كلٌ على حسب إيمانه؟
لكن البروتستانت ليس عندهم كهنوت، فكل صلواتهم مجرد هيجان على السطح
هل تعتقد يا عزيزي أن الله سيرفض جماعة ما لأنهم لم يرغبوا في الصدارة لأنفسم وقرروا التنازل عنها للمسيح؟ فهل إيمانهم بأن الصدارة للمسيح وحده، أو أن جميع المؤمنين كهنة فيه ما يغضب الله في شيء؟ فأنا أفهم أن الله يغضب إذا سلبت جماعة ما المجد والكرامة منه، لكن التنازل لا يعيب في شيء.
عقيدة البروتستانت بالنسبة للكهنوت
تؤمن الطائفة البروتستانتية أن رغبة الله الأصلية لشعب إسرائيل كانت أن يكونوا
“مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمّةً مُقَدّسَةً.”
(سفر الخروج 19: 6)
لكن الشعب أبى أن يصعد إلى الجبل، ولم يحقق قصد الله؛ فخصص الله الكهنوت لسبط لاوي فقط. ونلاحظ أن المسيح نفسه لم يأتِ من سبط لاوي بل من سبط يهوذا؛ فلاوي لم يتميز عن يهوذا في شيء. لذلك، يؤمن البروتستانت أن كنيسة العهد الجديد عليها أن تحقق رغبة الله الأولى، وتكون أمة كهنة، لتهتف له:
“الذي أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه، وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه”
(سفر الرؤيا 1: 5، 6)
الكاثوليك يؤمنون بصكوك الغفران، والمطهر، وعصمة البابا، وغيرها من الخرافات
يعتقد بعض البروتستانت والأرثوذكس أن الكنيسة الكاثوليكية لا زالت تعيش في العصور الوسطى، في غياهب الظلمات. لكن الحقيقة هي أن الكنيسة الكاثوليكية سعت مسعىً إصلاحيًا شاملًا، ورسمت لنفسها صورة جديدة تختلف كل الاختلاف عما سبق، بل وقدمت اعتذارًا للشعب، ويمكنك أن تلقي نظرة على الكتابات المعاصرة، وترى التغيير الجذري بنفسك. فالكاثوليك يمكنهم الآن انتقاد البابا البطريرك باعتباره إنساناً له ما له وعليه ما عليه.
الجهل الثقافي
من الظلم الشديد، بل ومن العنصرية أيضًا أن تحكم على إيمان الآخر وفقًا لثقافته الاجتماعية. فمثلًا، يقول بعض الأرثوذكس إن البروتستانت يرتكبون ما حرم الله من رقص وفرح داخل اجتماعات الصلاة، مما يدل على استهانتهم بالحضور الإلهي. أنا لا أريد أن أسرد لك قائمة بالنصوص الكتابية التي تحث على الرقص والابتهاج، لأن المتعصب يأبه فقط لما يروق له من نصوص. لكن اسمح لي أن استفزك قليلًا بهذا المقطع لكنيسة أرثوذكسية في زامبيا، يوضح كيف يرقص الأب الكاهن أمام المذبح بحضور الأسقف. وهناك مقاطع أخرى في كينيا، والعديد من الدول الأفريقية؛ فهذه ثقافة يا عزيزي، ليس إلا.
الكنائس الكاثوليكية أخذت من بيئتها الألحان الأوبرالية، وتأثرت ببيتهوفن وموزارت. وأخذت الكنيسة الأرثوذكسية الطابع الشرقي، واقتبست من الألحان المصرية القديمة؛ لذلك يغلب عليها طابع السكون والهيبة الفرعونية. وللعلم، هناك كنائس بروتستانتية في مصر تحرم الموسيقى تمامًا؛ لأنها تأثرت بالثقافة الرجعية المتخلفة التي تحيط بها.
والرقص هو علامة جسدية، ولا يعد تعبيرًا خليعًا في كثير من الثقافات. فمثلًا وضع ساق على ساق يعد في ثقافتنا علامة على عدم الاحترام، أما في الغرب لا يعتبر مرادفًا لذلك على الإطلاق. فهو مجرد وضع للجلوس، ويمكن للمرء أن يجلس بهذه الطريقة أمام أبيه ومعلمه، وهناك أمثلة أخرى كثيرة، لا مجال للدخول فيها. ورقص الأب الكاهن هنا ليس خليعًا على الإطلاق.
الوحدة والثالوث
ربما تسأل الآن، ما فائدة كل هذا الصداع؟ وما أهمية الوحدة؟ نعم، أفهم أن الفروق يمكن تقبلها، لكنني أريد أن أنحصر داخل أسوار كنيستي. ما العيب في أن أظن أني الأفضل أو الأول؟ وأيضًا كل طوائف العالم تتعارك، هل سمعنا يومًا عن الوحدة بين السُنة والشيعة؟ فلماذا يجب أن نختلف نحن كمسيحيين عن البقية؟
المختلف، عزيزي القارئ، هو أن الوحدة هي دعوة المسيح لنا، فقبل الصلب، صلى المسيح طالبًا الوحدة -وحدة كل من يؤمنوا به- ففي علمه بما سيحدث في المستقبل من انشقاقات، رفع قلبه قائلًا:
“لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنّكَ أَنْتَ أَيّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنّكَ أَرْسَلْتَنِي.”
(الإنجيل بحسب يوحنا 17: 21)
ووضع الوحدة عاملًا لتصديق العالم له. فقد صلى لجميع المؤمنين من جميع الأمم، ولكل العصور قبل مغادرته للعالم. فبدون الوحدة القائمة رغم الاختلاف، تبدو المسيحية كأي ديانة أخرى بها من الصراعات ما بها. فالوحدة هي علامة المحبة الأبدية، والرباط الإلهي الذي يستحيل سبر غوره.
وكما أن الثالوث هو اتحاد جوهري لثلاثة أقانيم في حالة محبة دائمة، رغم اختلاف أدوارهم، يريد الله أن يتمتع المؤمنون بهذه الوحدة. لكن يا للأسف، يصرخ المتعصب في وجه المسيح قائلًا: أنت لا تكفي يا رب لأتحد مع أخي. لا يكفي أن نتفق على الإيمان بك، نريد ما هو أكثر، فالطقوس، والتفاسير، والثقافة البيئية أهم منك ومن جوهر الإيمان!