وَأَمَّا الأَحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذًا فَانْطَلَقُوا إِلَى الْجَلِيلِ إِلَى الْجَبَلِ، حَيْثُ أَمَرَهُمْ يَسُوعُ.
وَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ، وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا.
فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ.
وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ». آمِينَ(إنجيل متى 28: 16-20)
كانت تلك السطور التي اختتم بها متى البشير إنجيله، تسجل إرسالية المسيح لتلاميذه، عند ظهوره لهم عقب قيامته المجيدة، والمهام التي كلفهم بها تُعد محاور عمل الكنيسة: تلمذوا، عمدوا، علموا. وانطلقت الكنيسة بثقة وقوة تترجم الإرسالية إلى فعل، في كل أرجاء المسكونة، مدعومين بوجوده معهم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر.
كانت القوة من الله وبه الذي حسب توصيف القديس بولس:
أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ(رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 4: 6)
ويحدد القديس بولس ماهية الخدام الذين آلت اليهم هذه المسؤلية أنهم:
خُدَّامِ الْمَسِيحِ، وَوُكَلاَءِ سَرَائِرِ اللهِ، ثُمَّ يُسْأَلُ فِي الْوُكَلاَءِ لِكَيْ يُوجَدَ الإِنْسَانُ أَمِينًا
ويستطرد ق. بولس في توصيف من ثُقلوا بهذه المهمة:أَرَى أَنَّ اللهَ أَبْرَزَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ آخِرِينَ، كَأَنَّنَا مَحْكُومٌ عَلَيْنَا بِالْمَوْتِ
* لأَنَّنَا صِرْنَا مَنْظَرًا لِلْعَالَمِ، لِلْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ.
* نَحْنُ جُهَّالٌ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحُكَمَاءُ فِي الْمَسِيحِ!
* نَحْنُ ضُعَفَاءُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَأَقْوِيَاءُ! أَنْتُمْ مُكَرَّمُونَ، وَأَمَّا نَحْنُ فَبِلاَ كَرَامَةٍ!
* إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ نَجُوعُ وَنَعْطَشُ وَنَعْرَى وَنُلْكَمُ وَلَيْسَ لَنَا إِقَامَةٌ. وَنَتْعَبُ عَامِلِينَ بِأَيْدِينَا.
* نُشْتَمُ فَنُبَارِكُ. نُضْطَهَدُ فَنَحْتَمِلُ.
يُفْتَرَى عَلَيْنَا فَنَعِظُ. صِرْنَا كَأَقْذَارِ الْعَالَمِ وَوَسَخِ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى الآنَ.
لَيْسَ لِكَيْ أُخَجِّلَكُمْ أَكْتُبُ بِهذَا، بَلْ كَأَوْلاَدِي الأَحِبَّاءِ أُنْذِرُكُمْ(رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس 4)
ولعلك عزيزي القارئ تابعت معي صدمة التصعيد في أزمة أبينا المطران الأنبا بنيامين، مطران إيبارشية المنوفية، مع المهندس كيرلس ناشد، أحد رعية الكنيسة، التي قفزت من فوق أسوار الكنيسة واقتحمت باحات المحاكم، بالمخالفة لما استقر في قوانين وأعراف الكنيسة.
وأظنه تصعيد كاشف لأزمة الكنيسة في استيعاب مفهوم وأبعاد وتبعات الرعاية، وقد اختلط بما استقر خارج أسوارها بالسيادة والسلطة والتراتبية، التي تخالف ما يناظرها داخل أروقتها المحكومة بغطاء الأبوة والبنوة، الذي يضع على كاهل الأب ويثقل قلبه بالسعي لاحتواء أبنائه لحساب المسيح والملكوت. في استحضار ما سبق وأوردناه على لسان القديس بولس الرسول.
ويقيني أن حكماء الكنيسة يئنون من هذا التصعيد الذي قد يحدث شرخًا له تكلفته الباهظة خصمًا من سلام وبنيان الكنيسة، ويتطلعون لمن يبادر برأب الصدع، وأظنها مهمة وواجب مجمع الأساقفة، في لحظة دقيقة تعيشها الكنيسة، تنطبق عليها ما قاله ق. بولس:
لأَنَّنَا لَمَّا أَتَيْنَا إِلَى مَكِدُونِيَّةَ لَمْ يَكُنْ لِجَسَدِنَا شَيْءٌ مِنَ الرَّاحَةِ بَلْ كُنَّا مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ: مِنْ خَارِجٍ خُصُومَاتٌ، مِنْ دَاخِل مَخَاوِفُ(رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 7: 5)
هل يبادر آباء المجمع بالتصدي لدورهم في مبادرة مصالحة بين الأب المطران وابنه، أم نكرر ما قاله أيوب في القديم:
لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا(سفر أيوب 9: 33)
صدر للكاتب:
كتاب: العلمانيون والكنيسة: صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي ٢٠١٥
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٨