كراهية النفس واحتقارها self loathing هو – باختصار مخل نوعاً ما – الإحساس الدائم بأنني لست كافياً ومهما فعلت فأنا غير مستحق ولا أساوي شيئاً وصوتي الداخلي دائم الانتقاد والتقريع مع ثقل الذنب المستمر المتزايد على الأكتاف. كراهية النفس قد تعوق مسيرة حياتك اليومية وتمنعك من إتخاذ القرارات المهمة أو المخاطرة أو تعيق تواصلك مع الآخرين ورغبتك في تحقيق الأهداف والنجاح، وقد تؤدي إلى إيذاء النفس بشكل مباشر أو غير مباشر، يصل في كثير من الأحيان إلى التخلص من الحياة بأكملها.

يتجذر إحتقار الذات في النفس بطرق عدة كثيرة، يهمنا منها هنا في سياق المقال هو بعض التعليم الكنسي غير المتزن بلا روح تمييز والذي للأسف ينتشر بيننا كالوباء.

تأمل معي كلمات تلك الترتيلة التراثية التي اعتادت الكنائس على ترديدها في إجتماعات الخدمة. وأترك لك عزيزي القارئ فرصة للتجرد من تعلقك التراثي وتقييم تلك الكلمات مجردة على مقياس محبة / احتقار النفس.

مين أنا مين.. يمكن نسيت أنا مين.. أنا التراب افتكري يا نفسي.. أنا التراب إياكِ تنسي، إياكِ تنسي

وتطور الموضوع مؤخراً إلى صدور ترنيمة للاطفال الصغار على نفس النهج من كلماتها

اوعى تقول أنا، أنا، وتحس إنك حاجه كبيرة.. ده إنت مهما كبرت وعليت، جواك طبيعة شريرة

صانع الخيرات.. نؤمن أن الله هو صانع الخيرات وحيث أنه هو صانع الانسان؛ إذن فالأصل في الإنسان هو الخيرات، وكل ما هو شر فهو دخيل على طبيعته التي خُلق عليها، والتي تطل علينا واضحة في الرواية الأولى للخلق في سفر التكوين وقال الله نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا … فخلق الله الانسان على صورته على صورة الله (تك ١: ٢٦ ، ٢٧). الانسان مخلوق على صورة الله؛ هذا هو أصل الإنسان. كون أن الله في أشار إلى استخدام تراب الارض في عملية إنشاء أبو البشرية حسب التقليد المُسَلّم؛ لا يعني مطلقاً أن الأصل هو التراب، الأصل هو كائن على صورة الله والتراب هو حالة ما قبل الخلقة بتدخل يد الله. فليس من المنطقي أن أولول مرتلاً (أنا التراب افتكري يا نفسي) متجاهلاً أن ليس هذا هو ما صنعه الله في خلقتي. أي فائدة روحية قد تعود عليّ في أن أتحداه أو أتجاهل تكريمه لي من قبل خلقي بأن جعلني على صورته ومثاله؟! أي فائدة تعود عليّ بالتصميم على غرس وتثبيت تلك الصورة الغير حقيقية المنحطة والمنافية لمقاصد الله في خلقة الإنسان؟! الله يراني ملآن خيرات، وإنعكاس صورته وهذا هو أعظم محفز للإنسان أن يحافظ على أصالته الراقية؛ فمهما سقط فليس هذا هو النمط الأساسي بل سقوطه كبوة يتبعها قيام للوضع الأصيل الكريم السامي.

بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ.”
(تك 3: 19)

يتذرع البعض بنص الآية السابقة بأن هذا هو تعليم كتابي. متناسين السياق الحقيقي للقصة بكل بساطة دون تأويل. الرب هنا يشرح لآدم نتائج خروجه من عدن والتي منها الموت البيولوچي والتحلل والذي هو أمر جديد تماماً على آدم ولا يعي ماهيته او كنهته. فهنا في القصة التوراتية لا يشير الله إلى مكانة آدم أو إلى التحقير من شأنه هو فقط يشرح له ماهية الموت البيولوچي ليفهمها هو وبني جنسه لأنه لم يعرفها حتى تلك اللحظة. هكذا فهم شعب بني اسرائيل الآية وفهم مكانة الإنسان التي عبر عنها المزمور الثامن قائلا וַתְּחַסְּרֵ֣הוּ מְּ֭עַט מֵאֱלֹהִ֑ים וְכָב֖וֹד וְהָדָ֣ר תְּעַטְּרֵֽהוּ׃وتنقصه قليلًا عن إلوهيم وبالمجد والكرامة توجته*.فكيف يكون الانسان في رتبة السمائيين مكللاً بالمجد والبهاء إن كان في نظر الله مجرد تراب؟!!!! 

المسيح مرجع.. تُجمع الكنيسة على أن الكتاب المقدس لا يُفهَم إلا في ضوء تعاليم المسيح وشخصه. فإن اختلفنا فمرجعنا هو المسيح نفسه. وعند مراجعتنا للأربعة أناجيل لا نجد أي اشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى أن الإنسان تراب أو أنه ذو طبيعة شريرة. بالعكس نجد دائما إشارة إلى بعض الأفعال والسلوكيات التي تنجس الإنسان وحيث أنها تنجسه، إذن الأصل في الإنسان هو الطهارة وليست الطبيعة الشريرة. جميع هذه الشرور تخرج من الداخل وتنجس الإنسان (مر ٧ : ٢٣). لم تطلق صفة نجس في الإنجيل إلا على الأرواح الشريرة فقط.

تحب قريبك كنفسك.. عندما أراد يسوع أن يلخص كل الناموس في كل الكتاب، لخصه في وصيتين تحب الرب الهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك، هذه هي الوصية الأولى. وثانية مثلها، هي تحب قريبك كنفسك، ليس وصية أخرى أعظم من هاتين (مر ١٢ : ٣٠ – ٣١). أي أنك كي تستطيع أن تنفذ تلك الوصية يجب أن تحب ذاتك؛ أينعم، تحبها حتى يمكنك أن تحب قريبك مثلما تحبها. إن نبذتها أو احتقرتها وحطيت من قدرها وقللت من شأنها في اتضاع مزيف مريض لا يمت للروحانية بصلة؛ فلن تستطيع أن تحب قريبك. كل ما تفعله لنفسك سينعكس على علاقتك بأخيك الإنسان. “وثانية مثلها” أي أن وصية حب النفس المنعكس في حب القريب وضعها السيد في نفس مرتبة محبة الله. لم يقل بعدها أو تليها بل قال مثلها. فهل (أنا التراب) و (جواك طبيعة شريرة) هي أفعال محبة؟! هل عندما تعبر عن حبك لأحدهم تخبره أنه حقير وحفنة تراب؟! أو تخبره بأنه شرير بطبيعته؟! أو أنه بلا أي مقومات صالحة ولكنك تحبه تفضلاً منك؟! إن لم تحب ذاتك فلن تقدر أن تحب قريبك أو الرب نفسه!

يحضرني هنا قول للعالم كارل جوستاڤ يونج بتصرف إذ يقول:- أنا أُطعم المتسولين وأغفر لمن يخطئ إليّ وأحب عدوي في إسم المسيح. وحسناً أفعل كل هذه الفضائل العظيمة. لأن كل ما أفعله بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبالمسيح ذاته افعله. ولكن ماذا لو أخبرتك أنك يجب أن تكتشف وتدرك أن أفقر المتسولين وأعتى الخطاة كل هؤلاء يسكنون بداخلي في نفسي، وهي الأكثر إحتياجاً لأعمال محبتي التي أقدمها للآخرين. أنا نفسي هو ذاك العدو الذي يجب أن أقدم له كل المحبة. فتطبيق المسيحية حاليا منعكس تماماً. فنفسي هي ذلك الأخ الذي اقول له دائماً (يا أحمق) مستوجباً نار جهنم وأعنفه وأدينه وأغضب عليه، على نفسي. فأنكره وأنكر أني أعرفه أو قابلته؛ حتى أنه وإن إقترب إليّ الرب وأنا في هذه الحالة سأنكره هو أيضاً آلاف المرات قبل أن يصيح الديك مرة واحدة.

هذا التعليم ضد محبة النفس ومحبة النفس أساس تنفيذ الوصية العظمى. هذا التعليم ضد محبة الله.

That I feed the beggar, that I forgive an insult, that I love my enemy in the name of Christ, all these are undoubtedly great virtues. What I do unto the least o' my brethren, that I do unto Christ.But what if I should discover that the least amongst them all, the poorest of all beggars, the most impudent of all offenders, yeah, the very fiend himself, that these are within me, and that I myself stand in need of the alms of my own kindness, that I myself am the enemy who must be loved. What then?Then, as a rule, the whole truth of Christianity is reversed: there is then no more talk of love and long-suffering; we say to the brother within us “Raca,” and condemn and rage against ourselves. We hide him from the world, we deny ever having met this least among the lowly in ourselves, and had it been God himself who drew near to us in this despicable form, we should have denied him a thousand times before a single cock had crowed.( - The inner civil war)

*يسوعية:دونَ الإلٰهِ حَطَطتَه قَليلًا، بِالمَجدِ والكَرامةِ كلَلتَه.
المبسطة:جَعَلْتَهُ لِوَقْتٍ قَلِيلٍ أدنَى مِنَ الكَائِنَاتِ السَمَاوِيَةِ وَتَوَجْتَهُ بِالمَجْدِ وَالكَرَامَةِ.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

Objection
‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎