راسلني صديقي بمحاضرة يوتيوبية للأب الفاضل داود لمعي، في اجتماع خدمة الأنبا إبرام، بتاريخ: 7 نوفمبر 2023،
المحاضرة… أو لنقل العظِة الأحادية الاتجاه، كانت بعنوان: كيف نرى اليهود؟

بصراحة ومكاشفة، لست من محبي ، ولم يجمعنا يومًا إﻻ كل اختلاف. لا أطيقه، وﻻ أطيق اليات، كما ﻻ أطيق الزواحف بالمجمل. ولأنني مريض بشكلٍ حذرني الأطباء فيه من التعرّض لانفعال، سألت صديقي: “ما هذا الـshit”؟ فضحك وقال حتى الـshit يحتاج نقدًا قبل أن يكبر ويصبح holy shit.

دقيقتان

دقيقتان فقط! كان هذا هو كل ما شاهدته من نصائح الأب الفاضل والذي لم يقل رأيا نسبيًا أو شخصيًا. لم يسمي الـ… الـ… حلقة؟! لنسميها “حلقة”،. لم يسميها كيف يرى داود لمعي اليهود؟ أو “كيف أرى اليهود؟”، بل: “كيف نرى” (يعني هانشوف كلنا جماعة) و”الجماعة” بالطبع هنا هي جماعتنا نحن المسيحيين.. أو المؤمنين.. الذين في كل الأحوال أنا منهم.. إذن فلدينا مشاكل من العنوان أصلًا في أن الأب الفاضل ﻻ يثق أننا نستطيع أن “نرى”، فصنع الـ.. فيديو؟! أه، لنسميه فيديو.. ﻻ يثق في كوننا نستطيع أن “نرى” وأتى ليعلمنا “كيف نرى”.

أحترم جدا الدقة والتخصصات العلمية. أتذكّر في أثناء تعلّمي لمهارات التصوير الفوتوغرافي، كانت هناك محاضرة فعلًا بعنوان “كيف نرى؟” يحاول فيها المُدرب المُحترف أن يجعل عيوننا ترى كما ترى الكاميرا الفوتوغرافية. وكانت محاضرة مليئة بالهندسة والأرقام والقواعد والبصريات ولم يكن الكلام عن عدسة الكاميرا رومانسيًا على الإطلاق، لكن هكذا العلم، وهكذا الاستفادة، ولهذا ندفع النقود في الدورة التدريبية بالأساس، كي نتعلم القواعد الجامدة الصلبة والمعيارية الموحدة في مسألة فنّية جدا. لذلك، احترمت التخصص، ولم آخذها بمحمل سلبي على الإطلاق. أبدًا.. مطلقًا..

لكن، هل نحتاج عدساتِ وعوينات داود الكاهن كي نرى اليهود؟ هل هم حشرات أو من أحاديات الخليٌة..؟! ﻻ،، ليسوا حشرات بل شعب.. شعبٌ مختار.. هو بنفسه من قال هذا.. لكن الـ.. الـموعظة؟! فليكن، لكن الموعظة إن خرجت من الزحفطون فقل للعقل وداعًا.. لا تحبهم.. وإياك أن تكرههم.. أقتلهم معنويًا.. لكن لا تهينهم.. طخه.. بس متعوروش! وهذه مسألة سياسية ونحن لا نتكلم في السياسة.. أحـــــّــــلاوة..! ألف لعنة على نصائح الأطباء، وأغلقت الـ… الـ بتاع وخلاص!

عزيزي الأب داود،
نحن نرى اليهود كما نرى المسلمين وكما نرى المسيحيين وكما نرى الهندوس وقبائل الهنود الحمر: مجرد تجمع هوّياتي ديني. من الخطأ، ومن الخطر، ومن الجرائم، أن نعامل شعبًا كاملًا بُناء على عنصر هويّاتي حتى لو كان ذلك دينّا، وبالأخص لو كان دينًا، وبالأخص جدًا لو من خلال ثقب عيونك الدينية الضيقة! هذا هو تعريف العنصرية باختصار، وما العنصرية إلا تكوين نظرة مسبقة عن جماعة نتيجة أحد عناصرها. فيا أيها العنصري البغيض الزحفطون الأسود المعمم هل هذا دين؟ هل العنصرية دين؟!؟ وتدعونا أن نرى بأعينك وأن نتحدث بحديثك؟ وما شأني أنا إن لعنهم الله في موقف، أو باركهم في موقف أخر؟ إنت مسيحي يا عم انت؟ وﻻ بتعلم المسيحيين: الحب في الله، والبغض في الله، وشويّة ونلاقيك جاي من رحلة عمرة ف السعودية؟ معندناش كدا والله يا أبتي! ممكن ربنا يغضب عليك وأنا أخالفه وأحبك عادي جدًا. وممكن العكس، يعني ربنا يحبك وأنا أدي حضرتك بالجزمة برضو، ﻻ في الأولى ربنا هايعاقبني وﻻ في التانية هيمنعني أنومك معيط كل شوية.

وعظ ديني ! يشحن جماعتنا ضد الجماعة التانيين لمسايرة الجماعة التالتين، وكله بسلطة المقدّس والكتاب والسنّة. ما طبعًا، ما اليهود مالهمش أهل يسألوا عليهم، وكل اللي عايز يجامل، يروح مزايد ومطبش فيهم.. ناقصاه!

لم يطلب الله منا أن ننظر لليهود أو الإسرائيليين أو غيرهم بنظرة معينة. خلط السياسة بالدين حماقة عمياء، وهذا ينطبق على المسيحي والمسلم على السواء. ما التعصب الديني إلا موقف غير موضوعي تجاه الأفراد لمجرد عضويتهم في جماعة ما. هذا الموقف يؤدي إلى التحيز للجماعة التي ينتمي إليها الفرد، ويتطور لمشاعر عدوانية رافضة للجماعات الأخرى. وهو يقوم على الجمود، والتفكير غير المنطقي، والتعميم المفرط والظالم، وكلها من المكونات الأساسية للتعصب. وكلها ارتكبتها في الـ… الـ… الاجتماع ده.

الاجتماع.. أهاا.. يقول علم الاجتماع إن هذه التنميطات الجامدة لا تربي أخلاقًا ولا تصنع قيمًا، بل تكوّن مواقف عدائية مسبقة بالوراثة.. إذ تصبح الأفكار النمطية – التي تكون دائمًا سلبية تجاه المخالف وإيجابية عن الذات – مكونًا أساسيًا للموروث الثقافي والاجتماعي [Heritage]، ويؤدي التفكير عن طريق الصور النمطية غير المبررة عقليًا، إلى تشوهات في إدراك الذات والآخر، فالأصولي لا يدرك الواقع سوى من خلال نماذج نمطية ذات طبيعة دينية.

مثلاً: الأصلي المسلم لا يفرق بين القبطي المعاصر والصليبي القديم، فكلاهما مسيحي. ولا يميز بين “” ويهود بني النضير، فالجميع يهود. ولا يفرق بين الفيلسوف الوجودي “” وبين “الحكم بن هشام”، فكلاهما ملحد كافر بالله. أما الأصولي المسيحي فلا يستطيع التفريق بين و، فكلاهما مسلم محتل. ولا يفرق بين والمستشار ، فكلاهما مسيحي ابن الرب. في ظل هذه الـ… الكيان الفيديوهي الأستروكسي اللعين الذي لا اسم له، ولا دين له، نستطيع أن نرى فاجعة الاستحضار الأصولي لرموز الماضي، وإسقاطه على الحاضر.

هذا حديث ال لرجل الدين..
هذا إن كان رجلا.. وإن كان ذي دين!

إضافة من الناشر: عظة الأب داود لمعي التي بعنوان "كيف نرى اليهود"، والتي ألقاها في اجتماعٍ كنسيّ يوم 7 نوفمبر 2023، هي محاضرة منقولة لمحاضرة بعنوان: "إسرائيل في رأي المسيحية"، ألقاها ال، في نقابة الصحفيين يوم 26 يونيو 1966، وقت أن كان أسقفًا للتعليم، ورتّب هندسة اللقاء بين  الصحفي: ، وكانت محاضرة قومعروبية ناصرية بامتياز حتى أنّ مصلحة الاستعلامات طبعتها وترجمتها إلى عدة لغات ووزعتها على البعثات الدبلوماسية في العالم.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 3.9 حسب تقييمات 11 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

باسم الجنوبي
[ + مقالات ]