نصلي في القداس الإلهي قائلين: وصلواتنا اقبلها إليك يا رب على مذبحك الناطق السمائي رائحة بَخُور
، وأيضًا في صلوات تقديس ماء المعمودية وصلوات الميرون.
ويقول القديس أثناسيوس الرسولي عن الخليقة البشرية الجديدة التي ينقلها إلينا الروح القدس من المسيح يسوع في سر المعمودية:
هكذا نحن إذ نولد من فوق من الماء والروح، فإننا في المسيح نُحيا جميعًا، الجسد لم يعُد أرضيًا، بل يصير ناطقا كالكلمة(القديس أثناسيوس)
واضح أن النطق ليس هو الكلام بالفم فقط، بل هو استعلان بالروح القدس لِما هو مستتر في الكيان البشري مِن أن الطبيعة البشرية قد تجدَّدت وغلبت الموت والفساد لأن الجسد ”لم يعد أرضيًا“.
وهكذا المذبح الذي نقدم عليه قرابيننا من الخبز والخمر في سر الإفخارستيا لم يعد المذبح بناء أصم من حجارة بل قدَّسه الروح القدس بالتالي صار كيانًا سماويًا ناطقًا أي يَستعلِن به الروح القدس ماهو غير مرئي من أسرار الرب الكلمة. هذا الاستعلان يكشف لنا ما نعبر عنه ونصلي به في القداس الإلهي أن الرب حاضرٌ على هذا المذبح ويقدم جسده ودمه مثلما كان يوم خميس العهد حاضرًا على مائدة الفصح يقدم جسده ودمه لتلاميذه.
هوذا كائنٌ معنا علي هذه المائدة عمانوئيل إلهنا حمل الله الذي يحمل خطية العالم كله. الجالس علي كرسي مجده. الذي تقف أمامه كل الطغمات السمائية. الذي تسبحه الملائكة بأصوات البركة. ويخُرّ ويسجد له رؤساء الملائكة.
ما نريد أن نوضحه أن الروح القدس إنما ينقل حياة الله وينطق بها في كل ما يقدسه، ويُعلن ويَستعلِن تدبير الخلاص الذي أكمله المسيح كلمة الله من أجلنا نحن البشر. وقد سبق وأكد الرب يسوع المسيح مشيرًا إلى هذا النطق الإلهي والاستعلان الذي يقوم به الروح القدس: يأخذ مما لي ويخبركم
وكذلك الروح أيضا يعين ضعفاتنا، لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي. ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا يُنطَق بها … لأنه حسب مشيئة الله يشفع في القديسين.(رومية 8: 26)
ويقول الرب له المجد:
وأما المعزي، الروح القدس، الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم. لا أتكلم أيضا معكم كثيرًا، لأن رئيس هذا العالم يأتي وليس له في شيء. ولكن ليفهم العالم أني أحب الآب، وكما أوصاني الآب هكذا أفعل. قوموا ننطلق من ههنا.(إنجيل يوحنا 14: 26)
العجيب أن الرب ”كلمة الله“ يقول ”لا أتكلم معكم كثيرًا“ ثم يستطرد قائلًا ”ولكن ليفهم العالم“. فمن أين للعالم هذا الفهم يا رب؟ ولكن الإجابة تأتي في قول الرب له المجد إن الروح القدس ”يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم“. فالروح القدس هو الناطق بكل ما صنعه الرب يسوع المسيح لنا. وإن جاز القول فإن الرب يسوع المسيح هو ”كلمة الله“ ونطقها هو الروح القدس.
وإني أقول ”كيف تفكر“ أهم بكثير ”مما تفكر فيه“ حتى لو كان التفكير عن الله نفسه لأن منهج التفكير يحفظ ويضبط الشتت في الفكرة نفسها.
هكذا منهج الروحانية الأرثوذكسية الذي تسلمناه في الكنيسة حسب الكتاب والآباء أن نكون ”مسوقين بالروح القدس“ لأن الروح القدس هو الذي ينطق فينا إذ نفكر في خلاص وحب إلهنا، بالتالي يحفظ تفكيرنا: ”لأن مَن مِن الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه؟ هكذا أيضا أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله.
ونحن لم نأخذ روح العالم، بل الروح الذي من الله، لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله“ (كورنثوس الأولي2). لذلك يقول الوحي في (كورنثوس الأولى 12) ”وليس أحد يقدر أن يقول «يسوع رب» إلا بالروح القدس“.
وقد أسهب الوحي المقدس في الشرح علي لسان القديس بولس الرسول في (كورنثوس الأولي 1).
” لأن المسيح لم يرسلني لأبشر بحكمة كلام لئلا يتعطل صليب المسيح. فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله، لأنه مكتوب: «سأبيد حكمة الحكماء، وأرفض فهم الفهماء»… لأنه إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة، استحسن الله أن يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة. لأن اليهود يسألون آية، واليونانيين يطلبون حكمة، ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبًا: لليهود عثرة، ولليونانيين جهالة ! وأما للمدعوين: يهودا ويونانيين، فبالمسيح قوة الله وحكمة الله. لأن جهالة الله ( التي يظنها البعض أنها ظهرت على الصليب ) أحكم من الناس. وضعف الله الذي يظنه البعض أنه ظهر على الصليب) أقوى من الناس“.