في عام 1831، توقفت الدراسات على أنواع الميكروبات المكتشفة حديثًا. ففي إحدى أيام أكتوبر من هذا العام، ركض صبي يبلغ من العمر تسع سنوات، خائفًا من حشد من الناس كانوا قد تزاحموا أمام باب محل حدادة في قرية في جبال شرق فرنسا. كان هذا الفتى قد سمع طقطقة لمكواة بيضاء ساخنة على لحم بشري! وكان هذا الأزيز المرعب قد أعقبه صراخ من الألم. أما الضحية فكان هو المزارع نيكول. هذا كان قد فتك به للتو ذئب مسعور في شوارع القرية، فكُّه يقطُرُ رغوة سامة. أما الصبي الذي هرب فهو الصبي الخجول ، ابن دباغ جلود من بلدة أربوا في شرق فرنسا. مرت أيام وأسابيع وتوفي ثمانية من ضحايا الذئب المسعور بآلام خانقة بسبب داء الكَلِب الذي يسببه هجوم هذا الذئب. رنين صراخهم ظل يدوي في آذان هذا الفتى الخجول؛ وأحدثت المكواة التي أحرقت جرح المزارع نَدَبَة عميقة في ذاكرته.

ولد لويس باستور في 27 ديسمبر عام 1822م. وعندما كبر سأل والده ذات مرة: “ما الذي يجعل الذئب أو الكلب مسعورًا يا أبي، لماذا يموت الناس عندما تعضهم الكلاب المسعورة؟”.

في ذلك الوقت لم يكن أحد يعرف سبب وفاة الناس من عضَّات الكلاب المسعورة -كان سبب كل الأمراض غامضًا وغير معروف بالضبط. لن نقول إن هذا الحدث الرهيب جعل لويس باستور، البالغ من العمر تسع سنوات، جعله مصممًا على اكتشاف سبب وعلاج داء الكَلِب يومًا ما، لأن ذلك غير صحيح.

خلال العشرين عامًا الأولى من حياته لم تظهر عليه أية علامات على الإطلاق ليصبح باحثًا متفوقًا. لم يكن لويس باستور هذا سوى فتى متثاقلًا وحذرًا لم يلحظه أحدٌ بشكل خاص.

في هذه الأثناء بدا من المؤكد تمامًا أن الميكروبات الصغيرة ستوضع بشكل دائم على الرف مع طائر الدودو والوحوش المنسية الأخرى.

مع ذلك، استمر العالم لويس باستور في قراءة كتبه، وبينما كان لا يزال في كلية أربوا الصغيرة، بدأت أولى سماته البارعة في الظهور، التي جعلت منه واحدًا من أغرب مزيج من التناقضات على الإطلاق. كان أصغر صبي في الكلية، لكنه أراد أن يكون مراقبًا، أي يحضر المحاضرات ويسمعها دون أن يكون عليه أداء واجبات أو تقديم أبحاث؛ كان لديه طموح ناري لتعليم الأولاد الآخرين. قبل بلوغه العشرين من عمره، كان قد أصبح نوعًا من المدرسين المساعدين في كلية بيزانسون، وهنا أصرَّ على أن يعمل كل شخص آخر باجتهاد مثل عمله؛ لقد وعظ في رسائل طويلة ملهمة لأخواته المسكينات -اللواتي كنَّ يبذلن قُصَارَى جهدهنَّ بالفعل. هكذا كان يعظهم:

“الإرادة شيء عظيم، أيتها الأخوات العزيزات، والعمل عادة ما يتبع الإرادة، وغالبًا العمل يصحبه النجاح. هذه الأشياء الثلاثة هامة: العمل، الإرادة، النجاح، هذه تملأ الوجود الإنساني. وسيفتح العمل باب النجاح، وكلاهما باهر وسعيد؛ يمر العمل بهذه الأبواب، وفي نهاية الرحلة يأتي النجاح لتتويج جهود المرء”.

(لويس باستور)

عندما كان في السبعين من عمره، فقدت خطبه رونقها، لكنها كانت بالضبط نفس النوع من الخطب البسيطة الجادة.

بعد ذلك أرسله والده إلى باريس للالتحاق بالجامعة، وهناك قرر أن يؤدي نشاط أكبر، لكن تحرَّكَ فيه حنينه إلى الوطن، لشغفه برائحة المدابغ والريف هناك. فعاد إلى أربوا (في شرق فرنسا) حيث تخلى عن طموحه الكبير. ثم في عام آخر عاد إلى نفس الجامعة في باريس وتمسك بها هذه المرة؛ كان يعلم حينها أنه سيصبح كيميائيًا عظيمًا أيضًا؛ ثم في إحدى الأيام شعر في نفسه بنشوة مختلطة بالدموع خارج غرفة محاضرة الكيميائي “دوما”. هناك تمتم قائلًا: “ما أجمل علم الكيمياء!… ما أروع شهرة ومجد أستاذي “دوماس” [أستاذه في الجامعة]”.

في ذلك الوقت، بدأ في إجراء أول أبحاثه المستقلة المتعثرة بزجاجات كريهة وصفوف من الأنابيب مليئة بالسوائل الملونة الرائعة. كان على صديقه الحميم “تشابوي”، وهو مجرد طالب في علم الفلسفة، كان عليه الاستماع ساعات إلى محاضرات باستور حول بلورات حمض الطرطريك، وقال باستور لتشابوي: “من المحزن أنك لست كيميائيًا أيضًا.” كان يتمنى أن يكون جميع الطلاب كيميائيين.

بعد أربعين عامًا فقط حاول تحويل جميع الأطباء إلى دارسين لعلم الميكروبات. في ذلك الوقت، بينما كان باستور يعمل باجتهاد كبير ويدرس بدقة أكوامًا من البلورات، بدأ يستجلي حقيقة الميكروبات الحية غير المرئية، وبدأ ينظر إليها على أنها مخلوقات مهمة جادة، بنفس القدر مثل الخيل أو الفيلة!!

في عام 1837 في ألمانيا نشر الدكتور شوان ورقة بحثية قصيرة بجملٍ طويلةٍ، وكانت تحوي عبارات مملة أن اللحوم تصبح فاسدة فقط عندما تدخلها جراثيم غير مرئية: “أغلي اللحمَ جيدًا وضعهُ في زجاجة معقمة، سيبقى اللحم طازجًا تمامًا لعدة أشهر. ولكن بعد يوم أو يومين من إزالة السدادة والسماح بدخول الهواء العادي، مع جراثيمه الصغيرة، ستبدأ رائحة اللحم تتحول إلى الرائحة الكريهة؛ سوف تعج بالمخلوقات المتلألئة التي يبلغ حجمها ألف مرة أصغر من رأس الدبوس – فهذه الجراثيم هي التي تجعل اللحوم تفسد”.

كيف فتح عينيه الكبيرتين على كل هذا! (راجع قصته في إحدى المقالات السابقة). لكن أوروبا لم تدرك ما قاله العلماء، وكان الشاب لويس باستور يستعد لأول اكتشاف كيميائي عظيم له. عندما بلغ من العمر ست وعشرين عامًا، نجح في ذلك. بعد فحص طويل لأكوام من البلورات الصغيرة اكتشف أن هناك أربع أنواع مميزة من حمض الطرطريك بدلًا من اثنين؛ وأن هناك مجموعة متنوعة من مُركَّبات غريبة في الطبيعة متشابهة تمامًا -باستثناء أنها صور معكوسة كل منها للآخر. عندما انتهى من عمله تمامًا، أسرع من مختبره الصغير القذر المظلم إلى قاعة المحاضرات، وهناك التقى بفيزيائي شاب كان يساعده من قبل، فحياه وأخذه إلى الخارج ليتسامر معه تحت الظل الكثيف لحدائق لوكسمبورج. هناك أسهب وأطنب في شرحه لما اكتشفه، أراد أن يخبر إنسانًا ما، أراد أن يخبر العالم بما توصل إليه!

في مدة بسيطة اشتهر اسم لويس باستور، وتم تقديمه إلى الإمبراطور الثالث (1808-1873)، ولكن اللقاء كان فاترًا ولم يسفر عن أية نتيجة إيجابية. وحين كان باستور في باريس قدم محاضرة في جامعة السوربون، حضرها شخصيات مرموقة من رجال العلم وعظماء فرنسا. ولكن لم يدرك الشعب الكثير من فكر لويس باستور.

في يوم من عام 1865، جاء إليه معلمه القديم دكتور دوماس، وكان يبكي من شدة تأثره بحال بلدته، وحكى هكذا لتلميذه لويس باستور: “بلد الحرير في الجَنُوب هي بلدي الأصلية. لقد عدت للتو من هناك. إنه أمر فظيع! لا يمكنني النوم ليلًا من التفكير في ذلك، بلدي فقيرة، قريتي هي ألييه… هذا البلد الذي اعتاد أن يكون غنيًا، الذي اعتاد أن يكون فَرِحًا بما فيه من أشجار التوت التي اعتاد شعبي أن يسميها الشجرة الذهبية؛ هذا البلد مقفر الآن! المدرجات الجميلة ستدمر؛ الناس هم شعبي وهم يتضورون جوعًا…” وكانت الدموع تنهمر من عينيه.

اقرأ أيضا:

 

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

برتي المقاري
راهب في دير القديس الأنبا مقار الكبير   [ + مقالات ]
‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎