فَأَيَّ هؤُلاَءِ الثَّلاَثَةِ تَرَى صَارَ قَرِيبًا لِلَّذِي وَقَعَ بَيْنَ اللُّصُوصِ؟» فَقَالَ: «الَّذِي صَنَعَ مَعَهُ الرَّحْمَةَ». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ أَنْتَ أَيْضًا وَاصْنَعْ هكَذَا».
(إنجيل لوقا 10: 36، 37)
حكى السيد المسيح مثل السامري الصالح كما جاء في إنجيل لوقا الإصحاح العاشر ردا على الناموسي الذي سأله ماذا يفعل ليرث الحياة الأبدية، وطلب منه المسيح أن يحب الله ويحب قريبه كنفسه، فسأل المسيح عما يكون قريبه، فكانت القصة للشخص المسافر من أورشليم إلى أريحا، فخرج عليه اللصوص الذين ضربوه وتركوه بين حي وميت، فمر كاهن ولاوي من نفس مدينته أورشليم فنظروا إلى حاله وتركوا ومضوا بينما مر رجل من السامرة عدوة أورشليم، فتحنن على المجروح ودواه وطببه بالرغم من العداوة بين مدينة كل منهما للأخرى، وختم المسيح بسؤاله العبقري عن قريب المجروح وكانت إجابة الناموسي: الذي صنع الرحمة.
بدأت بهذه القصة لأوضح أن وصية المسيح لم تكن لذلك الناموسي، بل هي وصية لكل إنسان أن يصنع الرحمة مع غيره حتى لو كان عدوه، فما بالنا بالكنيسة التي من المفترض أن دورها تقديم محبة ورحمة الله للجميع، سواء كان من أولادها أو من غيرهم، فما بالنا إذا كان الاحتياج لتقديم المحبة والرحمة في ظروف الوفاة، فبدلا من أن تقدم الكنيسة عبر الإكليروس التعزية بصلاة الجناز لأسرة المُتوفّى وطلب المغفرة والرحمة للشخص الراحل، تستخدم هذه الهبة لتنتقم من الأشخاص الراحلين بمنع صلوات الجناز عليهم، تارَة بدعوى أن المتوفى منتحر، وتارة أخرى يستخدم الإكليروس سلطانهم للانتقام من أحد الراحلين وفي الغالب يكون من طغمة الإكليروس أيضًا.
في الأسبوع الماضي رحل شاب عن عالمنا منتحرا في محافظة المنيا، وانتشر الخبر عبر مواقع التواصل الاجتماعي إن إيبارشية بني مزار والبهنسا بالمنيا رفضت الصلاة عليه، فنشبت موجة انتقادات حادة للكنيسة قبل أن يتم تدارك الأمر من قبل أسقف الإيبارشية المتواجد خارج مصر وتحديدا في النمسا، ويطلب من كهنته الصلاة على الشاب المنتحر وفتح الكنيسة لتستقبل عائلته العزاء.
السؤال: لماذا لم يحدث هذا فور أن توفى الشاب؟ ولماذا تتخلى الكنيسة عن دورها في ممارسة عمل الرحمة وتقرر اتخاذ مواقف حادة فيها شدة وتغيب عنها الرحمة؟ ولماذا تنتظر الكنيسة أن تهاجم عبر وسائل التواصل الاجتماعي فتغير قراراها؟ هل تخافون من الناس ومن هجوم السوشيال ميديا ولا تخافون من مخالفة المسيح وتعاليمه؟
هذه أسئلة لا أملك إجابتها، وموجهة هنا للكنيسة بشكل مؤسسي أي للإكليروس المسؤولين عن لعب دور الرعاية والخدمة لبقية جسد المسيح أو الكنيسة بمفهومها الأوسع كـ”جماعة المؤمنين”.
الخصومة الشخصية تستفحل عند الموت
من الطبيعي أن نتخاصم لأنها طبيعة البشر، وكما يوجد الود يوجد الخصوم أيضًا، وقد يكون هناك عدوان لدودان لبعضهما، لكن الخصومة والعداوة تنتهي بمجرد أن يموت أحدهم، فللموت مهابته وجلاله، ما يجعل الخصوم يحترمون حدوثه، ولكن في تاريخ الكنيسة المعاصر توجد بعد الخلافات بين الإكليروس لم تنته بموت أحدهم بل تستمر العداوة ويكون الانتقام في الجنازات، ويصدر هذا الموقف من صاحب السلطة الأعلى.
في الأسبوع الماضي أيضاً، رحل عن عالمنا الراهب إيليا الأنبا بولا، بعد معاناة طويلة مع مرض السرطان خلال تواجده للعلاج في فرنسا، وبكل بساطة قرر الأنبا مارك أسقف باريس للكنيسة القبطية عدم الصلاة عليه هناك، وإعادة الجثمان إلى دير الأنبا بولا في البحر الأحمر للصلاة عليه هناك، والسبب أن الأنبا مارك منذ أن وصل باريس وهو في عداء دائم مع الرهبان الذين سبقوه في الخدمة هناك، فقرر التخلص منهم، والسيطرة على مقاليد الإيبارشية الجديدة ماليًا وإداريًا بشكل منفرد ليفعل ما يحلو له، ولأنه إداريا أعلى من الرهبان، فقد تصدى له محبي هؤلاء الرهبان من أبناء الكنيسة في فرنسا، وبينهم قضايا في المحاكم الفرنسية.
كان الراهب إيليا الأنبا بولا يعاني بسبب السرطان ويحتاج للعلاج في باريس ومع ذلك لم تأخذ الأسقف شفقة به وقرر إعادته لمصر وامتثل الراهب، ولما اشتد عليه المرض مجددا تم التواصل مع البابا تواضروس الذي قرر عودته لفرنسا لاستكمال العلاج، ومنعه الأسقف من المشاركة في الصلوات باعتبار أنه جاء لتلقي العلاج وليس للخدمة، وحين رحل عن عالمنا، لم يقم له صلاة الجنازة في فرنسا، خوفا من ثورة محبي الراهب الراحل عليه.
ما فعله الأنبا مارك ليس بجديد على الإكليروس صاحب السلطة الأعلى، ففي عام 1999 رحل عن عالمنا القس إبراهيم عبد السيد، وقرر البابا الراحل الأنبا شنودة الثالث المتواجد في أمريكا وقتها إغلاق جميع الكنائس القبطية في وجه أسرة القس الراحل ومنع صلاة الجنازة عليه، والسبب هو كتابات القس إبراهيم عبد السيد عن الإصلاح الكنسي التي لم ترق البابا شنودة، وبالرغم من عدم إجراء محاكمة كنسية قانونية للقس الراحل يدافع فيها عن نفسه، تم استخدام السلطان ليمنع من الصلاة ويجلس في بيته، وحين رحل عن عالمنا لم تنته الخصومة بل ظلت الرغبة في الانتقام منه في مماته ومن أسرته.
وبعد معاناة الأسرة تمت صلاة الجنازة في كنيسة المقابر، ومن صلى الجنازة كان الراهب الراحل القس أغاثون الأنبا بيشوي سكرتير البابا شنودة الأسبق المغضوب عليه أيضا، وتم إبعاده دون محاكمة مع التوصية بعدم قبوله في أي دير منذ عام 1994، وظل هو الآخر في بيت أسرته حتى رحل عن عالمنا في 2015.
الغريب هنا أن الكنيسة التي من المفترض أن تقدم عمل الرحمة والمحبة لكل الناس خاصة في أوقات الموت التي تحتاج للعزاء، يستغل من هم في أعلى هرم الإكليروس سلطانهم للانتقام من خصومهم، مع أن المسيح أوضح أن سيد الكل خادمهم، يعني كلما ارتفع شأن الشخص كلما تواضع وتنازل وقدم المحبة والخدمة.
تعلم الكنيسة أن الموجودين على الأرض يسمون بـ”الكنيسة المجاهدة” والسبب أنهم يجاهدون للانتصار على شرور أنفسهم وشرور والعالم، ومن يموت منهم تقول الكنيسة أنه انتقل إلى “الكنيسة المنتصرة” أي التي في السماء، ولكن يبدو أن “الكنيسة المجاهدة” لم تعد وصارت “الكنيسة المنتقمة”.
باحث وكاتب صحفي متابع للشأن الكنسي وشؤون الأقليات.
زميل برنامج زمالة الأقليات- مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان- الأمم المتحدة، جنيف/ ستراسبرج 2023.
زميل برنامج "الصحافة للحوار" مركز الحوار العالمي (كايسيد) لشبونة 2022.