هل رأيت مشهد العازفين في فيلم تيتانك؟ في واقع الأمر أن شيوخ "الدوجماتية" وأقطاب الفريسية يتصرفون بنفس الطريقة والكيفية.

المركَب انكسرت لنصفين وبدأت في الغرق وصراخ الركاب وفزعهم يملأ ذاك المحيط المظلم، ولكن من يبالي! الأهم أن الفرقة الناجية بكامل طاقمها مستمتعة ومنشغلة تماماً بالعزف على وقع أصوات الصراخ والنحيب التي تدوي في الخلفية، ولا يهمهم سوى استكمال السيمفونية المفضلة “ترنيمة الموت الأخيرة” حتى أخر نفس من أخر مسافر .

تعتريك الدهشة عندما تراهم ينشدونها بمنتهى الأريحية والسعادة، يصرون عليها مفتخرين بكلماتها وألحانها المملة الكئيبة غير مبالين بما يحدث حولهم طالماً تعجبهم هم الأنشودة، أو بالأصح المرثية، يرددون بأصوات مخيفة، ويتمايلون مثل الزومبيز:

تراب.. تراب.. برية.. برية
لا مكان للروح.. ولا للنعمة الإلهية
الموت هنا أفضل… الموت معنا أجمل
فلا تكن لهم حياة.. ولا يكون لهم أفضل

البعض قفز فعلًا خارج السفينة وشق طريقه في البحر ليتنسم جرعة من نسيم الحياة وليكتب له عمر جديد وتنقذه سفينة أخرى، ويعرف معنى الحياة الجديدة، وكأنه يخلق أو يولد من جديد، مثل هؤلاء من وسط الضيقة العظيمة ومن وسط الألم خرجوا، تحملوا سباب وشتائم ركاب السفينة الأم واتهاماتهم بالقفز للنجاة بأنفسهم من سفينة بدأت في الغرق مبكراً وكأنه لزاماً عليهم البقاء والموت.

وهناك آخرون ما زالوا يصارعون لإيجاد طريقهم للنجاة ولكنهم مترددين لا يملكون قرارهم، وقليلون جداً يحاولون إصلاح الشروخ والعوار، ولكن الأمر ليس بيدهم، فالدمار هائل، والخراب شديد، وليس بإمكانهم إصلاح ما أفسده الدهر فقط بل وما أفسده سكان الصحاري ونجوم الشباك والحطابين في البراري وأصحاب العمائم والمثلثات والمربعات والمسدسات!!

أما الباقون من ركاب السفينة، وهم الأكثرية، يقفون فقط موقف المتفرج، يستلقون على كنباتها يستندون على جدرانها يتمسحون بأعمدتها الخمسة، وعندما يفيقون سيكون الوقت متأخراً جداً وسيغرقون كما غرق الجميع! وسيكون أخر ما تسمعه أذانهم، هو فاصل آخر من ترنيمة الموت الأخيرة.

تراب.. تراب.. برية.. برية
لا مكان للروح.. ولا للنعمة الإلهية
الموت هنا أفضل… الموت معنا أجمل
فلا تكن لهم حياة.. ولا يكون لهم أفضل

أما العازفون، فمستمرون في عزفهم وضربهم على الآلات واعتلائهم المنصات واحتلال الميكروفونات، يضربون عصفورين بـ”مرثية” واحدة، يضربون الألحان “الجنائزية” على آلاتهم ويضربون بنداء الركاب عُرْضَ الحائط، غير مدركين بالمرة بالخطر المحيط بهم، والمصير المحتوم عليه.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

تامر فرج
‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎