أغمضتُ عينيَّ للحظات وتخيلت نفسي مقعدٌ مكان مريض بيت حسدا، مقعدٌ في نفس المكان في أورشليم عند باب الضأن ملقى في أحد الأروقة الخمسة التي تطل على بركة بيت حسدا التي لم أشعر يوما فيها بالرحمة!! ثمانٍ وثلاثين عاماً ملَّ مني الأقرباء وضجر الأصحاب وتركوني وحيدا فاقدين كل أمل في شفائي، وتركوني للموت، أو للحياة التي لا معنى لها سوى الموت.
ثمانٌ و ثلاثون عاما يمرون أمام عيني يحملون مشهداً واحداً، مشهد المرض الذي لا يبرحني وعجزي في الشفاء، مشهد من اليأس والتذمر ولوم الناس والطبيعة، بل والله أيضاً.
في كل مرة يأتي فيها الملاك ويحرك ماء البركة ويدفعني أحدهم نحو البركة ولا أكون أنا الشخص الأول ويحاول البعض انتشالي مرة أخرى نحو السطح وبينما أنا أسمع زغاريد وأفراح الشخص المشفى وأقاربه وأصحابه، يعتصرني ألم أشد، ألم المرض وبجواره تتراص آلام أُخر، ألم الفشل وألم الوحدة وألم الرفض، نعم الرفض، فقد شعرت إني مرفوض ليس من الناس فقط بل من الله أيضاً.
كنت أصرخ دون صوت، لماذا أنا؟ ولماذا أنا بالذات دونا عن كل هؤلاء الذي تصيبه تلك التجربة المريرة والطويلة، لماذا الضعف؟ لماذا الألم؟ لماذا الرفض؟ لماذا الترك؟ لماذا وتتراص بجانبها ألف لماذا؟!
أخيراً قد قررت أن أغير نهاية القصة، فأنا بطلها الآن، وأنا صاحب القرار، وأنا من يختار الأحداث ويكتب النهاية، أنا الملك.
أعلم أنا يسوع قادم يوماً (هكذا يحكي يوحنا الإنجيلي في الإصحاح الخامس) أعلم أنه سوف يراني ويتحنن علىّ، وسط كل هؤلاء العمي والعرج والعسم يراني أنا، ويأتي إلىَّ ويسألني سؤاله المشهور: أتريد أن تبرأ؟
للحظة فرحت وتصورت أنها فرجت بعدما استحكمت حلقاتها فتهللت فرحا قائلا: ومن منا يا سيدي لا يريد أن يبرأ بعد انغماسه في المرض والفشل سنين هذه عددها، أنا بالطبع أريد أن أبرأ، لا.. لحظة.. تمهل.. انتظر.
هل تطلب مني ألا أعود لأفعالي الأولى لئلا يصير ليّ أشر، ولكني كنت مستمتع بأفعالي الماضية، كنت أتعطش للخطية مع أنّها يوما لم تروني ولم تشبعني، في كل يوم كنت أطرق بابها كنت أجدها مفتوحة المصرعين وتجذبني إليها دون استئذان، وعندما أتجرعها عن أخرها ناشداً النشوة لا أشعر سوى ألم، ألم الدونية وألم عدم الشبع، ولكني لا أقوى على فراقها وتركها.
فصرخت بقوة وإصرار، لا يا سيدي لا أريد أن أبرأ، دعني وشأني، دعني في أوحالي ونجاساتي وعالمي الميت فقد اعتدته طوال الأعوام الماضية ولم أعد أقوى على حياة الحياة فدعني أحيا الموت.
فجأة أُفقت عندما فتحت عيني لأبصر مريض بيت حسدا الحقيقي وكأنه هو من أفاقني ودفعني بعيدا عن المشهد ليسلك سلوكا مختلفا عما سلكته، كان الرجل مختلف عني تمام الاختلاف، كان مثابراً طوال ٣٨ عاما يترجى الشفاء، كان يعلم أن ليس له أحد ليلقيه في البركة، كان موقن أن دائماً هناك من يسبقه، ومع كل ذلك لم ييأس يوما ولم يترك البركة ويرحل، كان عنده رجاء أنه يوما ما سيشفى، متى؟ لم يكن يعلم، ولكنه أوقن أن هذا اليوم سيأتي فأثر البقاء بجوار البركة عن الرحيل والاستسلام.
هذا رأه يسوع وهو يعلم ماضيه، لم يوبخه أو يؤنبه على أفعاله السالفة، بل تحنن عليه وسط جموع كثيرة، وانحنى نحوه فقد كان ملقيا على الأرض ومد يده ليسند رأسه واقترب من أذنه في مشهد لم يلحظه الجموع الغفيرة حول البركة، وسأله أتريد أن تبرأ؟ إن كنت لا تريد فلن أجبرك، وإن كنت تريد فعليك أن تكمل حياتك بطريقة مختلفة عن ماضيك، عليك أن تكون كلك لي وأن أكون كلي لك، أنا مصدر شبعك وأنا منبع ارتوائك، بدوني الحياة موت والشبع جوع والفرح مؤلم، ومعي لن تكون إلاّ فرحًا.
وبعدها ترك يسوع مريض بيت حسدا، وتحول إليّ، واقترب مني، نعم مني أنا، ومد يده نحوي واحتضني ورأيت أثار مِسْمَار وحربة، وسألني، ألازلت رافضاً الشفاء، أمازلت تهوى الخرنوب، ها أنا واقف على باب قلبك وأقرع، افتحه لي ودعني أجدده، بل دعني أغيره، صارحته قائلا: أخشى يا أبي الاختيار، فأنا ضعيف وكل مرة أخرج من الدائرة أجد نفسي كامرأة لوط، أنظر إلى الوراء وتغريني سدوم وتجذبني عمورة.
وجدته يهمس في أذني قائلاً : ولكنك لن تشبع في كل سدوم ولن ترتوي في كل عمورة، لن تجد راحة إلا فيَّ، أنا مصدر شبعك، إذا رغبت وقررت سأكون قوتك، سأويدك سأعضدك بيمين بري، سأعطيك الغلبة ومن يغلب أجلسه معي على العرش.
وفجأة، أبعدني سنتيمترات عنه وعاد ليسألني: أتريد أن تبرأ؟ وعليّ الآن أن اختار وأن أجيب.
هل أريد؟ أم لا أريد؟ هل أريد وأحتاج معونته؟ أم لا أريد ولكني أريد ماله فأتظاهر بأني أريد وأنا في الحقيقة لا أريد؟ على أن أختار وأتحمل تبعات خياراتي.