كتب د. هشام سلّام، بروفيسور الحفريات الفقارية، على صفحته الشخصية: "ليس هناك دليل علمي يثبت أو ينفي حدوث طوفان نوح (عليه السلام) وكل ما يقال عنه اجتهاد غير علمي"، وأثارت مقولته جدلا واسعا. فهل هذا صحيح؟ وماذا لو كان المنطق العلمي يتصادم مع التصوّر الشعبي؟ وكيف يتعامل المؤمن بالقصص الديني مع المنطق العلمي المعاصر إن حدث تناقض في المعرفة؟ هل يكفي الفصل بين دور العلم ودور اﻹيمان ﻹحداث توافق بينهما؟ أم أننا مازلنا حتى اﻵن نعاني ممن يفسرون الكوارث الطبيعية كالفيضانات والزلازل والبراكين بل وحتى اﻷمراض الوبائية على إنها "غضب الله" استنادا أو قياسا على تأويل القصص الديني مثل قصة طوفان نوح؟
المنطق العلمي ينفي التصور الشعبي البابلي والتوراتي بالتأكيد، من حيث فكرة طوفان شامل لكل الكوكب قضى على كل اﻷحياء في الكرة اﻷرضية. فكميّة المياه في كوكب الأرض ثابتة، (1386 مليون كيلومتر مكعب)، وهي فقط في دورتها تتحرك بين الحالات الثلاثة للمادة. هذا معناه نفي فكرة تغطية اليابسة بالكامل حتى أعلي قمم الجبال لأن كمية الماء لا تكفي لمثل هذا الارتفاع.
هناك احد التعليقات استنكر هذا مقارنة بالعصر الجليدي! الجليد يمكن أن يغطي سطح الأرض (مساحة 148 مليون كيلومتر مربع) بطبقة تصعد وتهبط مع تضاريس الأرض (مساحة التضاريس 510 مليون كيلومتر مربع)، لكنه لا يكفي لملو الفجوات بين جبلين بسائل الماء الحر الذي سينحدر من الجبال للسفوح ويستقر بشكل مستوي في القاع. الكمية لن تسمح هنا بتغطية الجبال كما الجليد.
الممكن حدوثه فعلا هو طوفان مختص بمنطقة جغرافية وليس كل الكوكب. فيضانات وسيول كثيفة يمكن أن تؤدي لغرق قارة صغيرة مثلا. لكن هذا ينفي أن أحياء كوكب الأرض هم أسرة نوح فقط، ومن ثم ينفي النسب التوراتي لأجناس الأرض حسب أبناؤه [سام وحام ويافث] أو الجيل التالي مثل مصرايم ابن حام الذي تنسب له تسمية مصر.
المنطق العلمي أيضا ينفي جمع سبعة أزواج من كل حيوان مستأنس معاصر، وزوجين من كل حيوان مفترس معاصر، والطيور بأشكالها وألوانها والزواحف والبرمائيات والحشرات ووضعها في فلك (سفينة) ذات مساحة بالمقاسات المذكورة في التوراة.
” ثلاث مئة ذراع يكون طول الفلك، وخمسين ذراعا عرضه، وثلاثين ذراعا ارتفاعه ”
(سفر التكوين، اﻹصحاح السادس)
” من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة ذكرا وأنثى. ومن البهائم التي ليست بطاهرة اثنين: ذكرا وأنثى ”
(سفر التكوين، اﻹصحاح السابع)
تخيل المساحة التي يحتاجها 14 ثورا وجاموسة بلدي (زريبة كاملة)، وبجوارهم 14 ثورا وجاموسة فريزيان استرالي، وبجوارهم 14 ثور وجاموسة أسباني.. الخ الخ (كل هذا لصنف الجاموس وحده المختلف عن الأبقار بأنواعها مثلا) فماذا عن اﻷفيال بأنواعها؟ الخيول بأنواعها؟ الحمير بأنواعها؟ الجمال بأنواعها؟ اﻷغنام؟ الماعز؟ اﻹبل؟ الخنازير؟ الكلاب؟ القطط؟ هل تعلم أن عدد أنواع الطيور وحدها بأقل تقديرات هو تسعة أﻻف نوع مختلف؟ هذا يعني 126 ألف طائر في السفينة. هل تعلم كم نوعا يوجد من الديدان؟ هل تعلم إننا ﻻ نستطيع حتى تاريخه معرفة عدد أنواع الحشرات مثلا؟
الممكن في قصة حيوانات السفينة، أن تكون القصة حدثت في زمن بدائي لم تكن الحيوانات فيها علي هذا الشكل من التنوع والتعدد للأنواع. وقتها من الممكن أن يكون الفلك يتسع بشكل ما لزوجين من حيوانات قديمة مستأنسة وقليلة. مثلا زوجين من الفصيلة الكلبية، وسيتطور بعد ذلك للكلاب بأنواعها والثعالب والذئاب وبنات آوى والسلعوة الخ الخ. هل يبدو لك ذلك غريبا؟ تخيل المساحة التي يشغلها زوجا (ذكرا وأنثى) من حيوان “الماموث” المنقرض، أيا كانت تلك المساحة فهي أقل بالتأكيد من تلك التي ستشغلها 14 × عدد أنواع اﻷفيال، أليس كذلك؟
بطريقة أخرى: لا يمكن تصديق مسالة أنواع الحيوانات المجموعة في مساحة سفينة، إلا من خلال التطور، وذلك برد كل مجموعة حيوانات لزوج من أجدادها قبل التطور.
هل يمكن القياس بمنظور علمي والحدث ذاته معجزة؟
نعم بالتأكيد، لأنة هكذا ينبغي أن نفصل بين الفيزياء والميتافيزيقا.. بين الطبيعة والخوارقية..
قصة نوح ليست معجزة وفق التعريف الديني الأكاديمي للمعجزة (سأفصل هذا لاحقا)، بل آية (بمعني علامة وعبرة)
فالكتب المقدسة جميعها لا نقرأها كما كتاب الفيزياء، فهي لا تخاطبنا معلوماتيا، بل نقرأها كما نقرا أدب القصص والشعر ونستلهم منها العبر والمواعظ لكونها تخاطب الوجدان. ليس من المهم عند أي عاقل أن يكون نوح شخصية تاريخية حقيقية بالأساس، فالهدف من ذكر قصته ليس إثبات شيئ أو نفيه، وإنما الهدف وجداني حول فلسفة “الاستعداد لكوارث المستقبل” بشكل عملي وطبيعي، يمكن معاينته ماديا في بناء سفينة عظيمة، بأيدِ بشرية دون معجزات، وتستخدم قواعد الطفو والجاذبية دون معجزات، لمقاومة وتحدي جبروت الطبيعة القادم لا محالة.
لماذا غرق “نفق العروبة” في مصر الجديدة وقت السيول؟
ليس لأن اﻷمر “أمر الله” كما يظن الدراويش، بل واقع اﻷمر أن هيئة الطرق والكباري لم تقم ببناء مصارف علي جانبي الطريق. هيئة الطرق ليست مستعدة ولا تتوقع حدوث سيول بمنطقة “مصر الجديدة”. ليست مستعدة ولم تبني فلكا للنجاة كأي “غير مصدق” أن الطوفان قادم.
لا يوجد في الكوارث الطبيعية من طوفان نوح وحتي التوسونامي ثمة أمر “خارق للعادة”
الكوارث الطبيعية ليست “معجزة” سوى من “العجز عن المواجهة” وليس من “الإعجاز الإلهي”
هكذا أقرأ القصص الديني وهكذا استلهم منه الحكمة والعبرة.
أما لو قلنا كالدراويش لا ينبغي إعمال العقل في كل شيء تم ذكر الله فيه باعتباره حدث غير طبيعي (معجزة) فوقتها سيكون هذا إفسادا للحكم والمواعظ. فنوح ومن معه نجي بسبب طبيعي مادي تعب وعرق وشقي في بناءه (الفلك) واستخدم قوانين الطبيعة في التحدي لكارثة طبيعية.
دور الله هنا، كان دور العلم ذاته:
فالله أنبأه بالكارثة (كخبير المرصد الفلكي) وحدد مواد البناء والعزل (كالفيزيائي والكيميائي الفاهم لخواص المادة) وحدد الشكل والأبعاد والمقاسات والزوايا وطريقة التجميع (كالمهندس في الإنشاءات) وحدد أيضا خريطة توازن بين الكائنات الحية، فعدد المفترسات أقل من المستأنسات (كخبراء علم الأحياء التطورية)
دور نوح هنا هو العمل.. الاجتهاد.. الكفاح:
ليس التخبط والتشكيك في العلم (ماهو أصل العلماء كل شوية بنظرية.. ماهو اصل السفينة سقطت في الغرب.. اصل السفينة ناقصة فردة كاوتش.. أصل مال مصر الجديدة بالسيول والكوارث الطبيعية)
أنا أصدق العلم لأنه الطريق الوحيد الذي نعرفه لفهم الطبيعة والقوانين التي تحكم العلاقة بين اﻷشياء الطبيعية داخل الكون. وأحب بناء السفن والتصدي للكوارث. أحببت نوح واتخذته قدوة. لا لكونه نبيا خوارقيا، بل لكونه رمزا إنسانيا للتصدي لكوارث الطبيعة بالكفاح المادي الغير ميتافيزيقي والغير متواكل علي الله، فصار للإنسانية: آية.
لم يكن الله فقط مرسل الطوفان كما يتصور المرعوبين من الطبيعة بتجزئة مخلة بالحكمة. بل كان أيضا المصمم والمخطط لفلك النجاة الوحيد، والذي نفذه الإنسان [نوح] للإفلات من مصير كارثي عام لا يميز أيمانيات ضميرية. بل يميز فقط بين من كان بداخل الفلك، ومن خارجه. بين المستعد للتصدي، وبين المستسلم للقدر.
في موعظة نوح، فالله هو الطبيعة ذاتها، والشغف بدراستها هو شغف بدراسة الله يليق بالأنبياء وورثتهم من علماء الطبيعة.
ولكوني أحب العلوم الطبيعية، لا يمكنني أن أكون درويشا.. فالمتواكلين علي الله هم بعينهم من يتركون كل شيئ بلا تفسير وبلا إجهاد لعقولهم (اللي لسه بكرتونتها) ظنا منهم أن هذا هو الموقف الصحيح للمؤمن المتدين الذي يسلم بقضاء الله.
الدراويش يؤمنون بأن تحدي كوارث الطبيعة هو تحدٍ لقدر الله ذاته
يمكننا ملاحظة أن دراويش التدين دائما يرون أنهم أصغر من الأقدار واحقر من التصدي لكوارث الطبيعة، وذلك لإيمانهم أن الكوارث الطبيعية هي قضاء الله الذي لا راد لقضاءه. ومع استسلامهم القدري هذا، لا يعبر أحدهم شارع “صلاح سالم” قبل أن ينظر مرتين للسيارات العابرة كيلا تدهسه. الدراويش يفسرون موت أحد المارة في حادث سيارة بانه “قضاء الله وقدره” وكفي. ومع ذلك ينظرون ويتحسسون أرجلهم قبل العبور، ولا يرون في ذلك مقاومة للقدر مثلا. هذا التناقض المزدوج المعايير هو مرض الدراويش الملحوظ.
بتصوري الاجتماعي، الدراويش هم مجرد خائفين من الله ومن طوفانه ومن حسابه لأنه بالنسبة لهم شيء مرعب غير مفهوم ولا تفسير له ولا يجرؤون أساسا علي التفكير فيه. الدراويش هم مجرد بؤساء يخافون التفكير المنطقي فيما يعتقدون بقدسيته، ويظنون في العلم غرورا بشريا و”محاولة تأله”، ومشاركة مع الله في صنع أقداره، ومحكوم عليها بالفشل مقدما لمحدودية الإنسان. كم من مرة رفض الدراويش صعود الفضاء (لذعرهم من الاقتراب لعرش الله) وكم من مرة تندروا ووضعوا الوجوه الضاحكة الشامتة علي المحاولات الغير ناجحة للعلماء، وهم في تندرهم كتندر من لم يصدقوا الطوفان في قصة نوح؟
الدراويش لن يدخلوا الفلك.. لأنهم لا يؤمنون أن “العلماء الذين يتحدون القدر” يمكن أن يكونوا أيضا “ورثة الأنبياء” في التواصل مع الطبيعة.. أو ورثة العظيم نوح في التصدي للكوارث الطبيعية.