من كتاب الرعاية الروحية، إعداد ..

الباب العاشر: اختيار الرعاة

إن اختيار بطريرك للكرازة، أو أسقف لإيبارشية، أو كاهن لكنيسة، أو شماس مكرس، أو عضو في لجنة كنيسة، أو حتى خادم لفصل من فصول التربية الكنسية، أو لرعاية فقراء الكنيسة، أمر في غاية الأهمية والخطورة، لذلك ينبغي أن نطمئن تماماً أنه اختيار إلهي أولًا وآخرًا.

(الأنبا إيساك، كتاب الرعاية الروحية)

+ قد ينادي البعض بمبدأ أنه ينبغي أن يكون هناك إعدادًا إكليريكيًا للرعاة على كافة المستويات.
+ وقد ينادى البعض بمبدأ: أنه من حق الشعب أن يختار راعيه.

ولكن الذي يحدث في الواقع هو أن كل مسئول عن الخدمة يختار الشخص الذي يجد نعمة في عينيه هو، ويقيمه على عمل الرعاية، فتتلون الخدمة كلها بطابعه الخاص من شخصيات تدور في فلكه، وهذا للأسف يدعم رذيلة التحزب في الكنيسة.

(الأنبا إيساك، كتاب الرعاية الروحية)

فصل (1) هل يختار الرعاة من دارسي الإكليريكية؟

قد يكون هذا أحد الشروط ـ وليس كل الشروط ـ التي يجب توافرها فيمن يُختار لعمل الرعاية، لكي نضمن أن يكون للراعي المعرفة الأساسية في العقيدة المسيحية والدراسات الكنسية، فكل راع ينبغي أن يكون ملمًا بالدراسات الإكليريكية ولكن ليس كل دارس إكليريكي يصلح أن يكون راعيًا. لأن هناك شروطًا أخرى يجب توافرها. ثم أن الدراسة نفسها تنقصها الجدية والالتزام.

ولنا أن نتساءل: هل لا يوجد في ال كلها أساتذة متفرغون يُطمَئن اليهم، ويعطون كل وقتهم وجهدهم للقيام بالرسالة الإكليريكية على أكمل وجه؟ هل نضبت إمكانات الكنيسة عن أن يكون لها إكليريكية بمعنى الكلمة؟

(الأنبا إيساك، كتاب الرعاية الروحية)

فصل (2) الشروط التي يجب توافرها في الراعي عند الاختيار

لم يحدد الكتاب المقدس ـ وكذلك تقاليد الكنيسة ـ ما هي الجهة التي تختار الرعاة وإن كانت المسئولية الأولى تقع على واضعي اليد، ولكنه حدد شروطًا ثابتة فيمن يختارون رعاة ستحتم الالتزام بها:

أولًا: أن يكون ملتزمًا في حياته بالوصايا والسلوكيات المسيحية، من الزهد في الدنيويات، والتمسك بالمحبة والاتضاع والوداعة، مدبرًا بيته تدبيرًا حسنًا، وله شهادة حسنة من الجميع.

ثانيًا: أن يكون صالحًا للتعليم، عاكفًا على العلم الإلهي، وقادرًا أن يعلم الآخرين أيضًا.

ثالثًا: أن يكون له الاختبار المسيحي العملي ـ ذاق شخص المسيح المبارك، واختبر النعمة بعمق في ، وقد انشرح قلبه لحياة العبادة والتسبيح، واستنار عقله وقلبه بكلمة الإنجيل وله شركة الحياة السمائية.

رابعًا: بجانب كل هذا، يوصي الكتاب المقدس ألّا يكون الراعي حديث الإيمان لئلا يتصلف، كما يوصي بأن يتدرج الراعي في مسئوليات الرعاية، فالذين تشمسوا حسنًا يؤهلون للكهنوت… والقاعدة العامة: كنت أمينًا في القليل، أقيمك على الكثير…

خامسًا : قبل الاختيار يجب أن ترفع صلوات وابتهالات إلى الله. مع فرض أصوام كي يحدد الرب بنفسه من هم الفعلة الذين سيرسلهم إلى حصاده. فاطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده (إنجيل متى38:9).

(الأنبا إيساك، كتاب الرعاية الروحية)

فصل (3) هل للشعب أن يختار راعيه؟

قد يكون المناداة بهذا المبدأ كسباً لقلوب الجماهير، وإبهاراً اً ذكياً. بالرغْم من أنه لا يستند إلا إلى آية واحدة فقط من سفر أعمال الرسل. وسنحاول مناقشة ظروف هذه الآية، ولكن لنكن صرحاء مع أنفسنا ونقول: أن هذا المبدأ لا يطبق في الواقع العملي ولا يمكن تطبيقه. ولنعد إلى الآية:

وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ إِذْ تَكَاثَرَ التَّلاَمِيذُ، حَدَثَ تَذَمُّرٌ مِنَ الْيُونَانِيِّينَ عَلَى الْعِبْرَانِيِّينَ أَنَّ أَرَامِلَهُمْ كُنَّ يُغْفَلُ عَنْهُنَّ فِي الْخِدْمَةِ الْيَوْمِيَّةِ. فَدَعَا الاثْنَا عَشَرَ جُمْهُورَ التَّلاَمِيذِ وَقَالُوا:«لاَ يُرْضِي أَنْ نَتْرُكَ نَحْنُ كَلِمَةَ اللهِ وَنَخْدِمَ مَوَائِدَ. فَانْتَخِبُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ سَبْعَةَ رِجَال مِنْكُمْ، مَشْهُودًا لَهُمْ وَمَمْلُوِّينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ، فَنُقِيمَهُمْ عَلَى هذِهِ الْحَاجَةِ. وَأَمَّا نَحْنُ فَنُواظِبُ عَلَى الصَّلاَةِ وَخِدْمَةِ الْكَلِمَةِ». فَحَسُنَ هذَا الْقَوْلُ أَمَامَ كُلِّ الْجُمْهُورِ، فَاخْتَارُوا اسْتِفَانُوسَ، رَجُلاً مَمْلُوًّا مِنَ الإِيمَانِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَفِيلُبُّسَ، وَبُرُوخُورُسَ، وَنِيكَانُورَ، وَتِيمُونَ، وَبَرْمِينَاسَ، وَنِيقُولاَوُسَ دَخِيلاً أَنْطَاكِيًّا. اَلَّذِينَ أَقَامُوهُمْ أَمَامَ الرُّسُلِ، فَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمِ الأَيَادِيَ.

(سفر أعمال الرسل 1:6ـ6)

ولنا هنا ثلاث ملاحظات:

أ ـ وضع الرسل شروطًا لمن يختارون، بأن يكون مشهودًا لهم، وممتلئين من الإيمان والحكمة والروح القدس.

ب ـ أن الاختيار كان لمجرد خدمة موائد، وليس خدمة الكلمة الإلهية والرعاية الروحية.

جـ ـ أن الذين كلفهم الرسل بالانتخاب والاختيار هم التلاميذ، وليست الأرامل اللاتي كن ستؤدى لهن هذه الخدمة.

(الأنبا إيساك، كتاب الرعاية الروحية)

+ اختيار الرسل والأنبياء والكهنة والملوك عبر كتاب الله المقدس كان بالمشيئة الإلهية، كهبة ونعمة يعدها الله ويفرزها منذ البطن.

+ اختار الشعب شاول ملكًا واختار الله داود حسب قلبه. وشتان بين مملكة شاول المشحونة بالتوترات التي زالت على الفور، ومملكة داود الإلهية التي لها كل المواعيد الروحية.

+ الاختيار الإلهي كثيراً لا يرضى عنه الشعب، فقد تذمر الشعب على موسى المرسل لهم من قِبل الله، حتى فكرت كل الجماعة برجمه، فالعمل الإلهي غالبًا ما ينقصه الشعبية والجماهيرية، ولكنه هو العمل المؤثر الخالد في الأرض والسماء إلى الأبد، ألم يأت المسيح إلى خاصته وخاصته لم تقبله؟

+ ومن ناحية أخرى، أن الراعي الذي يسلك باستقامة وأمانة، يحبب الله فيه شعبه، ويجعله يلتف حوله إذ يعطيه مهابة روحية، وبهاءً كهنوتيًا فيفتخر الشعب براعيه ويفرح به. كذلك يجد الراعي مسرته في وجوده وسط شعبه. لأن الله يكون موجودًا باستمرار في مثل هذه اللقاءات.

+ أما إن سلك الراعي باعوجاج قلب، وفقد استقامته وأمانته أمام الله، فسرعان ما تنتشر أخطاؤه وسط الرعية، ويجد الانتقادات المتوحشة موجهة إليه، ويتسرب الشك وعدم الثقة في كل ما يقوم به من خِدْمَات. إلى درجة يحاول فيها الراعي أن يحمي نفسه من شعبه.

ـ فيكف عن اللقاءات المباشرة معهم خوفا من الإحراج، وإن حدث لقاء بالصدفة تجري الاحتياطات والاستعدادات والردود اللازمة.

(الأنبا إيساك، كتاب الرعاية الروحية)

ـ وقد يُضَيِق الراعي اتصالاته بالعالم الخارجي، وبقصر مقابلاته على الذين ينتفع منهم، وحفنة من الأخصاء والسكرتاريين، ويستغل المنافقين والوصوليين وضعاف النفوس في أن يكونوا جواسيس له على رعيته التي سيحاسب عنها أمام الله، ويضيقون الخناق عليه بتقاريرهم ويتوهم نفسه وكأنه في غرفة عمليات حربية يقود منها معارك شرسة، محددًا قطاعات معينة من رعيته كأهداف يصب عليها نيران غضبه. ويفقد كل حنانه الرعوي.

(الأنبا إيساك، كتاب الرعاية الروحية)

ـ وقد يلجأ إلى الفخفخة في الملابس، وبالأخص في أثناء الخِدْمَات الاحتفالية، متعطشًا أن يكون له علاقات بمسئولين ووجوه المجتمع. ليحتفظ بعامل الإبهار الشعبي الدنيوي. حيث أنه قد فقد مهابته الروحية التي يمنحها الله لخدامه.

ـ لا يفوته أي مناسبة تتاح له، كي يذكر الشعب بالسطوة والسلطان الكهنوتي، وسلطانه في أن يؤذي (كأن يقول: أنا هربيهم… أنا مش هرحم…) مربيًا عند الشعب حالة من الإرهاب الفكري!!.

ولكن هيهات أن ينصلح حال الراعي وسط رعيته، ما لم يصلح الراعي قلبه أمام الله ويعود إلى الأمانة والاستقامة في رعايته، لتكون رعاية روحية حقيقية لمجد المسيح الذي له المجد، كل المجد من الْآنَ وإلى الأبد آمين،،،

(الأنبا إيساك، كتاب الرعاية الروحية)

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

كمال زاخر
كاتب ومفكر قبطي في التيار ال المصري   [ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب: : صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي ٢٠١٥
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٨

‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎