لم يعرف التاريخ الديني معضلة أكثر توترًا من علاقة المسيحية باليهودية. علاقة بدأت من رحم واحد -عشاء فصحي في أورشليم- لكنها انتهت إلى قرون من الاتهام، ثم إلى قرون من إعادة تأهيل لاهوتي أعمى.

على الصفحة الأولى من العهد الجديد تنبض الهوية اليهودية للمسيح، وعلى الصفحات التالية يرتفع صوت الجماعة التي تصرخ أمام : دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلَادِنَا [1]

ومن هنا، من هذا السطر القصير، بدأ : جزء من المسيحية رأى فيه تصريحًا باللعنة، وآخر اكتشف فيه بوابة ليعيد اليهود لاحقًا إلى مركز الخلاص.

وهكذا تشكلت ثنائية حادة: إما شعب قتلة المسيح، أو شعب الله المختار الأبدي، ولا وسط بينهما.

لاهوت اللعنة

عندما صار اليهود «الآخر الذي يستحق العقاب»

لم تحتج المسيحية الناشئة وقتًا طويلًا لتكتشف أنها لا تستطيع البقاء مجرد امتداد عضوي لليهودية، في بدايتها كانت ابنة ملتزمة: تصلي في الهيكل، تحفظ السبت، وتُعرف نفسها داخل حدود شعب إسرائيل. لكن التاريخ، بقسوته الجذرية، تقدم ليقطع الحبل السري.

كانت ضربة اﻷولى عام 70م بتدمير الهيكل، ثم جاءت الضربة الأكمل عام 135م مع ثورة . أورشليم مُسحت، وأعادها باسم إيليا كابيتولينا، ووُضع معبد حيث كان قدس الأقداس. لقد انهارت الأم ليس مجازا فقط، بل ماديًا. ومن دون أم، يبدأ سؤال الهوية [2].

اتهام اليهود بقتل المسيح كان أكثر من تكييف لاهوتي؛ كان حلًا نفسيًا عميقًا لمعضلة الانفصال، كانت الأم فتوحشت، فقدت أمومتها بالفعل الذي لا يغتفر: جحدت الأب، وزنت عليه، بتعبيرات النص المقدس الي.

قبل القطيعة، استفادت الكنيسة المبكرة من بقاءها تحت المظلة اليهودية، امتيازات تشريعية قديمة منذ ، إعفاء من العبادة الإمبراطورية، واحترام لخصوصية الشريعة. لكن بعد انهيار المركز اليهودي، لم يعد الاختباء مجديًا. ولأن الابن لا يمكنه أن يعيش في ظل أم ميتة، كان لا بد من ميلاد سرد جديد:

اليهود لم يعودوا الأصل..  بل الخطأ.
ليسوا الذاكرة.. بل الجريمة [3].

الاتهام المبكر: بولس نفسه

حتى قبل سقوط الهيكل، كتب بولس إلى أهل تسالونيكي [4] محملًا اليهود مسؤولية صلب المسيح:
الذين قتلوا الرب يسوع وأنبياءهم… ولكن قد أدركهم الغضب إلى النهاية.

هذا الاتهام لم يكن مجرد تعليق روحي، بل أصبح نواة لاهوتية لعقود لاحقة، إذ تحول إلى قالب جماعي لتحديد علاقة المسيحية بالأصل اليهودي.

الآباء على خطى بولس

وعلى هذا المنوال كانت شهادة الآباء: وس، ترتليان، ، ويوحنا

يوستينوس الشهيد في الحوار مع تريفون، يحمل اليهود جماعيًا مسؤولية صلب المسيح، ويصف رفضهم للناموس الجديد بأنه ذنب دائم ويقول: أنتم صلبتم المسيح، وأنتم لم تفهموا الناموس الذي تتلون  [5]

ترتليان في ضد اليهود يضع جسد المسيح كذبيحة الفصح الجديد قائلًا في ربط قاطع بين الفصحين، فصح الخروج وفصح الدم إنهم: أسلموا الرب للصلب في اليوم الذي ذُبح فيه الحمل  [6]

أوغسطينوس يرى في المزمور [7] صوت المسيح يتوجه ضد مضطهديه، ويكتب في تفسيره أن اليهود قتلوا الرب لا بسيوف، بل بالحسد… فأدانوا أنفسهم، هنا تتحول الجريمة إلى حالة نفسية قبل أن تكون فعلًا دمويًا. وفي ، يرى أن تهجيرهم ونفيهم كان وسيلة لإثبات انتصار المسيح على العداء [8].

ميلتون السرديسي من القرن الثاني (110- 180م تقريبًا) في عظته الفصحية يرفع الصوت مباشرة: ماذا فعلت يا إسرائيل؟ لقد قتلت ربّك في العيد، في الفصح! [9].

بهذا يتكون الخطاب الجماعي: اليهود ليسوا مجرد رافضين، بل قتلة الأب الروحي للمسيحية.

انعكست العقيدة في الواقع الاجتماعي مباشرة: مذابح، غيتوهات، منع من المناصب، تصويرات فنية تظهر اليهود خناجر في يد . كان اليهود ضرورة لاهوتية، وجودهم شاهد على عدم الإيمان، وتشتتهم دليل على صدق النبوة المسيحية. هكذا أفتى أوغسطين، وبهذه الفتوى استمر اليهود، لم ينقرضوا، ولكن في المذلة والهوان في عالم مسيحي جشع، ومجرم، ومؤمن بشدة.

لكن المفارقة الكبرى ستأتي من الطرف الآخر من المسيحية ذاتها.

انقلاب المعنى

من لعنة تشتت إلى لاهوت عودة ونبوة أرض

من قلب أوروبا الية بدأ شيء جديد يتشكل. الإصلاح لم ينفِ التفسير القديم، لكنه فتح المجال لقراءة النص بلا مؤسسة كنسية ضابطة. ومن هنا نشأت بذور : إذا قال الكتاب «أرض الموعد»، فهي أرض فعلًا؛ وإذا وعد الرب إبراهيم بملك أرضي من النهر إلى نهر، فالوعد جغرافي أرضي ماديًا دليل البركة ودليل صدق الله، وليس روحيًا فقط.

جنيڤا بايبل.. الشرارة الأولى

ترجمة القرن السادس عشر  -التي حملت هوامش مفسرة- بدأت تشير إلى عودة اليهود في آخر الأيام.
كانت الفكرة لاهوتية أيضًا وليست فقط سياسية: العودة لليهود وامتلاك الأرض وإعادة بناء الهيكل شرط لعودة المسيح نفسه.

جون نيلسون داربي.. حين يصبح الوعد مشروعا دوليا

في القرن التاسع عشر حول الروحانية إلى برنامج.
لم يعد اليهود لعنة بل شعب الله الطبيعي، والكنيسة ليست بديلًا بل مرحلة مؤقتة.
الزمن ينقسم، النبوة تعود، وإسرائيل يجب أن تقوم من جديد، لا مجازا بل كدولة على الأرض.

من هنا ظهرت المسيحية: إيمان بأن اليهود ليسوا فقط جزءًا من الخطة الإلهية بل أداتها المركزية.
وصولهم إلى فلسطين، تمكينهم عسكريًا، توسيع حدود الدولة، ليس مجرد سياسة، بل خطوة نحو نهاية العالم.
ليس اعتذارًا عن المحرقة، ولا تصحيحًا أخلاقيا للتاريخ، بل إيمان جنوني بأن كل ما يحدث مقدس، حتى لو احترقت الأرض من حوله.

اليوم: إسرائيل من النهر إلى النهر، من النيل للفرات، لشعب الله الذي كان وسيبقى حتى عودتهم جميعًا لصحيح الدين والإيمان بالرب يسوع بعد أن يملكوا الأرض حسب الوعد الابراهيمي [10]، وبين لاهوت اللعنة عليهم، المغضوب عليهم إلى النهاية  “قتلة الرب والأنبياء، [11]  -بين لاهوتين يتقاتلان- وكل منهم يحمل كراهية لطرف، إما الشعوب المحيطة بإسرائيل من النيل للفرات، أو كراهية اليهود أنفسهم أينما حلوا وليسوا فقط في إسرائيل الدولة.

لاهوت اللعنة، ولاهوت العودة، يلتقيان أكثر مما نتصور حول اليهود أيضًا في كونهم في النهاية ليسوا بشرًا عاديين. إما أعداء الله، أو شعبه الأبدي. في الحالتين تسلب عنهم إنسانيتهم لصالح دور أسطوري [12].

المسيحية التي جردت اليهود من الخلاص هي ذاتها التي تمنحهم اليوم كل المنطقة باسم النبوة. بل من جهة الاختيار فهم أحباء من أجل الآباء [13] هم أحباب وأن قالوا عن يسوع ابن “امرأة ****” والغرب الذي حاكمهم قرونًا قد صار يراهم علامة على اقتراب الساعة.

تاريخ كامل ينتقل من جلد اليهود إلى تدليل اليهود دون أن يمر بلحظة وعي واحدة. يستثني الموقف الكاثوليكي بعد المجمع الي 1962-1965، حيث اليهود أبرياء من دم المسيح ولكنهم ليسوا شعب الله المختار. وهذه هي المعضلة الكبرى اليوم بين الفرق المسيحية المتشنجة والتي لم تحاول أن ترى اليهود كأفراد بل دائما كقضية كونية [14].

بين لاهوت يعتبر اليهود لعنة، وآخر يرى فيهم بوابة النهاية تمضي المسيحية في صراعها مع نفسها قبل أن يكون صراعًا مع إسرائيل. والنتيجة أمامنا اليوم: سياسات تُبنى على رؤى أخروية، وحدود يرسمها مفسرون ومشعوذون وسياسيون.

ومرة أخرى يعود السؤال القديم: هل هي قراءة للنص أم هذيان وتطرف ورعب باسم النص؟

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. إنجيل متى 27: 25 [🡁]
  2. : كيف تملكت اليونان مُقدسات في سيناء المصرية؟ بتاريخ 3 يونيو 2025. [🡁]
  3. باسم الجنوبي: كيف نرى اليهود؟ بتاريخ 17 نوفمبر 2023. [🡁]
  4. رسالة بولس اﻷولى إلى تسالونيكي 2 : 14 -16 [🡁]
  5. Justin Martyr, Dialogue with Trypho, c. 155 CE [🡁]
  6. , Adversus Judaeos, c. 200 CE [🡁]
  7. مزمور 63 أو 59 بحسب ترقيم اللاتين [🡁]
  8. Augustine, De Civitate Dei, Book XVIII, ch. 46 [🡁]
  9. Peri Pascha Περὶ Πάσχα — “عن الفصح” On the Pascha, §96–§99 (حسب التقسيم الشائع للنص) [🡁]
  10. سفر التكوين 15 : 18 [🡁]
  11. رسالة بولس اﻷولى إلى تسالونيكي 2: 14- 16 [🡁]
  12. : هل يعادي الأقباط اليهود؟ بتاريخ 5 أكتوبر 2023. [🡁]
  13. رسالة بولس إلى رومية 11 : 28 [🡁]
  14. بيشوي القمص: هل نحن نعادي السامية؟ بتاريخ 9 نوفمبر 2023. [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

ارنست وليم
[ + مقالات ]