فيلم The Skin I Live In هو فيلم إسباني صدر عام 2011، من إخراج پيدرو ألمودوڤار وبطولة أنطونيو بانديراس. الفيلم مستوحى من رواية Tarantula للكاتب تيري چونكيه.

تدور أحداث الفيلم حول الدكتور روبرت، وهو جراح تجميل عبقري ومضطرب، بعد وفاة زوجته التي انتحرت لفقدان جمالها نتيجة حريق في حادث سيارة. يكرس روبرت حياته لابتكار نوع جديد من الجلد الاصطناعي المقاوم للحروق ولسعات الحشرات. يعيش روبرت في ڤيلا منعزلة، ويحتجز فيها امرأة غامضة تُدعى ڤيرا، حيث يجري عليها تجاربه العلمية والطبية غير القانونية بعيدًا عن أعين العالم.

مع تقدم الأحداث عبر “فلاش باك”، يتضح أن احتجاز ڤيرا ليس مجرد تجربة علمية، بل هو جزء من خطة انتقامية معقدة وصادمة تتعلق بمأساة شخصية أصابت ابنته. ڤيرا كانت ڤنسنت، نعم، كانت ذكرًا تحرش بابنته وأدى ذلك إلى انتحارها. لذلك، خطف روبرت ڤنسنت وقام بتحويله قسرًا إلى ڤيرا.

يستعرض الفيلم موضوعات عميقة مثل الهوية، الهوس، وتجاوز حدود العلم والأخلاق، حيث يقدم حبكة مليئة بالتحولات (Twists) التي تغير نظرة المشاهد للشخصيات تماماً.

بعيدًا عن الدراما.. هل تأملت يومًا كيف هي الحياة من منظور امرأة؟

عزيزي المتحرش

في كل مرة يعم فيها الفضاء الرقمي بقصص التحرش، تتكرر نفس القصة مع توجيه أصابع الاتهام نحو ملابس النساء، في تبرير اجتماعي وديني أصبح معتادًا ومتكررًا.

عزيزي المتحرش.. اسمح لي أناديك هكذا، فربما هي حيلة دفاعية أخرى أضفتُها إلى قاموس صمودي اليومي في شوارع القاهرة.. هل جربت أن تعيش -يومًا واحدًا فقط- بجلد امرأة؟

دعني أصحبك معي في يوم عادي..

يبدأ الصباح بماراثون ذهني مُرهق، أقف فيه أمام خزانة ملابسي لأختار منها ما لا يشبهني أو يعجبني بالضرورة، بل ما يخضع لمعاييرك أنت، علّني أنجو من بذاءة قولك -وهي أفضل الأحوال- مقارنة بالتطاول الجسدي. هذه بلوزة تكشف جانبًا من رقبتي، لا ضرورة لها، سأبدلها بأخرى تسمح فقط بتسرب بعض نسائم الهواء أسفل ذقني، والباقي يُغطى بياقة. هذا البنطال ضاق قليلًا بعد اكتسابي بضعة جرامات زائدة، قد يكون ملفتًا للآخرين، أبدله بآخر كتان فضفاض يناسب حرارة الصيف وبشاعة المتلصصين.

أما صيحات “الكت”، و”الميني”، و”الميكرو جيب” – إن صمدت في خزانتي – فهي تنضم إلى عالم الحفريات التي تعثر طريقها نحو التطور والاستمرارية. هي أزياء أنظر إليها من آن لآخر، وأعيد طيّها قبيل اتخاذ قرار نهائي بتوزيعها، أو ربما بقائها ذكرى، أو كنوع من جلد الذات على شرائها عساني أحتاجها في يومٍ ما لا أعرفه بالضبط؛ ربما تناسب نزهة بحرية أو مناسبة احتفالية في مخيلتي.

وعلى ذكر المناسبات والاحتفالات، دعني أطلعك عزيزي المتحرش على استراتيجية الترتيب لها..

من الأزياء للمواصلات

بادئ ذي بدء، نحتاج كنساء سيارة نتأكد من استقرارها أسفل البيت مباشرة، لا خطوة واحدة أبعد من باب العمارة، لأن أي مسافة تعني احتمالية أن يلمحنا أحدهم ويُسمعنا وابلًا من البذاءات، أو يفحصنا بنظرة نعرفها جيدًا ونحاول تجنبها.

يُفضل أن يتولى قيادة السيارة رجل، سواء كان صديقًا أو زوجًا أو أخًا. المهم أن يكون رجلًا، كي تنصرف “هي” إلى مهمة أخرى، مثل الإمساك بوشاح يغطي ذراعيها أو ساقيها، اتقاءً لـ “بحلقة” ركاب الحافلات المجاورة. على أن تُؤخذ في الحسبان مناورات سائقي سيارات الأجرة ومطاردتهم عمدًا إذا لمحوا أنثى بمكياچ مُلفت أو ملابس سهرة تقود سيارة، فبالنسبة إليهم تصبح هذه فرصة ثمينة لفرض السيطرة والتفنن في مضايقة امرأة ووضع أمانها الشخصي، بل حياتها كاملة، على المحك.

لذا، السيارة بالنسبة إلينا ليست رفاهية كما يظن البعض، بل ضرورة تفرضها اعتبارات الأمان، وإن لم تكن متاحة، فلا مفر من الاتفاق مسبقًا مع وسيلة انتقال خاصة، وتحمل تكلفة الطريق ماديًا؛ علينا توفير ذلك على كل حال.

قدرات القِطة

صار التحرش جزءًا من روتيني وروتين الفتيات والنساء، ضريبة ندفعها وكأننا نُعاقب على خروجنا للتعلم والعمل والمجال العام، أو ندفع ثمن الانتقال من مكان لآخر. ثمة تكتيكات نتعلمها ذاتيًا لتجنب تلك الظاهرة التي تجمع بين كراهية النساء ومحاولة إخضاعهن، جنبًا إلى جنب مع السوقية والبلطجة.

دعني أخبرك عن تكتيك دفاعي آخر: نفس عميق وسماعة أذن كوسيط ينقل الأغاني المسجلة على هاتفي، ومعها أدرب حواسي على مراوغة التعرجات الأرضية مع التقاط الأصوات التحذيرية الصادرة عن عربة مسرعة، أو “توك توك” أو دراجة طائشة لا يلتزم أصحابها بالطريق ولا يكترثون للمارة المترجلين.

قدرات خارقة تحتاجها المرأة في أثناء السير لاستنشاق القليل من الهواء، فشوارع القاهرة -حتى الراقية منها- لا تخلو من إحدى هذه المظاهر، مضافًا إليها مضايقات ذات طابع جنسي تأتينا على لسان أحدهم قرر فجأة قول: “يا أبيض.. إيه يا قطة..” لأنثى تسير في الشارع.

لا ذباب في البرتغال

ولأن لي تجربة مع التسكع في شوارع البرتغال ليلًا، أقارن الصورة السابقة بها.. البرتغال بلدٌ يعد نصيب الفرد فيه من الناتج المحلي الإجمالي أقل من معظم دول أوروبا الغربية، بما يفرض مستوى معيشة عامًا أقل من المتوسط الأوروبي، ومع ذلك، يندر أن تخلو أركانها من مظاهر الحبور والانفتاح.

على مرمى النظر تجتمع تكتلات من البشر، كبار وصغار، نساء ورجال، أطفال بصحبة كلابهم الأليفة، الكل ملتف حول عازف جيتار أو مغنية شابة، يصفق البعض لهم، ويكتفي آخرون بالمرور السريع ملوحين بإشارة تحية، وبصوت عالٍ يقترح شباب وفتيات على عازفي الشارع غناء “ديسباسيتو” أو “بيلا تشاو”، ومن الجيل الأكبر قليلًا “ماكارينا”، أغنيات محلية وجدت شهرتها نحو العالمية، ولكل منها رقصات خاصة.

فرحة تعم الوجوه، واستمتاع للجميع لا يحده وطن أو معتقد أو فكر. خليط من الأجواء الإسبانية والإيطالية يسري في عروق هذه المدينة وأهلها وفنها الذي يعد مكونًا لا غنى عنه حتى في قاعات السياسة والبرلمان. “قصر ساو بينتو” في لشبونة متخم بلوحات زيتية عائدة لعصور كان فيها المبنى مقرًا لدير الرهبنة البينديكتينية، أقدم الرهبانيات الدينية للكنيسة اللاتينية.

ألوان تسري في حياة الأفراد اليومية لا يحتاجون معها إلى سماعة تُحشر في أذنهم وتعيقهم عن الانغماس في الواقع الأكثر جمالًا من النغمات الرقمية، ولا ملابس فضفاضة تعمل كدرع واقٍ ضد المضايقات، فلا ذباب في هذه المدينة يلتف حول حلوى، أو أصابع تشير إلى خزائن النساء. لا ذباب يلتف حول حلوى في مدينة تحترم إنسانية سكانها، وفي وطن يرى النساء شريكات ولسن فتنة.

لماذا خلق الله المواصلات؟

أتذكر تلك الأغنيات وتلك الشوارع السعيدة، وأقارنها بشوارعنا كلما مشيت مترًا واحدًا في الطريق لعملي أو لأي مكان آخر. لكن قبل الوصول للعمل، دعني أخبرك عن وسيلة التنقل التي اخترتها بناءً على تلك الظاهرة الممتدة منذ التسعينيات، تلك المرحلة الزمنية الحاضنة لطفولتي.

“المواصلات” كلمة تعني لي عربة السيدات بمترو الأنفاق، أو السيارات الأجرة محكمة الأبواب، لا أذهب إلى مكان لا تصل إليه محطة مترو. آخر مرة ركبت فيها الأوتوبيس كانت من أمام مدرستي، في ميدان صلاح الدين بمصر الجديدة إلى بيتنا، كنت في الصف الثالث الابتدائي، طفلة في مرحلة عمرية وزمنية لم تُصغ فيها بعد كلمة “تحرش”، لكن الفعل نفسه كان موجودًا بكثرة.

كان الأتوبيس بلونيه البيج المائل إلى البني يخترقه خط أحمر داكن، التفاصيل كلها ما زالت حاضرة في ذاكرتي: رجل مسن يرتدي جلبابًا رماديًا، وقف خلفي ثلاث محطات كاملة، يقترب مني بطريقة لا أفهمها، لكن جسدي فهمها جيدًا، كلما حاولت الابتعاد اقترب أكثر.

لم أكن أملك مفردات أشرح بها ما حدث، فقط أخبرت أمي أنني شعرت بشيء يشبه التحجر في مكاني، بصعوبة في الحركة، باختناق لا أعرف سببه، كنت أقسم لها أن شيئًا ما حدث، رغم أنني لا أعرف اسمه.

ما زال حاضرًا أمامي رد فعلها بوضوح، كانت هادئة، منصتة، متفهمة، ثم حاسمة. لم تصرخ ولم تُشكك، ولم تُحملني ذنبًا. عرفت لاحقًا أن رد فعلها كان مثاليًا بنفس المعنى الذي يُدرس اليوم في ورش التوعية للأمهات -كان من حُسن حظي- فكم من فتيات أُجبرن على ابتلاع قصصهن خوفًا من حديث مع أب أو أم ينتهي باللوم وإلقاء الذنب على أكتافهن.

قالت بحسم: لن تركبي أي أتوبيس مرة أخرى، فالأتوبيسات لم تعد كما كانت على أيامي، سأشترك لكِ في تاكسي يوصلك مع مجموعة من البنات في الأيام التي لا أستطيع مرافقتك فيها، وإن تكرر الموقف يومًا لأي سبب، اصرخي أو اطلبي المساعدة ممن يقف بجوارك. وتحملنا كلفة مادية مضاعفة، هي الكلفة نفسها التي تدفعها كل امرأة تريد أن تعيش بعيدًا عن المضايقات.

لا أعرف ما الحل بالتحديد لتلك الظاهرة التي تسحق نصف المجتمع، وتُربك نصفه الآخر، ولا أبحث هنا عن تكرار طلبات سبقني غيري في طلبها من ضرورة إيجاد عقوبات رادعة، فالسجون قد تحبس الأجساد لكنها لا تزرع الأمان في الشوارع.. ما أفكر فيه حقًا وأنا أعدو في ماراثوني اليومي، هو مفهوم السياسة العاطفية أو سياسة الحب.

من الرومانسية للخطاب السياسي

قد يبدو حديثي رومانسيًا، لكنه في الحقيقة فعل مقاومة صلب؛ لقد أقنعونا طويلاً بأن العقل “ذكر” يقرر، والعاطفة “أنثى” تخيب الظنون، ففصلوا السياسة عن شعورنا بالخوف، واعتبروا غضب امرأة في شارع عام مجرد حادث عابر لا يستحق أن توضع لأجله الميزانيات، وتنظم لأجله اجتماعات عاجلة لصناع القرار.

أحتاج إلى خطاب سياسي يجعل من "أماني الشخصي" قضية كبرى، لا تقل أهمية عن أرقام النمو الاقتصادي.

وكما تقول بيل هوكس، الكاتبة النسوية الأمريكية: الحب هو التزام أخلاقي؛ يعيد صياغة علاقتنا ببعضنا البعض، وهو أن يدرك صانع القرار، والمواطن الذي يشاركني الطريق، أن لي الحق الكامل في حياة كريمة.. حياة لستُ فيها فتنة يجب مداراتها، ولا جسدًا لتفريغ غضب أحدهم.

أتأمل الشوارع وأتمنى لو أن الذين يضعون القوانين يقرأون مارثا نوسباوم؛ وهي تخبرنا أن الدول التي تطمح للعدالة لا يكفيها وضع الدساتير، بل عليها أن تزرع عاطفة المساواة في نفوس مواطنيها، تمامًا كما نُجيّش المشاعر لحب الأوطان بالأغاني والاحتفالات، نحن بحاجة إلى تجييش المشاعر لاحترام إنسانية الآخر.

محاربة التحرش تبدأ من سياسة تملك قلبًا، سياسة يدرك فيها صانع القرار أن الحق في التمشية واستنشاق الهواء دون خوف، والحق في السير في مساحات تحترم جسد النساء وخصوصيتها، ليست حقوقًا نتخيلها في أحلامنا أو ثانوية على الهامش، بل هي أساسيات يحتاجها الإنسان لكي يحب نفسه وبيئته ووطنه. كم من حلول جربناها لمحاربة التحرش، إلا سياسة تملك قلبًا، ترفض بشكل قاطع دون مواربة أن يكون جسد النساء خارطة للمخاوف، وتؤمن بأن أمان امرأة واحدة تسير في ليل القاهرة، هو المقياس الحقيقي لنجاح أي نظام سياسي أو رقي أي مجتمع.

ففي الوطن الذي يرى في الرحمة أساسًا لقراراته، لن تشير الأصابع لخزائن النساء، بل ستُمد الأيدي لنبني معًا شوارع متسعة للجميع.. دون خوف، ودون سماعات أذن تعزلنا عن واقع نتمناه أكثر جمالاً.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 5 حسب تقييمات 2 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

مارسيل نظمي
[ + مقالات ]