كل ابن غريب لا يأكل منه ولكن كل عبد رجل مبتاع بفضة تختنه ثم يأكل منه، النزيل والأجير لا يأكلان منه… وإذا نزل عندك نزيل وصنع فصحاً للرب، فليختن منه كل ذكر ثم يتقدم ليصنعه فيكون كمولود الأرض. أما كل أغلف فلا يأكل منه. تكون شريعة واحدة لمولود الأرض وللنزيل النازل بينكم(سفر الخروج ١٢ : ٤٣-٤٩)
لم يكن مسموحًا أن يأكل من الفصح كل من العبد والقريب، والشخص الذي لم يختن، والأجير.
هنا يرتفع الطقس مرة واحدة ليوضح أساس العلاقة الجوهرية بين الإنسان والله.
فكل التحذيرات والشروط السابقة التي فرضت على اختيار الحمل وطهيه وأكله، ألقت رهبة ليست بقليلة تجاه ذلك الحمل الرهيب. ولكن عزل العبد والأجير وغير المختون من الاقتراب إليه لأكله يُزيد من هذه المهابة حتى يكاد الذهن العادي يدرك -في ذلك الزمان- أن هذا الخروف يحوي سرًا من أسرار الله!!
والآن، من هو العبد المشترى بالفضة المحروم من أكل الخروف إلا الإنسان الذي استهوته الأموال واستعبدته المقتنيات فاشتراه رئيس هذا الدهر بفضته لحسابه وجعله من خاصته؟
ومن هو الأجير إلا الذي خرج من بيت الآب السماوي واحتقر البنوة فافتقر واعتاز في الكورة البعيدة واستأجره السيد القاسي رئيس الظلمة ليعمل مشيئته؟
ومن هو الغريب إلا الذي رفض أن يستوطن عند الرب واستثقل وصاياه واحتقر بيته فعاش هائمًا محبًا للدنيا غريبًا، عدوًا لله؟
ومن هو غير المختون إلا الذي لم ينزع عاره ولا رضي أن يتخلص من إثمه وارتضى أن يعيش في الخطية وعليه نجاساته؟
هؤلاء لا يأكلون من الحمل لأنهم رفضوا عشاء عرس الخروف وازدروا واحتقروا الدعوة والداعي واستهانوا ولم يلبسوا لباس العرس ولم يبيضوا ثيابهم بطهارة دم الخروف!
أما المدعوون الذين يأكلون الحمل، فهم الذين استعدوا وصدقوا وأطاعوا ودخلوا في عهد البنوة واقتنوا روح الموعد القدوس.
الفصح بين القديم والجديد
لأن فصحنا أيضًا المسيح قد ذبح لأجلنا(رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس ٥ : ٧)
بهذه الكلمات كشف بولس عن الرابطة الوثيقة بين الفصح والمسيح، بين الرمز والمرموز، بين الظل والحقيقة، بين القديم والجديد. لهذا لا يسعنا إلا أن نعيد النظر في هذا الطقس في نور العهد الجديد لكي ننتقل من الحمل الذي انتهى إلى «حمل الله» الذي لن ينتهي، الحامل خطية العالم، القائم في السماء كأنه مذبوح [1]
1. الفصح كرمز للمسيح
الكتاب المقدس أعلن صراحة أن «فصحنا أيضًا المسيح»، أي أن لنا نحن أيضًا فصحًا. فالمسيح الذي رُمز إليه بالذبائح من نواحٍ عديدة، قد رُمز إليه مرة واحدة بذبيحة الفصح. إنه «حمل الله» [2]، الذي «بلا عيب ولا دنس» [3]، وهو أيضًا «قدوس بلا شر ولا دنس» [4].
عندما كان يذبح خروف الفصح، كان يشير من بعيد إلى المسيح معلقًا على الصليب، وعندما كان الخروف يطرح في النار كان يشير إلى عظم الآلام التي اخترقت نفس المسيح، وعندما كان الحمل يؤكل كله كان يشير كيف يؤخذ المسيح ويحل في قلب المؤمن [5].
كانت الأسرة تجتمع حول خروف الفصح بالتالي كل بني إسرائيل، فذبيحة الفصح كانت واسطة تجميع هائلة جعلت الشعب المفكك المتنافر وحدة واحدة وقلبًا واحدًا وفكرًا واحدًا على الأقل فيما يختص بطاعة أوامر الله وقبول الخروج من مصر والاستعداد للهروب. وعلى نفس النمط صار المسيح وحدة تجميع حية، إنما فيما يختص بالخلاص والعبادة الحقة والحياة الأبدية. فهو الذي جعل الاثنين واحدًا وصالح السمائيين مع الأرضيين، والشعب مع الشعوب، والنفس مع الجسد!! وهو مؤسس الكنيسة التي هي سر وحدة الإنسان بالله، التي تجمع وتوحد مع الله كل شعب ولسان وأمة تحت السماء!!
ولكن المسيح يفوق بما لا يقاس ذبيحة الفصح، فمن طبيعة الرمز أنه يكون أقل من المرموز إليه. الرمز يؤخذ من محيط دائرة منخفضة عن الشيء الذي يمثله. وهكذا في حالة الفصح تفوق الحقيقة الرمز حتى إذا ما أشرنا إلى الجوهر وجدناه يبتلع الرمز تمامًا.
كم هو كبير الفرق بين الفدائين، فالفداء الأول من مصر، كان من سطوة فرعون ومن قضاء وقتي كان سيحل ببني إسرائيل. ولكن كانت هناك حاجة إلى فداء أكبر ينقذنا من سطوة العالم ومن العبودية للخطية وذل الشيطان، من الموت الروحي الأبدي ومن غضب الله! هذا الفداء الأكبر قام به المسيح وأعطى الإنسان صك الحرية والخلاص والصفح الكامل وفتح الطريق أمام قلب الإنسان للاقتراب من الله ونيل التبرير الكامل ببر الله وحبه وقبول عهد التبني. كذلك كم هو كبير الفرق بين فاعلية دم حيوان وفاعلية دم ابن الله!!
دم الحمل لم يكن يرفع الخطية ومهما كان له من تأثير فهو مستمد من أن الله قد أقامه ليكون رمزًا للمسيح. عدم كماله كان واضحًا في تكراره [6]، ولكن ما عجزت عنه الدماء المراقة من آلاف الكباش والتيوس قد قام به المسيح إذ قدم نفسه مرة واحدة. لقد حصل إسرائيل على الهروب من القضاء الوقتي ونيل الحرية الخارجية. وعناية الله في البرية، وميراث أرضي نُزع منهم مرارًا. ولكن نحن أخذنا بدم المسيح مغفرة أبدية وتطهيرًا من الخطايا وبرًا نحيا به بلا لوم أمام الله، بر يسوع المسيح، وميلادًا ثانيًا للحياة بروحه ورجاءً بالقيامة من الأموات.
2. أرض مصر
دينونة مصر بالضربة العاشرة والأخيرة يوم الفصح هي رمز لدينونة العالم الأخيرة عندما يظهر الحمل المذبوح آتيًا بمجد عظيم. كانت الضربة في منتصف الليل -الوقت الذي كان يحلو للمسيح دائمًا أن يذكره في جميع أمثاله كميعاد لقدومه بغتة للدينونة العتيدة- كان الكل غارقًا في النوم، غير ملتفت إلى الكارثة التي حل ميعادها.
سوف يندهش العالم عندما يأتي عليه يوم الرب كلص وهو غافل عن نفسه في نوم وسلام مزيف. فاسهروا إذن لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم
[7]. لم يكن هناك من أنقذ من هذه الضربة من المصريين قاطبة، فكانت شاملة، ولم تمسك يد الرب عن الوصول إلى أعلى وأقل بيت. لقد تسببت خطيتهم في هلاك فلذات أكبادهم، هكذا الخطية تحرمنا من أعز ما لنا!
كان الألم والحسرة بلا جدوى، فالحزن والبكاء وصرير الأسنان لا يقيم من الموت ولا يفدي من هلاك أو من العقاب المحتوم! هكذا سيكون حزن الأشرار وصرير أسنانهم بلا فائدة كتوبة عيسو التي لم تجد لها مكانًا ولا استجابة.
وعلينا أن ننتبه إلى قول الكتاب: هي ليلة تحفظ للرب
[8]، الليلة التي يظهر فيها الله بنفسه ليعمل خلاصًا أو هلاكًا!
كانت كل الضربات التسعة السابقة لها أساس طبيعي ولكن لم يكن الأمر كذلك مع الضربة العاشرة بل كانت فائقة للطبيعة. كانت في الضربات التسعة فرصة للتوبة إذ كانت تبدأ بالتحذير ثم الضرب، ثم تنتهي بأن يرفع الله الضربة عنهم عندما يندم فرعون والشعب أي أن العدل كان ممتزجًا بالرحمة.
أليست هذه هي حالتنا في العالم الحاضر حيث يؤدبنا الله بينما باب التوبة لا يزال مفتوحًا على مصراعيه؟
ولكن الضربة الأخيرة كانت دينونة عادلة! ليس فيها رحمة، وهي صورة للدينونة الأخيرة حيث لا يوجد فيها أي رجاء بالرحمة.
كانت في الضربات الأولى دعوة ضمنية من جانب الله إلى فرعون ومصر للإيمان. ولكنها قوبلت جميعًا بالاستهزاء والتحدي وبعدم التصديق. وهكذا لا يزال الله ولا تزال معاملته من جهة الإنسان عامة، ولكن في المرة الأخيرة لم يكن مجال بعد لاستجداء توبة الإنسان، إذ كانت يد الرب هي القوة الضاربة المنتقمة.
وقعت الضربة العاشرة على أبكار البشر والحيوانات إشارة وتوجيهًا لذهن الإنسان إلى مسؤوليته المباشرة عن الخليقة، سواء بخطيئته مسببًا لها اللعنة والموت والفساد، أو بتوبته وطهارته مسببًا لها الفداء والحياة وتجديد وجه الأرض. أما أبكار المصريين فماتوا جميعًا في ليلة واحدة كضربة جزاء لقتل ذكور بني إسرائيل، فقد فداهم الفصح عربونًا ورمزًا لقيامة المسيح البكر من بين الأموات!!
وكان أن الله كلم موسى بعد خروجهم من أرض مصر مباشرة قائلًا: قدس لي كل بكر، كل فاتح رحم، من بني إسرائيل من الناس ومن البهائم، إنه لي
[9]. تقديس بكورية الإنسان رمز منصب على التجسد، وبكورية الحيوانات الطاهرة رمز منصب على ذبح المسيح على الصليب.
لذلك ظلت هذه الوصية قائمة إلى أن تجسد المسيح البكر، بكر الإنسان ووحيد الله!! فانفك بكر الإنسان من الالتزام، ولما ذبح على الصليب، أُبطلت الذبيحة فانفك بكر الحيوان من الالتزام. لقد تحررت الخليقة كلها بموت المسيح.
وأصنع أحكامًا بكل آلهة المصريين، أنا الرب(سفر الخروج ١٢ : ١٢ )
كانت هذه هي الحال مع العشر ضربات وخصوصًا الأخيرة، عندما أهلك أبكار البهائم، فكانت هذه الضربة موجهة من الله ضد عبادة الأوثان وعبادة الحيوانات وتعبد كآلهة أيضُا.
كانت حياة بني إسرائيل في مصر مُرَّة وتنهُدهم في العبودية والمذلة بلغ السماء، لذلك كان طقس إقامة الفصح على ممر السنين ذكرى مؤلمة، ذكرى الغربة المرة تحت الولاة القساة، فكانت فرصة النجاة والخلاص يشوبها باستمرار صورة قاتمة لما قاساه الشعب البريء في مصر.
أما نحن، فليست آلامنا ذكرى بل هي حقيقة واقعة. فالخطية التي ترمز إليها مصر، والشيطان الذي يرمز إليه فرعون، لا يزال عملهما قائمًا، فإن كانت فرصتنا بالخلاص الذي أكمله المسيح عظيمة، فآلامنا ليست قليلة، لأننا لا نزال نواجه العالم ورئيسه مع قوات الظلمة وجنود الشر، لذلك نحن لا نقيم فصحنا للذكرى بل نقيمه كل يوم في قلوبنا وعلى مذابحنا طلبًا للنجاة وتمسكًا بالذي ينجي!
قد تبدو مدة غربتنا طويلة ولكن الله سيفدينا في النهاية.
كانت مدة أربعمائة وثلاثون سنة طويلة، ولكن الفصول والسنون في يد الله، وكما حدد أربعة قرون كمدة للعبودية قبل بدئها [10]، هكذا نثق أنه يحدد -بحكمة- زمان آلامنا وغربتنا. الله يعرف مدة احتياجنا للتأديب فيحدد لكل من أولاده نوع وزمن الألم الذي يحتاجه لتقويمه، ولكن لا بد أن نترجى كل يوم الليلة التي نخرج فيها من «مصر» حينما يفتقدنا الروح القدس ويفك أربطة الخطايا عن قلوبنا وعقولنا ويرفع حجاب الظلمة عن عيوننا لنرى النور الحقيقي ونذوق «ليلة الرب»!! وسر «عشاء الخروف».
كان خروج الشعب خارج عتبة البيت ليلة الفصح خطرًا. الموت المحتم كان يترصد أي يهودي إذا تخطى البيت أي ابتعد عن حماية دم الكفارة قبل الصباح. آه، فليحذر المسيحي أن يتخطى حدود دم المسيح! آه، نحن لسنا أحراراً أن نبتعد عن حدود وصايا المسيح.
ليس مسموحًا لنا أن نخرج عن معنى الصليب وحدوده الضيقة.
الموت يترصد المسيحي حينما يستهين بالدم الإلهي ويخرج يطلب الحرية العقلية من مصادر الفلسفات الميتة.
وأنتم لا يخرج أحد منكم من باب بيته حتى الصباح
[11]. علينا أن نستمر وراء الصليب في حمى يسوع إلى أن ينفجر النهار ويشرق علينا نور مجد المسيح ونوهب الحرية الحقيقية من الروح القدس.
