كلِّما كل جماعة إسرائيل قائلَيْن: في العاشر من هذا الشهر يأخذون لهم كل واحد شاة بحسب بيوت الآباء، شاة للبيت(سفر الخروج ١٢ : ٣)
كان التقليد اليهودي يحدد أقل عدد يشتركون في أكل الفصح بعشرة أفراد. يتقاسمه كل أفراد العائلة من رجال ونساء وأولاد. وكان الحمل يُذبح عادة بين الساعة الثالثة بعد الظهر والخامسة مساء. فإذا كانت عائلة مكونة من خمسة أفراد مثلًا فإنها لن تستطيع أن تنهي الحمل في ليلة. لذلك كان على أية عائلة كبيرة مجاورة أن ترسل خمسة أفراد لإتمام العدد.
كانت ممارسة الفصح ليست عملًا فرديًا بل جماعيًا أو بمعنى أوسع كان للأمة كلها. وهكذا كان الشعب يتعلم وحدته في الله، وحدة الشعب في الذنب كما في الفداء –هذا تصوير بديع لسر الكنيسة في فجر الوعي الديني. كل واحد كان مسؤولًا وشريكًا ضمنيًا ليس عن خطاياه فقط، بل عن خطايا الأمة أيضاً. لقد أخطأ عاخان فاعتبر الله أن «إسرائيل (كله) قد أخطأ» [1]. أما في الفداء فهذا نراه رمزيًا في أكل كل الجماعة للحمل مشويًّا كله مرة واحدة حينما يوضع على المائدة غير مقسم [2]، ولم يكن يكسر عظم منه!، ويقول داود: «يحفظ جميع عظامه، واحد منها لا ينكسر»، مشيرًا إلى الرجل البار أي المسيح، رابطًا الرمز أي خروف الفصح بالحقيقة التي لم يرها بعد [3].
لقد أنشأ الفصح وحدة في الأمة، فالكل يتحد في طاعة الله وفي تنفيذ الوصية حرفيًا وفي أكل الخروف المشترك. لقد وجدت هذه الروح بين اليهود العائدين من السبي عندما: اجتمع الشعب كرجل واحد إلى أورشليم
[4] لإنشاء مذبح المحرقة. ولقد ظهرت هذه الروح أيضًا في عهد نحميا عندما اجتمع بنو إسرائيل بالصوم وعليهم مسوح وتراب
[5]. والآن في مصر أصبح الشعب روحًا واحدًا نتيجة الألم المشترك الذي خضع له وبسبب الضربات التي رآها تحل بالمصريين والوعد بالأرض التي تفيض لبنًا وعسلًا فنهضوا «كرجل واحد» تحت قيادة موسى! ولكن للأسف إذ أن اليهود في كل حياتهم حولوا وحدة الخلاص والفداء إلى وحدة التعصب، واستغلوا أوامر الله للتكتل ضد خطر الانحلال والانغماس في خطايا الأمم إلى التكتل لبغضة الأمم نفسها!، وهذه الروح المنحرفة عن معنى الوحدة الحقيقية في الله والخلاص من العدو الروحي، هي نفسها التي جعلتهم يعثرون في المسيح نفسه: ماذا نصنع فإن هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة، إن تركناه هكذا يؤمن الجميع به فيأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وأمتنا… خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها
[6]. إنهم دائمًا يستهينون بالروح والأخلاق في سبيل احتفاظهم بأرض أو هيكل من حجارة أو طقوس وأسماء…
صفات خروف الفصح
… تكون لكم شاة صحيحة، ذكراً ابن سنة… ويكون عندكم تحت الحفظ إلى اليوم الرابع عشر…(سفر الخروج ١٢ : ٥، ٦)
إن “بروتوكول” الذبائح يمنع تقديم «الأعمى والأعرج والسقيم» كذبيحة [7]. فذبيحة بها عيب كانت قطعًا لا تليق كرمز للقدوس الطاهر الذي انفصل عن الخطاة!
وكان الحمل “ذكرًا” فدية وبديلًا عن الأبكار “الذكور” في كل عائلة، أن المسيح الذي مات عنا قُبلت ذبيحته لأنه كان “بلا عيب”. فحامل الخطية ينبغي أن يكون بلا خطية. هذه هي قوة سر الفداء العجيب: الذي حمل نفسه خطايانا في جسده على الخشبة
[8].
كان الحمل يفصل عن سائر القطيع قبل الفصح بأربعة أيام. ويقول التقليد إن السبب هو أن يعطي فرصة لأب الأسرة لكي يفحص الحمل لإمكانية الحصول على آخر إذا اكتشف فيه أي عيب.
ولذلك كان على من يشترك في هذا الفصح أن يغير سلوكه حتى يشبه الذبيحة التي بلا عيب.
كان الفصح ذبيحة تنقذ من الموت وهنا نرى الطاعة لوصايا الله تضمن السلام. لقد أعلن الله أنه سيقتل الأبكار فأطاع الشعب ورش الدم على البيوت فكان دم الطاعة مقبولًا أمام الله كبديل عن أبكارهم، هكذا دائمًا مجرد الطاعة لأمر الله كفيل أن يقوم مقام أعظم الأعمال.
إن أكل الحمل الذي بلا عيب يرمز إلى الحالة التي يتطلبها الله من مقدم الذبيحة، وإلا ما قيمة أن يكون الحمل بلا عيب شكلًا وهو سيشوى بالنار ويؤكل؟ إن تشديد الله على طهارة الحمل وخلوه من العيوب يرفع ذهننا إلى سر تحوُّل يتم من الحمل المأكول إلى الإنسان الآكل، فإذا تعذر فهم هذا في حالة الذبيحة البهيمية، فهو لا يتعذر في ذبيحة المسيح الإلهية لأن التحول يتم بقوة طهارة الطاهر وقداسة القدوس.
كان الحمل ابن سنة واحدة لكي يقترب من مثال الكمال، وهكذا ابتدأ يسوع خدمته وهو في نضارة شبابه [9]. ألا يذكرنا هذا بأننا إذا تذكرنا الله في أيام شبابنا وقدمنا له باكورة صحتنا وقوتنا وعمرنا فإننا نصير أقرب لأوصاف الذبيحة المقبولة؟
ثم يذبحه كل جمهور جماعة إسرائيل في العشية(سفر الخروج ١٢ : ٦)
عندما نتذكر أول فصح أقيم في مصر، نستطيع أن ندرك كل ما قيل وعُمل في الليلة التي جلس فيها يسوع مع تلاميذه ليأكل الفصح الأخير. وما يزال الرب إلى الآن يقول: خذوا كلوا، هذا جسدي
. إننا نأكل هنا جسدًا إلهيَا حقيقيًّا لا خبزًا ولحمًا عاديين.
كان رش الدم جزءًا من حمايتهم من الملاك المهلك والأكل من الخروف الطاهر ينقل إليهم طهارته رمزيًا فيرفع عنهم سبب الموت. ومما لا شك فيه أن رش الدم ما كان يفيد شيئًا ما لم يصحبه أكل جماعة إسرائيل للخروف داخل البيوت. فعندما يشرب الدم يعلن طاعة الإيمان بالذي جعل نفسه بين الله والخطاة.
ولكن عندما يؤكل الجسد فإنه يوضح قبول الفادي الذي أصبحت حياته حياتنا. وحيث أنه بلا عيب فإنه يجعلنا أيضًا كذلك وحيث أنه مقبول فإنه يجعلنا مقبولين لدى الله!!
رش الدم
ويأخذون من الدم ويجعلونه على القائمتين والعتبة العليا في البيوت التي يأكلون فيها(سفر الخروج ١٢ : ٧)
كان الدم عند اليهود يعتبر الحياة نفسها، ولذلك فهو العنصر الأساسي والأهم في الذبيحة، ومحور الرمز بالنسبة للكفارة لأن مفهوم الكفارة هو تقديم حياة للموت عوض حياة مهددة بالموت. ولما كانت ذبيحة الفصح الكفارية تقام من أجل البيت لكي ينقذ البكر من الموت، فكان من الضروري أن علامة الكفارة (أي الدم) توضع على الأبواب. واختيار الباب لكي يُرَش عليه الدم يتصل بفكرة أن الباب مدخل الحياة أو الموت، فإذا حمل الباب الدم يكون قد حمل في الواقع الحياة. وهكذا يلقي هذا الطقس ضوءًا على قول المسيح: أنا هو الباب
[10]، وليس فقط الباب المسفوك عليه الدم الإلهي! فهو حقًا باب الحياة وباب السماء!
لقد مات الحمل عن الأبكار. كان على البيت أن يحتمي وراء ذبيحة بلا عيب ويهرب من القصاص العادل الذي تستحقه خطاياه. وهكذا يظهر الفصح طقسًا إلهيًا يشير إلى حاجتنا إلى كفارة لكي تغطي خطاياه. كان الله على وشك النزول ليصنع نقمة كما صنع بسدوم وعمورة سابقًا، ولكن كان بنو إسرائيل كالمصريين تمامًا من جهة استحقاقهم للموت بسبب الخطية ونزول الله لا يحتمله الخطاة!!
ولهذا وجب إنقاذهم على أساس آخر غير استحقاقهم حتى يحتملوا عبور الله وسطهم. وهنا نسترجع قول رئيس الكهنة عندما قال: خير أن يموت واحد ولا تهلك الأمة كلها. فقد كان صادقًا وكانت حقيقة لأن نزول القدوس ابن الله ووجوده وسط الخطاة كان يحتمل أحد أمرين: إما أن يهلك الشعب الخاطىء وإما أن يموت المسيح عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها!! والمسيح اختار ما اختاره رئيس الكهنة. لذلك لم يمانع المسيح من أن يقدم نفسه للموت، ولكن شتان بين ما أضمره رئيس الكهنة وما أضمره المسيح، فرئيس الكهنة كان يريد أن يتخلص من المسيح، أما المسيح فكان يريد أن يخلص رئيس الكهنة!! لذلك اعتبر رئيس الكهنة قاتلًا، واعتبر المسيح فاديًا!!!
كيف يؤكل خروف الفصح؟
وتأكلون اللحم تلك الليلة مشويًا بالنار، مع فطير على أعشاب مرة تأكلونه، لا تأكلوا منه نيئًا أو طبيخًا مطبوخاً بالماء، بل مشويًا بالنار، رأسه مع أكارعه وجوفه … ولا تُبقوا منه إلى الصباح … تأكلونه وأحقاؤكم مشدودة وأحذيتكم في أرجلكم وعصيكم في أيديكم وتأكلونه بعجلة، هو فصح للرب(سفر الخروج ١٢ : ٨-١١)
كانت لحوم الذبائح عادة تطبخ في الماء [11]. ولكن كان الأمر الصادر لهم بخصوص الفصح هو أن يكون مشويًا بالنار، تمييزًا لذبيحة الكفارة التي تحمل معنى أقصى حالات التألم عندما تموت نفس عن نفس، نفس بريئة عن نفس خاطئة!!
ويقول التقليد إنه كان يمر في جسم الحمل «سيخان»، أحدهما متعامد على الآخر، ثم يلقى هكذا وسط النيران «مصلوبًا»، وكان يقدم معه الأعشاب المرة التي تشير إلى مرارة إنكار الذات إذا كنا نتغذى بالمسيح، وكان مشويًا كله بالنار لكي يؤكل كله تأكيداً لسر الاتحاد القائم بين الحمل المذبوح والآكلين، اتحادًا كاملًا حيث تكون الآلام المشتركة (النار) واسطة ضرورية لكمال هذا الاتحاد المعبر عنه بالأكل.
وكان كل اللحم يأكله الحاضرون ولا يترك منه شيء للغد، تعبيرًا عن بساطة الاتحاد وكماله غير المتجزىء. والباقي من الحمل كان يحرق بالنار تنبيهًا للذهن أن الموضوع أكثر من أن يكون أكلًا أو تغذية، فلحم الخروف يحمل سراً آخر يفوق الأكل!
هذا كان «فصح للرب»، فلم يكن وجبة عادية بل ذبيحة خلاص وأكل حياة وفداء من موت أكيد. فكان يؤكل بسرعة وخشية واحترام شديد وهم وقوف.
فلم يكن عظم يكسر منه تنبيهًا للذهن لكرامة الذبيحة وعمق السر المخفي وراءها.
أما الأعشاب المرة فهي تذكير الشعب بآلامه في مصر، وإشارة إلى شركة آلامنا مع الحمل الإلهي. فشركة الحياة مع المسيح يدخلها عنصر الآلام كلازمة من لوازم الفداء. وكتذكير دائم لطعم الموت الذي جازه المسيح، فالصيب لم يكمل طقسه إلا عندما ذاق المسيح المر مع الخل. وهكذا احتوى طقس الفصح القديم دقائق موت المسيح وآلامه!! التي أصبحت لنا جزءًا لا يتجزأ من إيماننا وحياتنا!!
