المقال رقم 1 من 0 في سلسلة عيد الفصح
عيد الفصحwp-content/uploads/2026/03/حمل-الفصح.webp
  • الحادي والعشرين من مارس

كل عام وأنتم بخير! الحادي والعشرين من مارس له خصوصية فريدة بين أيام السنة الميلادية، وأكاد أقول إنه أهم أيام هذه السنة! ففي التقويم الذي نتناوله نحن بالفحص نعلم أنه يأتي في أيام شهر نيسان بحسب .

ففي سفر الخروج نقرأ: هذا الشهر يكون لكم أول الشهور [أهم شهور السنة] [1]، إذ يكون فيه فصح للرب [2]. كما أنه يوم لا تبقى فيه الذبائح إلى الغد [3]، أي إنه يوم خاص جدًا.

لذلك فقد دأبت المجتمعات اليهودية في كل بلاد العالم على أن يتوافق عيد ، الذي تحتم أن يكون الاحتفال به موافقًا للقمر الكامل الذي يحلُّ بعد الاعتدال الربيعي، أي تساوي ساعات الليل مع ساعات النهار، وهذا ينتج عن تعامد الشمس على محيط خط الاستواء الذي يقسم الكرة الأرضية إلى قسمين: شمالي وجنوبي، وهو إما في الربيع فيسمى الاعتدال الربيعي [21 مارس]، أو في الخريف (أي في شهر سبتمبر)، فيسمى الاعتدال الخريفي.

لذلك، تم تعديل وتصحيحه عدة مرات على مدى الزمن، منذ أن بدأه أحد العلماء الفراعنة، وكل ذلك التعديل والتصحيح لكي يكون يوم 21 مارس أقرب ما يكون إلى تساوي ساعات الليل مع ساعات النهار.

ولكن يأتي سؤال آخر: وما سبب ضبط التقويم على يوم 21 مارس في حد ذاته؟
الإجابة باختصار، لأن الذي يحلُّ في 14 نيسان حسب التقويم العبري يأتي بعد هذا اليوم!
وهكذا لن يأتي عيد الفصح (14 نيسان) في الشتاء أو في أي فصل آخر غير الربيع.

ونضيف إن عيد الفصح يقدَّم فيه خروف حولي [عمره سنة واحدة]، كذبيحة تحفظ في البيت ابتداء من العاشر من نيسان وحتى الرابع عشر منه، وذلك كإعداد جيد للخروف للذبح، لكي يطمئن صاحب البيت إن الخروف جيد للذبح، فليس فيه عيب ما.

وخروج بني إسرائيل من أرض مصر في فصل الربيع هو رمز للتحرر من أرض العبودية (مصر الفرعونية)، ونجاة من أيدي مستعبديهم. كما أن الربيع رمز لبداية حياة جديدة حيث تزهر الورود والثمار، فتمتلئ الأرض فرحًا بالحصاد المرتقب.

وهكذا، كان تحديد يوم 21 مارس كبداية لفصل الربيع تحديدًا صحيحًا ومتقنًا، سنرى نتائجه في الفقرات القادمة.

يوم الفصح: بيساح Pesah

يوم خروج بني إسرائيل من أرض مصر، بعد 430 سنة من تواجدهم فيها:
الله هو الذي أمر بالفصح، فلم يقترحه أو موسى النبي، بل كل الطقس جاء بإعلان إلهي.
كل بيت كان عليه علامة الدم، عبر عنه الملاك المهلك!

هكذا بدأ استعلان يوم الصليب؛ وهكذا تصورت أفكار الخلاص بدم المسيح في فكر الله، مبكرة جدًا هناك في مصر: مصر حيث صُلِب ربنا أيضًا [4].
نعم، هكذا يقول سفر الرؤيا مشيرًا بالروح إلى الفصح الذي تم في مصر كأول إعلان عما أضمره الله القدير، والذي حققه أخيرًا في ملء الزمان خارج أبواب أورشليم.

عجيب حقًا أن يرى يوحنا الرسول بالروح وهو في عمق استعلان أسرار الله، إن الفصح الذي تم في مصر يحمل صورة نافذة لصلب المسيح كأمر مقضي به على الأرض!

إن هذه الرؤيا النافذة العجيبة تجعلنا نرتفع بالرمز بل وبحوادث الماضي البعيد كله منذ أول كلمة وأول عمل تم على الأرض بيد الله لنرى فيه مشورات القدير، حينئذ حينما نسمو بالروح وندخل في عمق استعلان أسرار الله نتحقق كيف تمت وكيف تتم أعمال الله ومشوراته من يوم إلى يوم!، كما رأى يوحنا لا بالفكر المجرد وإنما برؤيا الذهن المفتوح!!

خروف صحيح يُذبح ويُؤكل مشويًّا بالنار على أعشاب مرة ودمه يكون علامة على الأبواب للخلاص! فأرى الدم وأعبر [بيسح = فصح] عنكم فلا يكون عليكم ضربة للهلاك [5]. لقد اشتهى المسيح أن يكون هذا الحمل فكان، والعالم كله لا يزال يأكله ويخلُص بدمه!!

إن تصاوير الله مهما بدت بسيطة غاية البساطة كقصة خروف الفصح التي تصلح أن تبهج قلب الأطفال، فهي لا تزال تحوي رمزًا لأقوى عمل إلهي تم على وجه الأرض وأعظم مأساة سمعتها أذن إنسان!!

وطول السنين الذي يُفني الأجيال ويمسح من قلب التاريخ أعظم الحوادث وأشدها هولًا، ظل أمينًا على قصة فصح الله البسيطة يحفظها بوعي أبدي، نعم، ظل ساهرًا عليها ألفًا وخمسمائة عام حتى أجراها بكل دقائقها لما تم ملء الزمان!

في كل بلاد المشرق كان يعتبر مجيء الربيع عيدًا حيث كانت تقدم تقدمات للآلهة. وكانت تصحب هذه الاحتفالات أيضًا أعياد الزهور فتقدم فيها باكورات الأرض وغلاتها تطوف في عربات مكشوفة وسط تهليل الجماهير، وكانت تُقدَّم هذه الثمار في المعبد أمام الآلهة وكان يُحتفَل بهذا العيد سنويًّا في مصر.

ولو لم يُحضِر بنو إسرائيل من كنعان تقليدات الآباء معهم لكان هناك احتمال أن يشتركوا في مثل هذه الأعياد الصاخبة، إذ أصبح بعضهم يعمل في الزراعة بجانب تربية المواشي [6].

في هذه الأيام كانت تجري الإنذارات تباعًا ليطلق الشعب المستعبد المظلوم، وكانت الإنذارات مصحوبة بضربات!! ولما كان الله على وشك أن يضرب أبكار المصريين، إعلانًا لغضبه ورفضه النهائي للشعب الظالم ولفرعون المستبد؛ في هذا الجو الصاخب الذي يشبه ضغطة العالم على نفس الإنسان واستبداد ناموس الخطية على الجسد؛ سلم الله لموسى سر الفصح (أي سر العبور).

فكان على كل بيت أن يختار حملًا في اليوم العاشر من الشهر، ويحفظه منفصلًا عن سائر القطيع حتى اليوم الرابع عشر حيث يذبحه ويغمس الدم بزوفا [7]، ويرش به القائمتين والعتبة العليا، وبذلك تترك على البيت علامة الدم. ثم يشوون الخروف بالنار ويأكلونه مع فطير على أعشاب مرة.

ويفعلون ذلك وهم وقوفٌ، مُرتَدين ملابسهم في حالة استعداد، وكذلك عصيهم في أيديهم. فإذا مر الملاك ليضرب الأبكار فإنه “يعبر” على البيوت التي عليها الدم فلا يمسها، ومن هنا جاءت التسمية حيث أطلقت بعد ذلك على العيد نفسه “البصخة” من “بيساخ” أي عبر.

أول الشهور

هذا الشهر يكون لكم رأس الشهور. هو لكم أول شهور السنة

(سفر الخروج ١٢: ٢)

كانت السنة اليهودية تبتدئ مع اعتدال الخريف في شهر تشري الذي يقابل أكتوبر. ولكن منذ يوم الفصح أصبح لهم تاريخان، أحدهما ديني والآخر مدني، وأصبح شهر أبيب (أبريل الحالي) وهو السابع من السنة المدنية، أول شهور السنة الدينية عندهم. والملاحظ أن السنة المصرية والبابلية لا تتفقان مع السنة المدنية اليهودية.

ومع وضعهم الجديد كأمة حرة وامتيازهم بأنهم شعب الله المخلص [8]؛ أخذ بنو إسرائيل عطية هي سنة جديدة في تاريخهم. بقيت سنتهم المدنية كما هي تبدأ في الخريف ومعها اهتماماتها العالمية التي تشغل الذهن وتحصر الأفكار في العالم، حيث تسدد ديون أو تدفع كمبيالات أو تبدأ المخازن السنوية نشاطها. فتكون النتيجة أن عقول البشر تصبح مشغولة بأشياء أرضية بحيث لا يجد الإنسان فرصة للتأمل في الأمور الروحية.

لهذا أصبح من المهم أن يكون للدين سنة مستقلة تبدأ بذكريات روحية تجد النفس فيها فرصة للتأمل في إحسانات الله وبركاته فتقدم له الشكر والتسبيح على مراحمه. وكما كان مجيء المسيح هو نقطة التحول في تاريخ العالم، إذ هكذا تبدأ السنة المسيحية بالشهر الذي ولد فيه المسيح، حتى يتعلم المسيحيون أن الجذر والأساس الذي تنبع منه كل بركاتهم الروحية هو التجسد؛ كذلك بالنسبة للأمة اليهودية كان محورهم الحيوي هو الخروج من العبودية في أرض مصر.

الخلاص من مصر كان فداء من العبودية وبداية حياة حرة، لذلك كانت ذبيحة الفصح هي الطقس المعين لحفظ عهد الخلاص من العبودية؛ وبُدأ بتحديده بواسطة الختان، لذلك فالختان مع ذبيحة الفصح هما معًا يمثلان حفظ العهد.

ظل الفصح ذكرى دائمة على مدى السنين لمراحم الله ونزوله لمعونة شعبه. فقد أقيم بمناسبة الضربة العاشرة على مصر ونجاة أبكار إسرائيل من هذه الضربة، وكان الطقس مصحوبًا بخروج كل الشعب من أرض مصر. فالإنسان معرض لأن ينسى إحسانات الله عليه حتى إن نفس الدول تفرض أحيانًا أعيادًا لكي تذكِّر الشعب بواقعة وطنية معينة. فالفصح كان ذكرى فرضها الرب على الشعب قديمًا ليذكر بها أعظم حوادث حياته.

وهكذا أصبح الفصح فرصة للشكر فذبائح الفصح طوال السبعة أيام في عيد الفطير الذي يصحبه (باستثناء خروف الفصح والتيس الذي يقدم يوميًا) يجب اعتبارها تقدمات شكر. وبجانب هذا كان الأفراد يقدمون ذبائح شكر خاصة. وهكذا كان القصد الرئيسي من الشكر هو تذكار ذلك الخلاص العظيم مصحوبًا بذكرى مراحم الله مع الأمة كلها.

كان الخروج من مصر ميلادًا لإسرائيل، لأن التاريخ الذي يأتي فيه الخلاص إلى بيت الإنسان [9] هو “بداية الأيام” بالحقيقة لهذا الإنسان أو بداية الحياة الجديدة: مولودًا ثانية [10]، انتقل من الموت إلى الحياة [11]، إنه خليقة جديدة [12]. كما أن الزمان الذي نقضيه بعيدًا قبل أن نعود إلى حضن الله لا يُحسب من عداد حياتنا؛ إنه عمر ميت وأيام مفقودة، إنه زمان الشهوة وتزيين القبور!

يظن البعض إن بني إسرائيل استخدموا السنة المصرية التي كانت تبدأ في الصيف، ولكن الحقيقة خلاف ذلك لأنه منذ تكلم الله مع موسى أصبح كل ما يتصل بمصر التي كانت رمز للعبودية قد انتهى. أما بداية العام الجديد فهو يوم الفصح، يوم تتميم مشورة العلي والانسحاب من أرض الخطيئة، يوم البدء برحلة الله الطويلة…

إن وضع طقس الفصح كان الأساس الذي وُهب لهم عليه الخلاص في مضمونه العلني والسري. ومع أن الخلاص كان واضحًا لأن عمل الله كان بالعيان المنظور، فبني إسرائيل أنقذوا بمجد عظيم، إلا أنه كان خلاص الجسد فقط. أما طريق الخلاص الروحي فلم يكن قد أعلن بعد.

بدأ الفصح والخروج معًا ومن هنا يتضح لنا أكثر أنها كانت ذبيحة تطهيرية بجوار أنها ذبيحة خلاص ونجاة. لأنها أقيمت في ليلة الخروج باعتبار أن حياة أولاد الله وسط الخطيئة والإثم تحتاج إلى تطهير ساعة العبور من مصر الشهوة إلى برية الحياة والروح.

كان البكر يمثل العائلة، لذلك ففداء أبكار بني إسرائيل كان رمزًا لفداء الأمة كلها. وهكذا لم يكن الفصح من أجل البكر فقط، لأن كل البيت كان ممثلًا فيه، ولذلك أيضًا موت أبكار المصريين كان يرمز بالضرورة إلى غضب الله المعلن على الأمة كلها. بعكس الضربات الأخرى التي كانت تحذيرية؛ فالله يحذر كثيرًا ولكنه إذا لم يُسمع له يُميت!!

هكذا بدأ تاريخ الأمة كشعب الله بالإحسانات والمراحم، كللت السنة بجودك [13]. لقد أخبروا قبلًا عن إحسانات الله مع آبائهم، ولكنهم الآن قد عرفوا إحسان الله وعاشوه. إننا لسنا بعد بسبب ك نؤمن، لأننا نحن قد سمعنا ونعلم أن هذا هو بالحقيقة المسيح مخلص العالم [14].

إن خلاص الله لشعبه بدأ عهدًا جديدًا لهم: ها أنا أصنع كل شيء جديدًا» [15]. حياة الإنسان تبدأ منذ اللحظة التي يُنقذ فيها من عبودية الخطية، إذ يعتبر هذا إعلانًا إلهيًا بقبوله كابن بكر لله، فالله لا يفدي إلا لأولاده. إذًا، إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا» [16].

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. سفر الخروج 12: 2 [🡁]
  2. سفر الخروج 12: 11 [🡁]
  3. سفر الخروج 34: 25 [🡁]
  4. سفر الرؤيا 11: 8 [🡁]
  5. سفر الخروج 12: 13 [🡁]
  6. راجع سفر التثنية 10:11 [🡁]
  7. سفر العدد 22 [🡁]
  8. سفر الخروج 6:6 [🡁]
  9. إنجيل لوقا 19: 9؛ سفر أعمال الرسل 16: 24 [🡁]
  10. إنجيل يوحنا 3: 3 [🡁]
  11. إنجيل يوحنا 5: 24 [🡁]
  12. رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 5: 17 [🡁]
  13. مزمور 65: 11 [🡁]
  14. إنجيل يوحنا 4: 42 [🡁]
  15. سفر الرؤيا 21: 5 [🡁]
  16. رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 5: 17 [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 5 حسب تقييمات 3 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

برتي المقاري
راهب في دير القديس الأنبا مقار الكبير   [ + مقالات ]