في جماعاتنا المسيحيّة كثيرًا ما تتوقّف أذهاننا عند الدهشة والإعجاب بالمعجزة.
ولكن هل كان ذلك قصد يسوع؟ أو هل كان ذلك قصد الإنجيليّين من سرد هذه المعجزات؟

يستخدم يوحنّا في إنجيله تعبير «آيات» أو «علامات»، فالمعجزة هي لحظة كشفٍ وإعلان عن حقيقةٍ لاهوتيّة تأخذنا ممّا هو ملموس ومرئي نحو ما هو أعمق، وتكشف عمّن هو الله ومن هو الإنسان. إنّها دائمًا فعلٌ يكشف هذه العلاقة بين الاثنين.

في هذا الإطار، لا يمكن معجزة إقامة لعازر والتوقّف عند كونها تدخّلًا خارقًا يعيد الحياة إلى ميّت، فهذه المعجزة آية تكشف من هو يسوع، وما هو الموت، وكيف يعمل الله في تاريخ الإنسان.

يبدأ النصّ بمفارقةٍ لاهوتيّة حادّة: يسوع يحبّ لعازر ومرثا ومريم، ومع ذلك يتأخّر. لا يذهب فورًا، بل يمكث حيث هو، ويسمح للمرض أن يبلغ نهايته، أي الموت. هذا التأخّر هل يمكن فهمه تردّدًا أو عجزًا؟ يُظهِر النصّ أن هذا التأخير يدخل في منطق الإعلان: «هذا المرض لا ينتهي إلى الموت، بل إلى مجد الله». إذًا، التأخير يُقدّم هنا على أنّه تدبير الله وموضع ظهوره.

ما يبدو مأساةً يُستدرج إلى قصدٍ إلهيّ يتجاوز الفهم المباشر. تُترك الحالة لتبلغ أقصاها: أربع أيّام في القبر، حتى يظهر الموت في كامل لا رجوعيّته. عندئذٍ فقط يمكن أن ينكشف تجاوزه. هنا يتّضح مبدأٌ لاهوتيّ أساسي: الله لا يعمل ضمن حدود توقّعات الإنسان، ولكنّه يكشف مجده تحديدًا حيث تنهار هذه الحدود.

مع اقتراب يسوع من بيت عنيا، يتباطأ السرد عن قصد، وكأنّه يدفعنا إلى مواجهة الموت من دون تلطيف. مرثا تعبّر عن إيمانٍ صحيح، لكنّه غير مكتمل: أعلمُ أنّه سيقوم في اليوم الأخير. هذا إيمان بالقيامة، لكنّه مؤجّل. أمّا يسوع فينقلها إلى مستوى آخر: أنا القيامة والحياة.

يكشف كلام يسوع أنّ القيامة كفت عن كونها حدثًا مستقبليًّا فقط، إنّها واقعٌ حاضر في شخصه. لم تعد الحياة الأبديّة رجاءً مؤجّلًا، الحياة الأبديّة حاضرة الآن. يُستدعى المستقبل إلى الحاضر، ويُكشف العلاقة بين الله والإنسان انطلاقًا من شخص المسيح نفسه.

إلّا أنّ السرديّة لا تخفّف من وطأة الموت. فيسوع يضطرب، وينفعل، ويبكي. هذه ليست تفاصيل عاطفيّة ثانويّة، ولكنّها تكشف لنا أنّ يسوع يواجه الموت بوصفه عدوًّا. والموت حسب التقليد الكتابيّ مع كونه نهايةً طبيعيّة يبقى قوّةً تقف في وجه الحياة.

في هذا السياق، يكتسب تأمّل المعلّم إيكهارت عمقه: صرخةُ المسيح لا تعبّر فقط عن الألم، بل تكشف ثقل الخطيئة والموت بكونهما واقعًا يقيّد الإنسان. ومع ذلك، فإنّ يسوع، حتّى في ضعفه يواجه الموت بوصفه صاحب سلطان عليه. هذا السلطان يتجلّى في الكلمة الفاعلة: لعازر، هلمّ خارجًا. وهنا يقول المعلم إيكهارت: الصوت الذي نادى: ، آدم، أين أنتَ، هو الصوت نفسه الذي ينادي: لعازر، هلمّ خارجًا.

يعود الميّت إلى الحياة استجابةً لصوت واهب الحياة. وهي تتجلى هنا عطيّةً وليس قدرةً ذاتيّة. هذه الآية تكشف أنّ الابن يشترك في سلطان الله نفسه: إعطاء الحياة. والحياة والقيامة هي يسوع ذاته، أمر لا يمكن اختزاله إلى بساطة قيامة شخصٍ من الموت وسيعود إليه. القيامة متجسّدة في شخص يسوع المسيح ذاته. بالتقائنا به، نلتقي الحياة في ملئها.

غير أنّ النصّ يقدّم تمييزًا حاسمًا. يخرج لعازر من القبر، لكنّه يبقى مقيّدًا. يداه ورجلاه مربوطتان، ووجهه ملفوف. ما حدث ليس بعدُ القيامة في معناها النهائيّ، بل عودة إلى حياةٍ زمنيّة. فلعازر سيموت مرّةً أخرى. إذًا، الآية تشير إلى ما يتجاوزها: إلى قيامة المسيح التي لن يعود بعدها للموت سلطان.

لكن داخل هذا الحدث، يكشف الإنجيل بُعدًا لا يقلّ أهمّيّة: حلّوه ودعوه يذهب. هنا تتجلّى حقيقة أساسيّة: عطية الحياة لا تُلغي مسار التحرير. يمكن أن يُستدعى الإنسان إلى الحياة، ومع ذلك يبقى مقيّدًا. وهذا ما يمسّ واقعنا مباشرة.

توجد «حجارة» في حياتنا مثل الانغلاق، والرفض، واليأس، تغلق القبر وتمنع الخروج. وتوجد «قيود»: الخطيئة، والخوف، والذاكرة المجروحة، تجعل الإنسان، حتى بعد أن يُستدعى إلى الحياة، غير قادر على السير في حرّيّة.

المسيح يدعو إلى الخروج، لكنّه لا يرفع الحجر وحده، ولا يفكّ القيود وحده. يُشرك الآخرين في هذا العمل. هنا يظهر بُعدٌ جماعيّ وكنسيّ عميق: الجماعة ليست شاهدة على المعجزة فحسب لكنّها مدعوّة لتكون شريكةً في مسار التحرير.

بهذا المعنى، يقدّم الإنجيل بنيةً واضحة: المسيح يهب الحياة، والجماعة تساهم في الحرّيّة. كما يذكّر الرسول، روح الذي أقام يسوع من بين الأموات يسكن في المؤمنين. إذًا، قوّة القيامة لم تعد إّة بطريقة خالصة، فهي تعمل الآن، داخل التاريخ، وداخل الجماعة، وداخل علاقاتنا.

وهكذا يقودنا النصّ إلى خلاصة حاسمة: الإعلان الإلهيّ ليس تعليمًا خالصًا عن الحياة والموت، إنّه أيضًا فعل دخول الله إلى عمق موت الإنسان، وتركه يظهر في ثقله الكامل، ثم تجاوزه من الداخل في شخص الابن.

أتؤمنين بهذا؟

الإيمان الذي يظهره نصّ معجزة إقامة لعازر هو قبول..
أن نُستدعى إلى الخروج، وأن ندخل في مسار التحرير، وأن نصير نحن أيضًا شركاء في حرّيّة الآخرين.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

چون جبرائيل الدومنيكي
راهب في معهد الدراسات الشرقية للآباء الدومنيكان   [ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب نقدي: ، هل من روحانية سياسية؟
تعريب كتاب جوستافو جوتييرث: ، التاريخ والسياسة والخلاص
تعريب كتاب ألبرت نوﻻن الدومنيكاني: يسوع قبل المسيحية
تعريب أدبي لمجموعة أشعار إرنستو كاردينال: مزامير سياسية
تعريب كتاب ال: ومواهب الروح القدس