لم يحدث أن تباينت المواقف، ومن ثم ردود الأفعال، مثلما حدث مع ظهور “العلمانيون” كتيار فكري في الشارع القبطي بل والمصري بالأساس، إذ تراوحت تلك المواقف وردود الأفعال بين اعتبارهم تيارًا إصلاحيًا طال غيابه، وبين اعتبارهم تيارًا هدامًا تم زرعه داخل الكنيسة من جهات “ما” لتقويض وهدم مسيرة النهضة التي يقودها قداسة البابا شنودة الثالث، ولم يتوقف واحد من الرافضين ليقرأ ما قدموه من رؤى ودراسات وأوراق أو لتحليل ما عقدوه من مؤتمرات وما خرجوا به من توصيات.
كانت هذه كلمات السطور الأولى من تقديم أول كتاب صدر لي “العلمانيون والكنيسة” 2009، وحرصت على أن تكون النسخة الأولى منه على مكتب قداسة البابا شنودة الثالث فور صدوره، وهو تقليد بدأته مع صدور كتيب “الأب دانيال؛ المصداقية ـ الاختراق ـ النكوص” الذي أصدرته قبل نحو ثلاث عقود من الزمان نوفمبر 1991، عبر الأنبا موسى أسقف الشباب، في كليهما، واستمر هذا التقليد مع كل كتاب يصدر لي كنت أضعه بين يدي قداسة البابا تواضروس الثاني، وكانت البداية مع قداسته مبكرة، نوفمبر 2012، فور إعلان اسمه في القرعة الهيكلية، إذ حملت له، ذات الكتاب ومعه ملف يضم أوراق وتوصيات مؤتمرات التيار العلماني القبطي السنوية “2006 ـ 2010” وكلها كانت تتناول الإشكاليات الكنسية وقتها، وكانت جلساتها معلنة ومفتوحة للكافة.
وعلى فترات متباعدة، نسبيًا، أصدرت:
• كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي
شهادة ورؤية، 2015
• كتاب: الكنيسة… صراع أم مخاض ميلاد
قراءة في مصادمات الفرقاء؛ الجذور والمستقبل، 2019
• كتاب: كنيستنا القبطية إلى أين؟
المسارات، الطموحات، المخاطر، 2026.
وكان حرصي الدائم فيما أصدرته أن تتضمن أطروحاتي عرض الإشكاليات التي تتعرض لها ومناخاتها الخاصة داخل الكنيسة والعامة خارجها، ثم تصورات حلها على أرض الواقع، سعيًا لكنيسة قادرة على أداء رسالتها.
وفي ختام تقديم الكتاب الأخير في هذه السلسلة جاءت هذه الكلمات:
كان حرصي أن أجرد قلمي من الانحيازات، إلا لما أحسبه حقًا، وحرصت على عدم توظيف كلماتي لتصفية حسابات معلقة، أو انتصاراً لتيار أو جانب من أطراف الأحداث التي أطرقها، وحاولت قدر الطاقة الإلتزام بالموضوعية، وأزعم إنني نجحت في ذلك.
ويلحظ القارئ حرصي على تقديم رؤيتي في تفكيك الإشكاليات التي أقتربت منها، وهي رؤية تشكلت بامتداد سنوات عمري التي طالت، لعلها تصادف من يفحصها ويحولها إلى واقع معيش، لهذا كنت أقول لمن يسألني لمن تكتب؟ أنني أكتب للأجيال الواعدة الأوفر حظًا في التعاطي مع المعرفة، وتتوق لأن تتعرف على كنيستها عن قرب، ولأجيال قادمة متحررة من الوشائج الشخصية الآنية مع الشخوص والأحداث. لهؤلاء أكتب.(كمال زاخر، كنيستنا القبطية إلى أين؟
أما لماذا كان حرصي على أن أودع ما أكتبه بين يدي قداسة البابا سواء البابا شنودة ثم البابا تواضروس، فمرده أنني أطرق باب صاحب القرار والمسؤول الأول عن تدبير الكنيسة، وربما لاستيعابي أن الشماس حسب الدسقولية هو عين وأذن الأسقف، ينقل إليه نبض وأنين وإشكاليات الكنيسة.
وفي هذا السياق شَرُفت على المستوى الشخصي بلقاء خاص مع قداسة البابا شنودة ثلاث مرات، كان اللقاء الأول عقب صدور كتيب “الأب دانيال ـ المصداقية، الاختراق، النكوص” بحضور الراحل الأنبا بيسنتي سكرتيره الخاص وقتها وأسقف حلوان بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية،
وجاء اللقاء الثاني على هامش مؤتمر تأسيس ملتقى ومؤسسة مستقبل الفكر العربي بفندق رويال نايل تاور بالقاهرة، الإثنين 27 أكتوبر 2002، الذي نظمته المملكة العربية السعودية، وكان موضوعه “الديانات السماوية والهوية العربية” عقب الانتهاء من كلمته فيه.
أما اللقاء الثالث فكان على هامش لقاء جماعة الليونز بعدها بثلاثة أيام في فندق سميراميس بالقاهرة.
وشهد اللقاءان الأخيران الأساقفة أنبا يؤانس (مطران أسيوط حاليًا وسكرتير المجمع المقدس الحالي) وأنبا بيسنتي، وأنبا إرميا سكرتير قداسته. واتسع صدر قداسته في اللقاءات الثلاثة لحوار لا تنقصه المصارحة، وامتد اللقاء الثاني لما يقرب من الساعة.
وشرُفت بلقاء قداسة البابا تواضروس لأربع مرات، الأول في رحاب دير الأنبا بيشوي لتهنئته بوقوع اختيار القرعة الهيكلية عليه، نوفمبر 2012، وإعطاءه نسخة من تقرير مَجَمَّع لأوراق وتوصيات مؤتمرات التيار العلماني أعوام 2006 ـ 2010، وكتابي “العلمانيون والكنيسة”، والثاني بمقره بدير الأنبا بيشوي لإهدائه كتابي “قراءة في واقعنا الكنسي” 2015، والثالث بالمقر البابوي بالأنبا رويس بالعباسية لإهدائه كتابي “الكنيسة صراع أم مخاض ميلاد؟” 2019، ثم الرابع بالمقر البابوي بالعباسية لإهدائه كتابي “كنيستنا القبطية إلى أين؟” 2026. واتسع صدر قداسته في اللقاءات الأربعة لحوار لا تنقصه المصارحة، وامتد اللقاء الرابع لما يقرب من الساعة والنصف.
وللكتابة معي حكاية موجزها أنها اقتحمتني بغير أن امتهنها، ولم تبرح حيز الهواية فيما كانت القراءة شغفي الاحتراقي الأول، لأسباب تتعلق بمناخات النشأة والتكوين حين كانت الكتب نافذتنا الأولى والأكبر للتعرف على العالم حولنا، ومنها وقر في ذهني أن لكل حكاية طرفان وربما أكثر، والموضوعية تقضي بأن أطرق أبواب أطرافها، حتى تكتمل أركانها عندي، فيأتي موقفي منها بغير انحيازات ذاتية، وبغير تأثر بضجيج طرف منها أو قدرته على الترويج لروايته وإقصاء وجهات نظر من يقفون على الشاطئ الآخر من الحكاية.
ولا أستطيع أن أنكر أن هذا النهج كاد أن يعصف بي، وكدت معه أن أفقد سلامي، لزمن ليس بقليل، في لحظات استدعيت فيها ما حدث مع الإنسان الأول حين أكل من شجرة معرفة الخير والشر، ربما بفعل فضوله ومحاولته فك أسرار حجبها عنه، حدث شيء من هذا عندما أفتربت من دوائر الكنيسة رغم تحذيرات والدي ونصيحته بأن أحتفظ بمسافة بيني وتلك الدوائر، فتوالى أمام عينيَّ سقوط أوراق التين عندها، ومعها اهتزت الصور الذهنية التي تشكلت عندي، وهالني مفارقات القول والفعل، لولا الأساسات التي ترسخت في روحي وقلبي في بيت أبي وفي كنيستي البعيدة عن الأضواء وذلك الشيخ الوقور كاهنها المستنير، وإليهم يعود الفضل في إدراكي لعمق الإيمان المسيحي وقامة كنيستي وقيمتها، لولاهم لكنت على قائمة الملحدين التي يغذيها أولئك الذين سقطت عنهم أوراق التين.
لم أقع يومًا في أسر معلم أوحد، بل كنت كنحلة لا تهدأ، تمتص رحيق التعليم من حقول أرثوذكسية عديدة، اقتربت منها بوعي شكلته تلمذتي على كتب الآباء وبوصلتها الكتاب المقدس، بإرشاد أبي الكاهن الشيخ وخبراته الحياتية والكتابية والآبائية بآن. في جلسات امتدت في بعضها إلى تباشير فجر اليوم التالي، حتى رحيله بشيبة صالحة وقلب مختبر للحياة في المسيح وحبه.
وسط ركام الصراعات عرفت قدماي الطريق إلى مختلف الاتجاهات، أتعرف عليها ولا تستغرقني، أنصت إليها بغير أن أتماهى فيها، أتفهم تباينات أطروحاتهم وأحسبها ثراءً طالما تأسست على القواعد الإيمانية السوية، في إيمانهم الثالوثي ولاهوت التجسد ومعطيات الفداء وامتداد أثاره وتداعياته للإنسان بانتقاله إلى دائرة البنوة، وصيرورته خليقة جديدة في المسيح، وتبقى مساحات مشروعة لتعدد القراءات، وهو أمر نشهده في آراء وتأويلات آباء الكنيسة المؤسسين، وقد فصَّلته في كتابي “الكنيسة صراع أم مخاض ميلاد؟”، تحت عنوان “اختلفوا في الرأي وبقوا قديسين” قلت فيه:
احتفظ لنا التاريخ بنماذج عديدة لمعلمين كنسيين ثقاة اختلفوا في قضايا كنسية وكتابية مهمة، إلى درجة التضاد، ولم يقل أحدهم بإن الآخر “هرطوقى”، لا في عصره ولا في العصور اللاحقة، لسلامة الأرضية الإيمانية التي يقفون عليها وينطلقون منها.
وذكرت أمثلة اختلف فيها القديس يوحنا ذهبي الفم مع العلامة أوريجانوس أبو التفسير الرمزي للكتاب، حول النجم الذي ظهر للمجوس: نجم حقيقى أم ملاك؟، واختلاف القديسون العلماء هيبوليتس وترتليانوس وباسيليوس الكبير، مع ما ذكره يشوع بن سيراخ في سفره حول روح صموئيل.
وثمة مثال آخر للاختلاف حول تناول يهوذا، إذ راح ذهبي الفم وأغسطينوس إلى تأكيد أنه تناول، وهو ما ذهب إليه قداس القديس باسيليوس عند البيزنطيين الذي يقول بأن يهوذا قد تناولإن يهوذا هو ابن الأفاعي الذين أكلوا المن في القفر وتذمروا على المغذى.. إذ كان الطعام بعد في أفواههم كانوا يتذمرون على الله في قلوبهم، وكذلك هذا الرديء العبادة المتسلسل منهم إذ كان الخبز السماوي بعد في فمه سلم المخلص. فيما يرى بعض من الآباء المحدثين أنه لم يتناول بل خرج قبل تأسيس سر الإفخارستيا. وفي كل هذا لم يُكِل أحد تهمة الهرطقة لأي منهم ولم يعتبروا خارجين عن الإيمان، آباء قالوا رأيًا وآباء قالوا عكسهم، وكلهم محسوبين من معلمي الكنيسة الجامعة.
ننتهي من هذا إلى أن الرأى يقبل الاختلاف ولا ينتهي بهرطقة قائله، طالما هو يؤمن بإيمان الكنيسة الذي قال به قانون الإيمان. ويبقى الاختلاف في الرأي محكومًا بعدم خروجه عن العقيدة العامة للكنيسة.(كمال زاخر، الكنيسة صراع أم مخاض ميلاد؟)
تأسيسًا على هذا يأتي موقفي من ظاهرة اللجان الإلكترونية التي تترصد كتابات عديد من المفكرين والكتّاب الذين لا ينتهجون نهجهم، ويفكرون خارج سياقاتهم، التي تتعقب كتاباتي ومواقفي، ويأخذ عليَّ كثيرون أنني لا أعقب عليها أو أفندها، وقد ذهبتْ إلى وصفي بالمهرطق والمعادي للكنيسة (!!!)، مع قائمة اتهامات ساذجة ومتهافتة ممتدة.
أقول إن كتاباتي موثقة فيما أصدرته من كتب، التي حين انتقدوها لم يقتربوا مما طرحته فيها، وظني أنهم لم يقرأوها، فقط أثاروا حولها غبار أحاديث عن أنني قابلت فلان، وأقرأ لعلان، ومحسوب على هذا أو ذاك، بل من فرط سذاجتهم راحوا يروجون بأني أتخفى خلف أشخاص يناصبون أساقفة العداء، بالمخالفة لمنهجي في المواجهة، وما حاجتي لهذا وقلمي لم يجف مداده بعد، وأوراقي مازلت مطروحة، تحمل تفكيكًا لقضايا تؤرق الكنيسة وتعوق مسيرتها، ولا تكتفي بمجرد طرحها بل تقدم رؤى في حلولها بغية أن نصل إلى كنيسة قادرة على أن تصل برسالتها لمستحقيها.
إنهم يغازلون البسطاء بزعم دفاعهم عن الإيمان الذي لا يرونه إلا في شخوص بعينهم، في حين أن الكنيسة هي امتداد للتنوع الذي كانه تلاميذ الرب يسوع المسيح، بهدف إعلان المسيح ومجده.
صدر للكاتب:
كتاب: الإشكالية القبطية: رؤية من الداخل ١٩٩٨
كتاب: العلمانيون والكنيسة: صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي: شهادة ورؤية ٢٠١٦
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٩
كتاب: كنيستنا القبطية إلى أين؟ ٢٠٢٦
