بين الاتهام والواقع: ماذا قالت مصر منذ اليوم الأول عن الحرب؟ ردًا على مجدي خليل.

يريد البعض من مصر أن تدخل الحرب فعليًا، أو على الأقل أن تعلنها صريحة بلا مواربة. ولأنها لم تفعلها، سارعوا إلى اتهامها بأنها -منذ اليوم الأول- وقفت إلى جانب إيران ضد دول الخليج. وهذا ليس مجرد خطًأ في التقدير، بل كذب صريح، أو جهل مُراد لغرض.

فبحسب ما نشرته ، ومنذ اليوم الأول، وتحديدًا في 28 فبراير الماضي، كان الموقف الرسمي المصري واضحًا لا لبس فيه. إذ نقرأ الآتي: [1]

دانت مصر بشدة استهداف إيران وحدة وسلامة أراضي دول عربية شقيقة وانتهاك سيادتها، بما في ذلك قطر والإمارات والكويت والبحرين والأردن، وما ينطوي على ذلك من مخاطر جسيمة تهدد أمن واستقرار الدول العربية والمنطقة برمتها.

ولم يتوقف البيان عند الإدانة، بل شدد على:

ضرورة احترام سيادة هذه الدول ووحدة وسلامة أراضيها، واحترام مبدأ حسن الجوار، والتحلي بأقصى درجات ضبط النفس في هذه المرحلة الفارقة من تاريخ المنطقة، وتغليب لغة الحوار والدبلوماسية، تفاديا لتوسيع نطاق الصراع وانزلاق المنطقة إلى دوامة من التصعيد يصعب احتواؤها، وبما يهدد الأمن والسلم الإقليميين والدوليين.

انتبهوا جيدا: هذا قيل في 28 فبراير 2026، أي من اليوم الأول.

بعد ذلك، يمكن أن نسأل السؤال المنطقي: إذا كانت مصر قد أدانت إيران صراحة، وأكدت دعمها لسيادة الدول الخليجية، فكيف تحولت -في رواية البعض- إلى “طرف منحاز لإيران”؟

الإجابة ببساطة: لأن هؤلاء لا يريدون موقفًا سياسيًا متزنًا، بل يريدون حربًا. ولإثبات وجهة نظرهم انزلقوا إلى اعتبار الأصوات التي لا تذكر مصر أبدًا بالخير -لا داعي لذكر الإهانات- فلا يوجد شعب أو دولة ليس بها سفهاء -ولا استثني أحد لا دولة ولا شعب ولا حتى مدينة أو قرية- أقول اعتبروا هذه الأصوات الكارهة أنها هي الأصوات المتعلمة النقية، الواعية والعميقة…. واعتبارهم على حق في مقارنة معيبة بين شعوب -بلغة تصنع فتنة لا تسعى لعلاقات مصالح وحسن جوار- وكأن مصر عندهم هم ومن يستشهدون بهم من الشتامين السبابين لمصر، لا تستحق أكثر من هذه الإهانات حكومة وشعبًا وبالجملة، أما من وجهة النظر الصهيومسيحية فهي ساقطة، ساقطة في حضن الإخوان لا محالة، بل هي اليوم إسلامية “ية”.

ولا أعرف هل المنقذ من هذا المصير الحتمي، على افتراض أنه حتمي، هو فعلًا أمريكا وإسرائيل معا، ليتحقق قول الكتاب المقدس: وتكون يهوذا رعبًا لمصر [2]، وخمس مدن أو أقاليم تتكلم بلسان كنعان (العبري يعني) وتحلف باسم ، [3]  يوم يأتي هذا اليوم الموعود به، هو يعرف مع من سيكون بكل تأكيد.

يريدون من مصر أن تقفز إلى مواجهة مفتوحة، حتى لو لم تعلن دول الخليج نفسها حربا شاملة، ولم تطرد سفراء إيران عندها، على الأقل حتى هذه اللحظة، فهل مطلوب من مصر أن تطرد السفير الإيراني -اللي هو معندهاش أصلًا- وتعلن الحرب على إيران؟

إن الأمر كله ليس أكثر من مزايدات رخيصة ورغبة في توريط مصر، وحتى لو كان ذلك سيؤدي إلى توسيع دائرة النار بدل احتوائها. إنها وجهة النظر الأمريكية وكما قال وزير دفاعها پيت هيجسث إنها حرب ، لقد لوثت تأويلاتهم التدبيرية الصهيومسيحية للكتاب المقدس عقولهم فعلًا- وصاروا أشد كراهية لبلادهم من أعدائها ومن يسعى لتخريبها والتسلط عليها.

لكن الواقع مختلف. والبشر الطبيعيين لا يريدون ذلك، والدول لا تدار بالشعارات، وبعقائد ما ورائية نبوية واة أخروية، بل بالمصالح لخير الناس لا التضحية بهم على مذبح آلهة تحب رائحة الشواء.

ومصر، بحكم موقعها وحساسيتها الجيوسياسية، لا يمكن أن تتعامل مع صراع على الهيمنة الكاملة في حرب صفرية بين أمريكا وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر بمنطق الاندفاع والخفة التي يتسم بها المدعين أنهم محللين سياسيين ومبشرين بالصهيومسيحية من أمريكا.

أي تصعيد واسع قد يمتد إلى ممرات حيوية مثل باب المندب، حيث يكفي مجرد التهديد لتعطيل حركة التجارة العالمية، فضلًا عن تأثيره المباشر على مصر. المفارقة أن بعض هذه الأصوات نفسها، التي تقلل من قدرات مصر وتهاجمها ليل نهار، هي أول من يطالبها بالدخول في الحرب. تناقض لا يحتاج إلى تفسير بقدر ما يكشف عن طبيعة الخطاب ذاته. في المقابل، الموقف المصري كان واضحًا منذ البداية: إدانة الاعتداءات، دعم الدول العربية، ورفض الانزلاق إلى حرب مفتوحة. ولا قياس على جعجعة البعض الذي لا يمثل إلا نفسه أو يعبر عن أيدلوجيته هو  لا الدولة.

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. بيان رسمي.. أول تعليق من مصر على “حرب إيران” [🡁]
  2. سفر إشعياء 19 : 17 [🡁]
  3. سفر إشعياء 19 : 18 [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

ارنست وليم
[ + مقالات ]